تختزل قضية المحامي والمناضل الحقوقي، نزار صاغية، ورفاقه، أمام نقابة المحامين في بيروت، كل ما يستوجب مناهضته والوقوف في وجهه في لبنان اليوم. لا مبالغة هنا، بل هو أضعف القول والإيمان. القضية تجاوزت مسألة الحريات وتكميم أفواه محامين يعملون ويعلون الصوت ضد فساد وقمع وظُلم، من دون تجاوز الضوابط الحقيقية للمهنة وأخلاقياتها.. في ملفات انفجار مرفأ بيروت، حقوق العمّال والأجراء، النساء ضحايا العنف من كل صنف ونوع، ومثلهن الأطفال، إضافة إلى حرية الإعلاميين والصحافيين والناشطين وعموم المواطنين تحت سقف القانون. جروح أهالي مفقودي ومخطوفي الحرب الأهلية، الاضطهاد والتجريم على أساس جنساني، الحق العام وحقوق المودعين الضائعة في الأزمة الراهنة بين أقطاب السلطة ومصرف لبنان والمصارف اللبنانية. الانتخابات، والمحسوبيات والأحزاب المتحاصصة، بل حتى القطاع الثقافي والفني... واللائحة تطول.هذا كله، اليوم، على محكٍّ رمزي وفعلي. هذا كله في خطر، ناس هذه القضايا أمام خطر الكتم، الإلغاء. فأصواتهم، آخِر ما يمتلكون، مهددة بالسرقة في وضح النهار، لصالح محامي المصارف وأقطاب السلطة.إن نجحت نقابة المحامين في بيروت، في إسكات صاغية وزملائه، ومنعهم من الكلام في الحيز العام إلا بإذن مسبق من النقيب/الرقيب، فهذا يعني إخراسنا جميعاً وإلى أجَل غير مسمّى، في عز حاجتنا للاعتراض والفضح والنقد، وهي أصلاً أسلحة المقاومة الوحيدة المتبقية للبنانيين في ظل انحسار المساءلة والمحاسبة والعدالة واعتلال النظام القضائي والمؤسسات الدستورية.. أي في زمن تغوّل الشرّ السلطوي اللبناني كما لم يفعل من قبل.العناوين أعلاه هي الأكبر والأهم للصراع الحيوي الذي يجب أن يخاض إلى جانب صاغية ورفاقه، بكل وسيلة ممكنة ومن كل منبر متاح. لكنها، على ضخامتها، ليست كل شيء. أو بالأحرى، هي ليست المرآة الوحيدة، بعد انكشاف لأحزاب تدّعي السيادية والانحياز للديموقراطية، في حين أن ممثليها في مجلس نقابة المحامين يؤثرون الصمت أو المواقف المائعة. هذه العناوين، على فداحتها، ليست المُعرِّفات الكاملة لصلف السلطة ككل، والتي أعادت أحزابها الاستيلاءَ على المجالس النقابية، من ضمن ما تستولي عليه بوقاحة منقطعة النظير، وبعدما كانت انتفاضة 17 تشرين 2019 قد حركت بارقة أمل قصيرة العُمر في انتخابات نقابتي المحامين والمهندسين وسواهما.ثمة عدسة مكبّرة أخرى، مفيدة لفهم الخصم في هذه المعركة الأساسية، يقدّمها لنا الخصم نفسه. تصريحات ومقاربات وتغريدات لا تحتاج كثير شرح أو تمحيص لتبيان رجعيتها ومعاكستها لكل ما هو متعارف عليه من أبسط حقوق الإنسان، على صهوة أبوية وذكورية وخيانة لروح القانون والدستور.مثلاً:في خلال ندوة حول إشكالية العنف الأسري بين الواقع والقانون، جاء في كلمة النقيب ناضر كسبار: "إن مسألة العنف الأسري من أخطر المسائل على الإطلاق في العلاقة بين أفراد العائلة الواحدة. إذ ماذا يمنع أحد الأفراد من "التسلبط" على الآخر عن طريق الإدعاء بأنه تعرّض للضرب أو للركل أو للدفش؟ وماذا يمنعه من أن يطعن نفسه أو يضرب رأسه بالحائط ويقول بأنه يتعرّض للضرب؟ (...) أخشى ما نخشاه هو أن يُعطي أفراد العائلة المبررات للتعسّف بهذا الخصوص، خصوصاً في هذه الأيام التي يعتقد البعض فيها أن الحرية هي له وحده، وحق الإنتقاد له وحده؛ وبعد ان كبرت مخيلة البعض في تدبير المكائد. فتأتينا الشكاوى بأن الأب تحرش بإبنته. كل ذلك بقصد الأذى والإستفادة من هذه الإدعاءات الكاذبة، لتنال المرأة مكاسب ومبالغ لم تكن لتنالها لو اكتفت بعرض وقائع علاقة عادية مع زوجها".ومنذ أسابيع قليلة، ناقض مجلس النقابة نفسه، إذ امتنع عن إتخاذ أي موقف أو إجراء بحق المحامي محمد غازي زعيتر (نجل النائب الحالي والوزير السابق غازي زعيتر المطلوب للتحقيق في ملف المرفأ)، وهو الذي تهجّم لفظياً على أحد أعضاء مجلس النقابة الدائمين، النقيب السابق ملحم خلف. بل استقبله النقيب الحالي، واحتفى بزيارته. علماً أنه "بحسب النظام الداخلي للنقابة يُمنع على المحامي التحقير أو الذم أو القدح أو توجيه العبارات الجارحة أو المهينة إلى النقيب وأعضاء مجلس النقابة (المنتخبين والدائمين)"، وفقاً للتعديلات التي أجراها مجلس نقابة المحامين على نظام الآداب في 3 آذار/مارس 2023.وفي ندوة عقدت في "بيت المحامي" بعنوان "قانون الإعلام: رؤية مستقبلية"، تحدث كسبار فقال: "الصحافة مرآة المجتمع وتعكس ما يحصل فيه. فإذا كان مجتمعاً صالحاً تكتب أنه صالح، وإذا كان فاسداً تكتب أنه فاسد. وبالتالي لا يمكنها أن تزوّر الواقع وتكتب عكسه، وإلا فسد الملح. وإذا فَسُد الملح فبماذا يملّح؟ نعم. قديماً كانت هناك وسائل إعلامية محدودة جداً في لبنان. فكان تلفزيون لبنان، والإذاعة اللبنانية وعدة صحف محلية. أما اليوم فتعددت الوسائل، وبات كل مواطن وكأنه إعلامي. يكتب ويحلّل من خلال التلفزيونات المتعددة والإذاعات والصحف والفايسبوك والوتساب والتيك توك والتويتر، والسايتات وغيرها وغيرها. وبالتالي عمّت الفوضى، وبات النيل من كرامات الناس أمراً سهلاً. واختلطت الأمور على أصحاب العلاقة ورجال القانون. فأي محكمة مختصة للنظر في دعاوى الذم والقدح والتشهير والتحقير والأخبار الكاذبة. هل محكمة المطبوعات أم محكمة الجزاء العادية؟".وبعد..فقد صدر مؤخراً كتاب "جريمة المثلية الجنسية في القانون اللبناني والديانات السماوية" لمؤلفه المحامي سلمان أحمد بركات، وقدّم له النقيب كسبار الذي يرعى أيضاً حفلة التوقيع في "بيت المحامي". والكتاب يعرّف المثلية ويبحث في "أضرارها الفردية والاجتماعية"، وما إذا كانت "حالة طبيعية أم مَرَضية"، ويفنّد "أركان جريمة المثلية الجنسية"، حسبما جاء في الخبر.أما الكرزة على رأس قالب الحلوى هذا، فليست أقل من تعليق عضو مجلس النقابة، المحامي والناقد الأدبي والروائي حائز الجوائز، ألكسندر نجار، على قول نزار صاغية بأن مجلس النقابة سقط في اختبار الحرية، بأنه "معيب ومتعجرف". فيما موقع الكتروني "متخصص" يكتب عن معاملة النقيب لمخالفي الحظر الإعلامي معاملة "الأب الصالح"، في مقابل أداء المحامين "المخالفين" الذين لم يحترموا "المقامات من موقع النقيب إلى موقع أعضاء مجلس النقابة".نحن إذاً أمام نقيب محامين، حين يختار الحديث عن قضايا العنف الأسري التي تزايدت وتيرتها بشكل مقلق خلال السنوات القليلة الماضية، ورغم وجود قانون (معتلّ) يجرّمها، فإنه يختار زاوية التخوف من إمكانية تحولها ادعاءات كاذبة، لا سيما في أيدي نساء "انتهازيات" يبغين المكيدة لتحقيق المكاسب من الرجال، رغم الوصمة والأثمان الاجتماعية الباهظة الناتجة عن تصريحهن بما يتعرضن له... هذا إن بقين على قيد الحياة. هذه هي "الحرية" التي يخشاها النقيب، حرية أن تؤذي الضحية جلادها.وهو نفسه نقيب المحامين الذي يُبرز تجريم المثلية الجنسية في الدنيا والآخرة، واعتبارها مرضاً محتملاً بمفرداتٍ نبذها العصر والعِلم والعالَم المتحضّر، ويقدّم عن ذلك كُتباً يرعى توقيعاتها. نقيب، يستنسب في تطبيق القوانين الداخلية للنقابة، بما فيها التعديلات التي أرساها بنفسه وهي موضوع الحرب المُعلنة على نزار صاغية وزملائه.نقيب محامين يعيش في زمن "تلفزيون لبنان" تلفزيوناً أوحد، والصحف الورقية المعدودة، ويستهول كل هذه الآراء والمنابر في فضاء الانترنت: أيعقل أن يحكي ويعبّر أي كان عن كل شيء؟ أيجوز أن يَخرق حصريةَ الرأي للنخبة، مَن هبّ ودبّ من الناس؟ هكذا، يطرح سؤالاً جدياً ومفزعاً عن إمكانية إلا تكون محكمة المطبوعات المرجع الوحيد لقضايا "القدح والذم" التي قد يرتعب واحدنا لمجرد التفكير في كيفية توصيف العقلية هذه لما هو قدم وذم وتشهير وخبر كاذب.وأخيراً وليس آخراً، يُرى في فُلك النقيب، مثقف يُعادي الحرية في حين يفترض أن الحرية شغله واشتغاله، وصحافي يشجب نقد السلطة فيما يُفترض بالنقد أن يكون أداته وعُدّة حِرفته.إن خسر نزار صاغية وزملاؤه هذه المعركة، فستكون الخسارة مقدمة لهزيمة المجتمع اللبناني بأكمله، بمثقفيه وناشطيه، بعمّاله وصحافييه وقتلاه ومنهوبيه، فوق ما مُني به من هزائم حتى الآن.. ستكون حشرجتنا كلنا، مختنقين بمظالمنا المكتومة، البكماء.
ملاحظة: نرجو ممن يرغب بإضافة تعليق، صياغته بلغة لائقة بعيدة عن القدح والذم والتحريض المختلف أو المسّ بالكرامات. إن كل ما ينشر من مقالات وأخبار ونشاطات وتعليقات، لا تعبر بأي شكل من الأشكال عن رأي الموقع الذي لا يتحمّل أي أعباء معنويّة أو ماديّة من جرّائها.
التعليقات
لارسال تعليق يرجى تعبئة الحقول الإلزامية التالية


