قبل عامين ونيف كان من شأن إسناد دور كليوباترا إلى الممثلة الإسرائيلية غال غودت، أن يحفز الكثير من اللغط والغضب. وفي الجدل حول حق امتلاكها، دارت أسئلة تتعلق بالعِرق والأركيولوجيا والتاريخ، واستعانت الصحف الإسرائيلية بحجة الدم، فكون كليوباترا يونانية فهذا يجعلها أقرب إلى اليهود الإشكيناز منها للعرب أو المصريين المعاصرين.مرة أخرى تعود الملكة البطلمية وتعيينها العرقي، ساحة لمعارك الهويات والتمثيل. فبمجرد إعلان "نتفليكس" عن وثائقي جديد بعنوان "كليوباترا"، تؤدي بطولته الممثلة البريطانية السمراء أديل جيمس، سرت موجة من الامتعاض. أصحاب الهشاشة البيضاء اعترضوا "الغسيل الأسود" وحذّروا من "هولوكوست" يستهدف الحضارة الغربية ومحاولة الاستيلاء عليها، فكليوباترا بيضاء أوروبية فكيف تقوم بدورها ممثلة سمراء؟!
وانهال على صفحة أديل جيمس في "تويتر"، سيل من الإهانات العنصرية (بعضها بالعربية): "كليوباترا كانت ملكة وليست عبدة، فلماذا تقومين بدورها؟". وفي تغريدة سابقة كانت أديل قد أعلنت بكثير من الارتياح انتهاء عرض مسرحية "أهمية أن تكون إرنست" في نوفمبر الماضي، بعد موجة من التعليقات العنصرية التي استهدفت العمل. ففي المسرحية، المفترض أن تدور أحداثها في الأوساط المخملية الإنكليزية مطلع القرن الماضي، لا تظهر أديل فقط بملابس فيكتورية لتؤدي دور شابة إنكليزية بيضاء، بل إن طاقم العمل كله من الممثلين السود. وخلال العقدين الماضيين، داومت الفرق المسرحية البريطانية على إسناد أدوار شخصيات بيضاء في أعمال كلاسيكية إلى ممثلين من الأقليات، كأن يكون "هاملت" آسيوياً، أو أن تقوم بدور "بروتس" في "يوليوس قيصر"، ممثلة أنثى، وسوداء، وكان ذلك مدفوعاً أحياناً بسياسات الاحتواء والتنوع المباشرة والعملية، وفي أحيان أخرى، بدوافع فنية أعقد، للتلاعب بتصنيفات العرق والجنس وغيرها وتحدي الافتراضات المُطَمئنة للمشاهدين وزعزعتها.وبالعودة إلى "كليوباترا"، فإن فرقة شكسبير الملكية، منذ الخمسينيات وحتى اليوم، قدمت عشرة إنتاجات مختلفة للمسرحية، في اثنين منها قامت بدور كليوباترا ممثلتان سوداوان، هما الأميركية جواكينا كالوكانغو في إنتاج 2013، ومواطنتها جوزيت سيمون في إنتاج 2017.
(جواكينا كالوكانغو في دور كليوبترا 2013)في مصر، تحيق بوثائقي "نتفليكس" حساسيات عديدة. فكليوباترا جزء من تاريخنا قطعاً، ومصرية بشكل ما، فالبطالمة تمصّروا في هيئتهم وفي طقوس الحكم والدين ليشبهوا الفراعنة. إلا أن موضع التحسّس لا يأتي فقط من حق الامتلاك، بل أيضاً من كون جهة الإنتاج والعرض هي "نتفليكس". وفي هذا وصمة مزدوجة، فمنصة العرض الأميركية مُتهمة دائماً من جهة المحافظين بترويج أجندة بعينها، على رأسها المثلية والحريات الجنسية، أي بمعنى أوسع تذويب الحدود الصلبة كما نعرفها بين التصنيفات الاجتماعية بما فيها العِرق والجنس والدين. ومن جهة أكثر ليبرالية، فإن المغالاة في الصوابية السياسية تبدو المعضلة الأكبر للبعض الآخر، بما يستتبعها من رقابة ذاتية وقيود على الفني واستباحة للتاريخي، تبيح تقليمه وتطويعه لخدمة أهداف أيديولوجية. وتلك الأهداف، بحسبهم، تظل ذات أثر تخريبي مهما كانت حسنة النية. أي أن ذلك الصواب فيه تشويه يشمل الخيال والحقيقة معاً.
(جوزيت سيمون في دور كليوبترا 2017)أما مسألة المركزية الأفريقية، فتجد من يتحسب لها في مصر بوصفها خطراً حاضراً. فأفرَقة كليوباترا تبدو للبعض عنصراً آخر من عملية سرقة التاريخ المصري، والتضحية بالحقيقة لصالح تسويات تتم في الغرب بغية تعويض أقلياته عن مظلوميات الماضي. هكذا يتضح أن المسألة تجري في مكان آخر، بسياقات وقواعد مختلفة، بعيداً في المركز الغربي، حيث يتم إنتاج الصور والسرديات وترويجها كوكبياً، تلك العمليات التي يقف أمامها المصريون كمتلقين عاجزين، وبلا حيلة أو نصيب من التأثير في تغيير وجهتها. وفي ظل تلك العلاقة الفادحة من عدم التكافؤ، ينجرف رد الفعل أحياناً إلى تماهٍ مع الفوقية البيضاء وترداد خطابها وتعليقات تحقيرية تجاه أصحاب البشرة السوداء. مرة أخرى، وبينما تتداعى الأزمة الاقتصادية في الداخل بلا قاع، وينغلق كل أفق للرجاء سياسياً، يجد بعض المصريين، في الخلاف حول لون بشرة ممثلة بريطانية، معركة آمنة لتصريف فوائض العجز واليأس والغضب.
وانهال على صفحة أديل جيمس في "تويتر"، سيل من الإهانات العنصرية (بعضها بالعربية): "كليوباترا كانت ملكة وليست عبدة، فلماذا تقومين بدورها؟". وفي تغريدة سابقة كانت أديل قد أعلنت بكثير من الارتياح انتهاء عرض مسرحية "أهمية أن تكون إرنست" في نوفمبر الماضي، بعد موجة من التعليقات العنصرية التي استهدفت العمل. ففي المسرحية، المفترض أن تدور أحداثها في الأوساط المخملية الإنكليزية مطلع القرن الماضي، لا تظهر أديل فقط بملابس فيكتورية لتؤدي دور شابة إنكليزية بيضاء، بل إن طاقم العمل كله من الممثلين السود. وخلال العقدين الماضيين، داومت الفرق المسرحية البريطانية على إسناد أدوار شخصيات بيضاء في أعمال كلاسيكية إلى ممثلين من الأقليات، كأن يكون "هاملت" آسيوياً، أو أن تقوم بدور "بروتس" في "يوليوس قيصر"، ممثلة أنثى، وسوداء، وكان ذلك مدفوعاً أحياناً بسياسات الاحتواء والتنوع المباشرة والعملية، وفي أحيان أخرى، بدوافع فنية أعقد، للتلاعب بتصنيفات العرق والجنس وغيرها وتحدي الافتراضات المُطَمئنة للمشاهدين وزعزعتها.وبالعودة إلى "كليوباترا"، فإن فرقة شكسبير الملكية، منذ الخمسينيات وحتى اليوم، قدمت عشرة إنتاجات مختلفة للمسرحية، في اثنين منها قامت بدور كليوباترا ممثلتان سوداوان، هما الأميركية جواكينا كالوكانغو في إنتاج 2013، ومواطنتها جوزيت سيمون في إنتاج 2017.
(جواكينا كالوكانغو في دور كليوبترا 2013)في مصر، تحيق بوثائقي "نتفليكس" حساسيات عديدة. فكليوباترا جزء من تاريخنا قطعاً، ومصرية بشكل ما، فالبطالمة تمصّروا في هيئتهم وفي طقوس الحكم والدين ليشبهوا الفراعنة. إلا أن موضع التحسّس لا يأتي فقط من حق الامتلاك، بل أيضاً من كون جهة الإنتاج والعرض هي "نتفليكس". وفي هذا وصمة مزدوجة، فمنصة العرض الأميركية مُتهمة دائماً من جهة المحافظين بترويج أجندة بعينها، على رأسها المثلية والحريات الجنسية، أي بمعنى أوسع تذويب الحدود الصلبة كما نعرفها بين التصنيفات الاجتماعية بما فيها العِرق والجنس والدين. ومن جهة أكثر ليبرالية، فإن المغالاة في الصوابية السياسية تبدو المعضلة الأكبر للبعض الآخر، بما يستتبعها من رقابة ذاتية وقيود على الفني واستباحة للتاريخي، تبيح تقليمه وتطويعه لخدمة أهداف أيديولوجية. وتلك الأهداف، بحسبهم، تظل ذات أثر تخريبي مهما كانت حسنة النية. أي أن ذلك الصواب فيه تشويه يشمل الخيال والحقيقة معاً.
(جوزيت سيمون في دور كليوبترا 2017)أما مسألة المركزية الأفريقية، فتجد من يتحسب لها في مصر بوصفها خطراً حاضراً. فأفرَقة كليوباترا تبدو للبعض عنصراً آخر من عملية سرقة التاريخ المصري، والتضحية بالحقيقة لصالح تسويات تتم في الغرب بغية تعويض أقلياته عن مظلوميات الماضي. هكذا يتضح أن المسألة تجري في مكان آخر، بسياقات وقواعد مختلفة، بعيداً في المركز الغربي، حيث يتم إنتاج الصور والسرديات وترويجها كوكبياً، تلك العمليات التي يقف أمامها المصريون كمتلقين عاجزين، وبلا حيلة أو نصيب من التأثير في تغيير وجهتها. وفي ظل تلك العلاقة الفادحة من عدم التكافؤ، ينجرف رد الفعل أحياناً إلى تماهٍ مع الفوقية البيضاء وترداد خطابها وتعليقات تحقيرية تجاه أصحاب البشرة السوداء. مرة أخرى، وبينما تتداعى الأزمة الاقتصادية في الداخل بلا قاع، وينغلق كل أفق للرجاء سياسياً، يجد بعض المصريين، في الخلاف حول لون بشرة ممثلة بريطانية، معركة آمنة لتصريف فوائض العجز واليأس والغضب.
ملاحظة: نرجو ممن يرغب بإضافة تعليق، صياغته بلغة لائقة بعيدة عن القدح والذم والتحريض المختلف أو المسّ بالكرامات. إن كل ما ينشر من مقالات وأخبار ونشاطات وتعليقات، لا تعبر بأي شكل من الأشكال عن رأي الموقع الذي لا يتحمّل أي أعباء معنويّة أو ماديّة من جرّائها.
التعليقات
لارسال تعليق يرجى تعبئة الحقول الإلزامية التالية


