مع كل رمضان، يبدأ الموسم السنوي الكبير للدراما المصرية. على الأقل هذا ما اعتاده المصريون منذ أواخر ثمانينيات القرن الماضي، مع مسلسلات ومَلاحم اجتماعية بتوقيع كتّاب مثل أسامة أنور عكاشة ومحمد جلال عبد القوي. عاماً بعد عام، تلازمت هذه الثنائية، فصار رمضان موعد مائدة العرض الأكبر والأضخم والأكثر قيمة لمنتجات صناعة الترفيه التلفزيوني.
في السنوات الأخيرة، ومع انحسار الزخم السينمائي اللاحق لثورة 2011 ودخول السينما المصرية في ما يشبه النفق المظلم، ازداد الترقّب والميل نحو الموسم الدرامي الرمضاني، نتيجة هجرة العديد من الأسماء والكوادر الفنية إلى الشاشة الصغيرة. وهكذا، صار رمضان مجتمعاً وممثلاً للتيار الرئيسي السائد في المجال الفني المصري.
رغم ذلك، أو ربما بسببه تحديداً، شهدت تلك السنوات نفسها تزايداً في الانتقادات الموجهة نحو الأعمال والمسلسلات الرمضانية، سواء من حيث الجودة أو الصنعة أو حتى الموضوعات، وتزامن هذا التراجع مع بزوغ نجم جديد غامض في سماء الإنتاج الفني اسمه "الشركة المتحدة للخدمات الإعلامية" التي استحوذت على النصيب الأكبر من كعكة الإنتاج التلفزيوني، بعدما ضمّت لإمبراطوريتها قنوات فضائية وصحفاً ومواقع ومنصّات.
قد ايه المشهد ده عظيم ويعملنا ان معاملة اليتيم دي حاجه كبيره جدا عند ربنا المسلسل كله حلو جدااا واداء خالد النبوي قمه في الرقي بجد #رسالة_الامام pic.twitter.com/RWqiYzBKFp
— Ghada (@Angeellgirlll) April 14, 2023
ومثل كل جديد كبير غامض يظهر من العدم في مصر السيسي، كانت الشركة إياها مملوكة لأحد "الأجهزة السيادية" في الدولة، أي أنها مؤسسة بأموال عامة في الأخير.
في مناخٍ طبيعي، سياسياً واقتصادياً وفنياً، لم يكن ممكناً ظهور مثل هذا الوحش الإنتاجي الذي سعى بكل الطرق لتصحير واحتكار المجال الفني المصري، مدعوماً بأموال لا رقيب عليها وظهرٍ سيادي يسهّل أموره. لكن في مصر السيسي، أمور كهذه تحدث يومياً، بعيداً من أي نقاش أو جدال، كأنها تحدث في بلدٍ آخر أو عالم موازٍ. وكما في أي بيزنس مُدار بطريقة غير مستدامة ومؤسَّس بعكس منطق الأشياء أصلاً، تعرّضت الشركة لخسائر كبيرة وظهرت تقارير عن شبهات إهدار أموال وفساد إدارة. لكنها، للمفارقة، لم تختف، بل ما زالت موجودة وحاضرة بقوة في موسم رمضان لهذا العام.
النصف تقريباً هو نصيب شركة المتحدة من مجمل الإنتاج الدرامي المصري في رمضان 2023، ورغم تراجع عدد أعمال "المتحدة" ونسبتها (والعدد الإجمالي للإنتاجات المصرية) عن العام الماضي، يبقى الرقم ضخماً ومؤشراً على استمرار عملية تأميم الفنّ المقدّم للجمهور الواسع، والتي يدعمها امتلاك الشركة نفسها لعدد من القنوات التلفزيونية تعرض أعمالها، مثل "دي إم سي" و"أون تي في" و"سي بي سي" و"الحياة"، فضلاً عن منصّتها الخاصة للمشاهدة "واتش إت".
احتكار المجال يفضي إلى فرض الأسماء المشاركة، ووجود قنوات وصحف في محفظة الشركة يعني ظهيراً إعلامياً جاهز للتطبيل أو الهجوم، حسب الطلب، والعدد الكبير للأعمال يعد بتشكيلة متنوعة تركّز على قضايا تهمّ الجمهور المستهدف (قضايا المرأة، والعلاقات الاجتماعية، قصص الصعود، الكفاح، الانتقام، في حكايات يطغى الأكشن والتشويق على أحداثها)... كل شيء يبدو مهّيئاً لإنجاح هذا التأميم وفرض الأمر الواقع على الجمهور. لكن كلا، لا أحد يستطيع السيطرة على الجمهور، أو على الأقل في استقباله للمنتجات الفنية، المسلسلات في هذه الحالة.
شهد الموسم الرمضاني الحالي انتقادات واسعة بحق مسلسلات من إنتاج "المتحدة"، خصوصاً في الأعمال ذات الطابع التاريخي، مثل "رسالة الإمام" الذي حفل بجملة من المغالطات الفنية والتاريخية، من أول استخدام أبيات شعرية ونسبها للإمام الشافعي هي في أصلها لشاعر سوري معاصر، مروراً بتأكيد السيناريو على لقاء لم يحدث أساساً بين الشافعي مع الخليفة المأمون، وليس انتهاءً باستخدام العامية المصرية في الحوار.
"إذا نطق السفيه فلا تجبه فخير من إجابته السكوت"
في السنوات الأخيرة، ومع انحسار الزخم السينمائي اللاحق لثورة 2011 ودخول السينما المصرية في ما يشبه النفق المظلم، ازداد الترقّب والميل نحو الموسم الدرامي الرمضاني، نتيجة هجرة العديد من الأسماء والكوادر الفنية إلى الشاشة الصغيرة. وهكذا، صار رمضان مجتمعاً وممثلاً للتيار الرئيسي السائد في المجال الفني المصري.
رغم ذلك، أو ربما بسببه تحديداً، شهدت تلك السنوات نفسها تزايداً في الانتقادات الموجهة نحو الأعمال والمسلسلات الرمضانية، سواء من حيث الجودة أو الصنعة أو حتى الموضوعات، وتزامن هذا التراجع مع بزوغ نجم جديد غامض في سماء الإنتاج الفني اسمه "الشركة المتحدة للخدمات الإعلامية" التي استحوذت على النصيب الأكبر من كعكة الإنتاج التلفزيوني، بعدما ضمّت لإمبراطوريتها قنوات فضائية وصحفاً ومواقع ومنصّات.
قد ايه المشهد ده عظيم ويعملنا ان معاملة اليتيم دي حاجه كبيره جدا عند ربنا المسلسل كله حلو جدااا واداء خالد النبوي قمه في الرقي بجد #رسالة_الامام pic.twitter.com/RWqiYzBKFp
— Ghada (@Angeellgirlll) April 14, 2023
ومثل كل جديد كبير غامض يظهر من العدم في مصر السيسي، كانت الشركة إياها مملوكة لأحد "الأجهزة السيادية" في الدولة، أي أنها مؤسسة بأموال عامة في الأخير.
في مناخٍ طبيعي، سياسياً واقتصادياً وفنياً، لم يكن ممكناً ظهور مثل هذا الوحش الإنتاجي الذي سعى بكل الطرق لتصحير واحتكار المجال الفني المصري، مدعوماً بأموال لا رقيب عليها وظهرٍ سيادي يسهّل أموره. لكن في مصر السيسي، أمور كهذه تحدث يومياً، بعيداً من أي نقاش أو جدال، كأنها تحدث في بلدٍ آخر أو عالم موازٍ. وكما في أي بيزنس مُدار بطريقة غير مستدامة ومؤسَّس بعكس منطق الأشياء أصلاً، تعرّضت الشركة لخسائر كبيرة وظهرت تقارير عن شبهات إهدار أموال وفساد إدارة. لكنها، للمفارقة، لم تختف، بل ما زالت موجودة وحاضرة بقوة في موسم رمضان لهذا العام.
النصف تقريباً هو نصيب شركة المتحدة من مجمل الإنتاج الدرامي المصري في رمضان 2023، ورغم تراجع عدد أعمال "المتحدة" ونسبتها (والعدد الإجمالي للإنتاجات المصرية) عن العام الماضي، يبقى الرقم ضخماً ومؤشراً على استمرار عملية تأميم الفنّ المقدّم للجمهور الواسع، والتي يدعمها امتلاك الشركة نفسها لعدد من القنوات التلفزيونية تعرض أعمالها، مثل "دي إم سي" و"أون تي في" و"سي بي سي" و"الحياة"، فضلاً عن منصّتها الخاصة للمشاهدة "واتش إت".
احتكار المجال يفضي إلى فرض الأسماء المشاركة، ووجود قنوات وصحف في محفظة الشركة يعني ظهيراً إعلامياً جاهز للتطبيل أو الهجوم، حسب الطلب، والعدد الكبير للأعمال يعد بتشكيلة متنوعة تركّز على قضايا تهمّ الجمهور المستهدف (قضايا المرأة، والعلاقات الاجتماعية، قصص الصعود، الكفاح، الانتقام، في حكايات يطغى الأكشن والتشويق على أحداثها)... كل شيء يبدو مهّيئاً لإنجاح هذا التأميم وفرض الأمر الواقع على الجمهور. لكن كلا، لا أحد يستطيع السيطرة على الجمهور، أو على الأقل في استقباله للمنتجات الفنية، المسلسلات في هذه الحالة.
شهد الموسم الرمضاني الحالي انتقادات واسعة بحق مسلسلات من إنتاج "المتحدة"، خصوصاً في الأعمال ذات الطابع التاريخي، مثل "رسالة الإمام" الذي حفل بجملة من المغالطات الفنية والتاريخية، من أول استخدام أبيات شعرية ونسبها للإمام الشافعي هي في أصلها لشاعر سوري معاصر، مروراً بتأكيد السيناريو على لقاء لم يحدث أساساً بين الشافعي مع الخليفة المأمون، وليس انتهاءً باستخدام العامية المصرية في الحوار.
"إذا نطق السفيه فلا تجبه فخير من إجابته السكوت"
ملاحظة: نرجو ممن يرغب بإضافة تعليق، صياغته بلغة لائقة بعيدة عن القدح والذم والتحريض المختلف أو المسّ بالكرامات. إن كل ما ينشر من مقالات وأخبار ونشاطات وتعليقات، لا تعبر بأي شكل من الأشكال عن رأي الموقع الذي لا يتحمّل أي أعباء معنويّة أو ماديّة من جرّائها.
التعليقات
لارسال تعليق يرجى تعبئة الحقول الإلزامية التالية


