من هو العبقريّ الذي صوّر هذه الجداريّة؟ هل كان رجلاً؟ هل كان امرأة؟ هل كان شابّاً؟ هل كان كهلاً أم شيخاً طاعناً في السنّ؟ لا تقدّم المرويّات التاريخيّة جواباً شافياً. ولعلّ هذه الأسئلة ستبقى أسئلةً ما لم تبصر النور معلومة ما تحتجب في بواطن المصادر القديمة لا نحدس بوجودها اليوم. الثابت أنّ الرجل الذي عُهد إليه بترميم دير الخورا في القسطنطينيّة (اسطنبول حاليّاً)، فأعطى الأمر لأحد معلّمي ما يُعرف بالمدرسة المقدونيّة بإنشاء الفسيفساء والجداريّات، كان يدعى ثيوذوروس ميتوخيتيس. ولئن كان هذا الرجل يتحدّر من عائلة فقيرة، إلّا أنّه كان محبّاً للشعر والفلسفة والعلوم. وقد أصبح، في ما بعد، أمين بيت المال في عهد القيصر البيزنطيّ أندرونيكوس الثاني (١٢٨٢-١٣٢٨). يقال إنّ الفكرة الأصليّة كانت تزيين كنيسة الدير والأروقة المحيطة بها بالفسيفساء حصراً. لكنّ النقص في المال أدّى إلى الاستعاضة عن بعض الفسيفساء برسوم جداريّة. إذا كانت هذه الحكاية صحيحة، فإنّ هذا النقص كان سبباً في نشوء أجمل جداريّة بيزنطيّة في العالم. تصوير القيامة باللجوء إلى فكرة نزول المسيح إلى الجحيم لم تخترعه المدرسة المقدونيّة. فثمّة نماذج تعود إلى ما قبل القرنين الثالث والرابع عشر. قوام الفكرة هنا أنّ معنى الحدث يصير هو التعبير الأبلغ عن الحدث، بحيث تتوارى المسافة بين الشيء ومعناه. الجحيم هي مكان الانتظار الذي تقرّ فيه نفوس الموتى، أو لا تقرّ، منتظرةً ما سيصنعه الله بها في اليوم الأخير.قيامة المسيح تبدأ من هنا، من اقتحامه هذا الحيّز المظلم بثيابه البيضاء وطلعته اللامعة كي ينتزع آدم وحوّاء من قلب ناووسين حجريّين يرمزان إلى رزوح البشريّة جمعاء تحت سلطان الموت. وعند المصوّر، الذي لا نعرف عنه شيئاً، أنّ دخول المسيح وهدة الموت هذه هو إيّاه القيامة، إذ «لا يمكن أن يُضبط عنصر الحياة في قبر»، كما كتب باسيليوس الكبير، أسقف قيصريّة كبادوكيا، ذات يوم. ويتّضح التماهي بين الحدث ومعناه عبر العنوان الذي يتصدّر الجداريّة «إي أناستاسيس» (hē anastasis)، أي القيامة باللسان اليونانيّ.
تطالعنا هذه الجداريّة بعناصر كثيرة يمكن التوقّف عندها، لعلّ من أبرزها انتصاب النبيّ يوحنّا المعمدان، وهو إيّاه يحيى القرآن، على يمين المسيح دالّاً عليه وكاشفاً هويّته لملكين يقفان إلى جانبه هما داود وسليمان. كما كان يوحنّا، قبل استشهاده اللاعنفيّ في سبيل الحقّ على يد الملك هيرودس أنتيباس، معلناً لسرّ المسيح، كذلك هو بعد موته مذيع لهذا السرّ. من الجانب الآخر، ثمّة شابّ يستلّ عصاً. إنّه هابيل، شهيد اللاعنف الآخر. في كتاب التكوين، يُقتل على يد أخيه قايين من دون أن ينبس ببنت شفة. أمّا في القرآن الكريم، فهو يهتف بأخيه قابيل: «لئن بسطت إليّ يدك لتقتلني، ما أنا بباسط يدي إليك لأقتلك إنّي أخاف الله ربّ العالمين» (المائدة ٢٨). سواء بصمته أو بكلماته، التي تفصح عن واحدة من ذرى اللاعنف في الكتب المقدّسة قاطبة، يلاقي هابيل المسيح الذي، بحسب إنجيل متّى، لم يقع فريسة تجربة أن يطلب من الله إرسال اثني عشر جيشاً من الملائكة كي تحميه من الذين قبضوا عليه، بل آثر موتاً لاعنفيّاً على الصليب مستحثّاً أباه أن يغفر لصالبيه. هابيل هذا، الذي استبق بموته موت المسيح، يقيم معه في أيقونة قيامته رمزاً لكلّ الذين يُقتلون ظلماً ولا يقاومون الشرّ بالشرّ.
من أجل هؤلاء، ومن أجل دمهم المسفوك وكأنّه سدًى، يصنع الله، عبر إقامة المسيح، انتصاراً من نوع آخر. فتصبح القيامة تعزيةً للذين في عيونهم دمعة ووعداً بحياة جديدة.
ملاحظة: نرجو ممن يرغب بإضافة تعليق، صياغته بلغة لائقة بعيدة عن القدح والذم والتحريض المختلف أو المسّ بالكرامات. إن كل ما ينشر من مقالات وأخبار ونشاطات وتعليقات، لا تعبر بأي شكل من الأشكال عن رأي الموقع الذي لا يتحمّل أي أعباء معنويّة أو ماديّة من جرّائها.
التعليقات
لارسال تعليق يرجى تعبئة الحقول الإلزامية التالية


