في صورة نشرتها السورية الحموية، أسمهان حامد، اختارت أن تعلّق مجموعة صورها القديمة أو التي التقطتها على مراحل، على حائط غرفتها، بينما وضعت النيغاتيف على الأرض، وطلبتْ من ابنة شقيقتها، أن تجلسَ بطريقة كمن يعمل على تشريح الذاكرة، أو تشريح يومياتها ولقطاتها، هي التي تعمل بشكل مواظب ودائم على التقاط الصور في الطبيعة وفي حارات المدينة وبين بيوتها، كجزء من شغفها اليومي والحياتي...
في جانب آخر من الغرفة، وضعت مقطعاً من قصيدة "رحلة دون كيشوت الأخيرة" للشاعر والأديب السوري الراحل ممدوح عدوان، يقول فيها: "ما زلت أرى المنفى أن أحيا وسط نفايات المُثُل،
وليس المنفى أن أرحل
ما زلت أظن الإنسان إذا واجه ما يُخجل يخحلْ
وإذا واجه ما يُحزن يَحزن أو يبكي
وإذا واجه حُسناً يعشق أو يتأمل
ما زال القلب يراوغ عن أسئلتي، يخفق أجوبةً،
ما زال القلب هو الهادي
ما زالت "لا" في كلمات اللغة هي الأجملْ"...
القصيدة إلى أشياء الذاكرة، هدايا أحبّتها، صورهم ورسائلهم، كُتُب من هنا، أشرطة كاسيت من هناك، مسجّلة، سيديهات، ألبومات صور، روزنامات، صور لأدباء، شعراء صورة لمخرجين سينمائيين تحسبهم ثمار الشمس، أفلام وأشياء كثيرة من ضحايا الثورة الرقمية مازلت تحتفظ بها كنوع من "الحفاظ على ذاكرتها"...
وفي حسابها الفايسبوكي ما يشبه معرض الصور التي تتوزع في جوانب ثلاثة ... الأول تختار مجموعة من الوجوه وتصورها، بائع عربة في حي، أولاد في بركة ماء... التقاط الوجوه كان صعباً بالنسبة لأسمهان، فهي في مرات اضطرت أن تدفع المال لاشخاص مقابل التصوير، وهذا لأن الناس عموماً ليسوا على ودّ مع الكاميرا! يخافون من التصوير، يسألون كثيراً، لماذا الصورة؟ أين ستنشر؟ ما الإفادة منها؟ هل سيرانا الناس؟
الجانب الثاني، صور المباني والأحياء والمعالم في حماة، خصوصاً النواعير الأثرية والقلاع والأبواب... تعتبر أسمهان أن البيوت هي ذاكرة الأرض. تختزن بجوانياتها حيوات عديدة، أصوات، أفراح، أحاديث، مذاقات، أسرار... عندما نقول مفردة "بيت" تقفز مباشرة للذهن كلمات مثل الطمأنينة، الاستقرار، المساحة الخاصة، تاريخ شخصي. البيت هو ما يفصل "برا" عن "جوا"... أما بخصوص اهتمامها بتصوير النواعير، فهي أولاً، معالم أثرية تاريخية تنفرد بها مدينة حماه بين مدن هذا الشرق وحضاراته القديمة. ثانياً، الناعورة في حد ذاتها تشكل لوحة فنية ساحرة من حيث تصميمها وطريقة عملها والصوت الذي تصدره أثناء دورانها، "الأنين"، بالإضافة إلى أسماء النواعير بحماه والتي تحمل دلالات تاريخية.
أما فكرة الأبواب فلها حضور قوي، مجازي وفعلي، في حياتنا. وموجودة بكثرة في أمثالنا الشعبية وأحاديثنا اليومية، هي المدخل لكل شيء، عدا عن بُعدها الجمالي.
في الجانب الثالث، الذي ربما يكون الأغنى، هو صور الطبيعة ولغة الضوء، سواء الأشجار في غاباتها أو الأزهار في تلاوينها ومخاضها وموتها، وفي هذا السياق اختارت عنواناً لألبوم الأزهار سمته "يراك المحبّ يجعلك موجوداً"، عبارة مستلّة من الشاعر بسام حجار اختارتها لأن الصورة تحتوي تفاصيل عن الطبيعة، وفيها الجمال المألوف، فتصور شقائق النعمان في لحظة الولادة والمخاض، وأخرى بعنوان "ولادة واحتضار"، ثالثه بعنوان "جمال حتى الموت". أحسب أنه في الكثير من صور أسمهان المأخوذة من الطبيعة، شيء من شِعر الهايكو الياباني، إذا جاز التعبيرز فيحاول شاعر الهايكو، من خلال ألفاظ بسيطة، التعبير عن مشاعر جياشة أو أحاسيس عميقة، وأسمهان تحاول ذلك في التصوير والتقاط مشاعر الطبعية ومشاعرنا نحوها.
***
تقول أسمهان عن تجربتها:
"لم تكن بداية اشتباكي الواعي مع هذا الكون من خلال الصورة في الحقيقة، بل من خلال الكلمة، كانت قراءاتي المبكرة للأدب بمختلف أجناسه هي ما أغنى ذائقتي البصرية بالمزيد من الهوس الذهني بكيفية تشكيل الصورة في الخيال البشري ثم محاولة تجسيدها أو البحث عن تمثّلاتها في الطبيعة، المسرح، السينما والفن الأدائي عامة.. ثم وجدت لحظتي الخاصة التي كانت أشبه بالتماعة وجودية كثفت حضوري كله في الحيّز المكاني والزماني، الضوء وانعكاساته، وعرفت عندها أني وجدت لغتي الخاصة، الأبجدية الذاتية التي أستطيع من خلالها إرسال رسائلي، من دون أن يكون لهذه الرسائل مقصد ثقيل غير نفسي، بَوحي، قلقي، تفضيلاتي الجمالية، حنيني وغوايتي، وربما أيضاً هويتي الشخصية التي تجعلني أتجرأ، عند رؤية بعض من صوري الأثيرة، على القول: هذه أنا. كل ما في الكون يستحق أن يتم الالتفات إليه: زهرة صغيرة تنبت بين الصخور، حشرة ملونة تقفز من غصن لآخر، ظلال المشاة على طرق غير معبّدة"…
تضيف: "أرى أن مهمة التصوير الفوتوغرافي هي تسليط الضوء على المهمل من الحياة اليومية والمنبوذ أو المنسي نتيجة الزحمة والنمط الاستهلاكي الذي نعيشه، والطبيعة واحدة من أهم مصادري للتصوير، لأني أرغب في الاعتذار منها عما فعله جنسنا البشري ببرائتها الندية وعذريتها الرطبة، أرغب بإعادة الكبرياء للأعشاب المنحنية مع الريح وللأغصان المتكسرة بفعل الغزو الهمجي.. أشعر أن واجبي كمصوّرة، أن أقترح وسيلة لإنقاذ الجمال، وسيلة لتذوق رائحة الكون الذي يستغيث من حجم البشاعة المصنّعة فيه".
في جانب آخر من الغرفة، وضعت مقطعاً من قصيدة "رحلة دون كيشوت الأخيرة" للشاعر والأديب السوري الراحل ممدوح عدوان، يقول فيها: "ما زلت أرى المنفى أن أحيا وسط نفايات المُثُل،
وليس المنفى أن أرحل
ما زلت أظن الإنسان إذا واجه ما يُخجل يخحلْ
وإذا واجه ما يُحزن يَحزن أو يبكي
وإذا واجه حُسناً يعشق أو يتأمل
ما زال القلب يراوغ عن أسئلتي، يخفق أجوبةً،
ما زال القلب هو الهادي
ما زالت "لا" في كلمات اللغة هي الأجملْ"...
القصيدة إلى أشياء الذاكرة، هدايا أحبّتها، صورهم ورسائلهم، كُتُب من هنا، أشرطة كاسيت من هناك، مسجّلة، سيديهات، ألبومات صور، روزنامات، صور لأدباء، شعراء صورة لمخرجين سينمائيين تحسبهم ثمار الشمس، أفلام وأشياء كثيرة من ضحايا الثورة الرقمية مازلت تحتفظ بها كنوع من "الحفاظ على ذاكرتها"...
وفي حسابها الفايسبوكي ما يشبه معرض الصور التي تتوزع في جوانب ثلاثة ... الأول تختار مجموعة من الوجوه وتصورها، بائع عربة في حي، أولاد في بركة ماء... التقاط الوجوه كان صعباً بالنسبة لأسمهان، فهي في مرات اضطرت أن تدفع المال لاشخاص مقابل التصوير، وهذا لأن الناس عموماً ليسوا على ودّ مع الكاميرا! يخافون من التصوير، يسألون كثيراً، لماذا الصورة؟ أين ستنشر؟ ما الإفادة منها؟ هل سيرانا الناس؟
الجانب الثاني، صور المباني والأحياء والمعالم في حماة، خصوصاً النواعير الأثرية والقلاع والأبواب... تعتبر أسمهان أن البيوت هي ذاكرة الأرض. تختزن بجوانياتها حيوات عديدة، أصوات، أفراح، أحاديث، مذاقات، أسرار... عندما نقول مفردة "بيت" تقفز مباشرة للذهن كلمات مثل الطمأنينة، الاستقرار، المساحة الخاصة، تاريخ شخصي. البيت هو ما يفصل "برا" عن "جوا"... أما بخصوص اهتمامها بتصوير النواعير، فهي أولاً، معالم أثرية تاريخية تنفرد بها مدينة حماه بين مدن هذا الشرق وحضاراته القديمة. ثانياً، الناعورة في حد ذاتها تشكل لوحة فنية ساحرة من حيث تصميمها وطريقة عملها والصوت الذي تصدره أثناء دورانها، "الأنين"، بالإضافة إلى أسماء النواعير بحماه والتي تحمل دلالات تاريخية.
أما فكرة الأبواب فلها حضور قوي، مجازي وفعلي، في حياتنا. وموجودة بكثرة في أمثالنا الشعبية وأحاديثنا اليومية، هي المدخل لكل شيء، عدا عن بُعدها الجمالي.
في الجانب الثالث، الذي ربما يكون الأغنى، هو صور الطبيعة ولغة الضوء، سواء الأشجار في غاباتها أو الأزهار في تلاوينها ومخاضها وموتها، وفي هذا السياق اختارت عنواناً لألبوم الأزهار سمته "يراك المحبّ يجعلك موجوداً"، عبارة مستلّة من الشاعر بسام حجار اختارتها لأن الصورة تحتوي تفاصيل عن الطبيعة، وفيها الجمال المألوف، فتصور شقائق النعمان في لحظة الولادة والمخاض، وأخرى بعنوان "ولادة واحتضار"، ثالثه بعنوان "جمال حتى الموت". أحسب أنه في الكثير من صور أسمهان المأخوذة من الطبيعة، شيء من شِعر الهايكو الياباني، إذا جاز التعبيرز فيحاول شاعر الهايكو، من خلال ألفاظ بسيطة، التعبير عن مشاعر جياشة أو أحاسيس عميقة، وأسمهان تحاول ذلك في التصوير والتقاط مشاعر الطبعية ومشاعرنا نحوها.
***
تقول أسمهان عن تجربتها:
"لم تكن بداية اشتباكي الواعي مع هذا الكون من خلال الصورة في الحقيقة، بل من خلال الكلمة، كانت قراءاتي المبكرة للأدب بمختلف أجناسه هي ما أغنى ذائقتي البصرية بالمزيد من الهوس الذهني بكيفية تشكيل الصورة في الخيال البشري ثم محاولة تجسيدها أو البحث عن تمثّلاتها في الطبيعة، المسرح، السينما والفن الأدائي عامة.. ثم وجدت لحظتي الخاصة التي كانت أشبه بالتماعة وجودية كثفت حضوري كله في الحيّز المكاني والزماني، الضوء وانعكاساته، وعرفت عندها أني وجدت لغتي الخاصة، الأبجدية الذاتية التي أستطيع من خلالها إرسال رسائلي، من دون أن يكون لهذه الرسائل مقصد ثقيل غير نفسي، بَوحي، قلقي، تفضيلاتي الجمالية، حنيني وغوايتي، وربما أيضاً هويتي الشخصية التي تجعلني أتجرأ، عند رؤية بعض من صوري الأثيرة، على القول: هذه أنا. كل ما في الكون يستحق أن يتم الالتفات إليه: زهرة صغيرة تنبت بين الصخور، حشرة ملونة تقفز من غصن لآخر، ظلال المشاة على طرق غير معبّدة"…
تضيف: "أرى أن مهمة التصوير الفوتوغرافي هي تسليط الضوء على المهمل من الحياة اليومية والمنبوذ أو المنسي نتيجة الزحمة والنمط الاستهلاكي الذي نعيشه، والطبيعة واحدة من أهم مصادري للتصوير، لأني أرغب في الاعتذار منها عما فعله جنسنا البشري ببرائتها الندية وعذريتها الرطبة، أرغب بإعادة الكبرياء للأعشاب المنحنية مع الريح وللأغصان المتكسرة بفعل الغزو الهمجي.. أشعر أن واجبي كمصوّرة، أن أقترح وسيلة لإنقاذ الجمال، وسيلة لتذوق رائحة الكون الذي يستغيث من حجم البشاعة المصنّعة فيه".
ملاحظة: نرجو ممن يرغب بإضافة تعليق، صياغته بلغة لائقة بعيدة عن القدح والذم والتحريض المختلف أو المسّ بالكرامات. إن كل ما ينشر من مقالات وأخبار ونشاطات وتعليقات، لا تعبر بأي شكل من الأشكال عن رأي الموقع الذي لا يتحمّل أي أعباء معنويّة أو ماديّة من جرّائها.
التعليقات
لارسال تعليق يرجى تعبئة الحقول الإلزامية التالية


