من مواقع ألعاب "الفيديو غيم"، تخرج تسريبات قد يصح وصفها بأنها أكبر اختراق للأمن القومي الأميركي. فالوثائق المتداولة حتى الآن ربما تكون "قمة جبل الجليد" فقط، فلا أحد يعرف حجم التسريب بشكل كامل بعد. عامل التوقيت في سياق احتدام الحرب الروسية الأوكرانية وعلى خلفيات تصاعد التوتر بين واشنطن وبكين، يضيف طبقة إضافية من الحساسية. سرعان ما أقر الأميركيون بصحة الوثائق، إلا أن تحفظهم بشأن بيانات تم تعديلها في بعض منها، يشكك في محتواها كلها. في المجمل تحرج التسريبات الأميركيين، وهي تكشف تنصتهم على حلفائهم، في كوريا الجنوبية وإسرائيل ومصر. وكذا، حين تشير الوثائق إلى هشاشة حلفاء آخرين: الضعف الفرنسي في غرب أفريقيا، والقدرة المحدودة للقوات الأوكرانية على احتمال المزيد من الهجمات الصاروخية الروسية. ومع تسرب وثائق تحمل شعار"العيون الخمس"، فإن الولايات المتحدة تجد نفسها في موضع المساءلة أمام شركائها في التحالف المخابراتي الأنغلوفوني.إلا أن الضرر الأكبر يبدو قد لحق بواشنطن بفعل انكشاف التعاملات السرية لحلفائها في منطقتنا مع الروس. ما تضمنته إحدى الوثائق عن تقارب مخابراتي بين الإمارات وروسيا، وتوجيهه ضد الأميركيين والبريطانيين، قد لا يكون سوى نميمة مخابراتية، فالمصدر هو أحد العاملين في أجهزة المخابرات الروسية. لكن ميل أبوظبي إلى التعامل في الكثير من الملفات على مسافة متوترة من واشنطن، لم يعد أمراً خافياً، وبالأخص في ما يتعلق بالعقوبات الاقتصادية الغربية على روسيا ومحاولة عزلها دولياً. فما زالت دبي تسير رحلة يومية إلى موسكو، ويجد عدد من أثريائها ملاذاً شبه آمن في مؤسساتها المالية وعلى أراضيها.ما يخص القاهرة يبدو أفدح، فالتسريب يتعلق بتنصت على محادثة للرئيس المصري نفسه ومع مسؤوليه العسكريين الكبار. وفيها تتجاوز المسألة مجرد تعميق التعاون مع موسكو، بل تتعلق بتزويدها سراً بالسلاح في حربها الدائرة في أوكرانيا، وبكميات ليس بالهينة، 40 ألف صاروخ ومقذوف بحسب الوثيقة التي نشرت محتواها جريدة "واشنطن بوست" الأميركية. وتؤكد الوثيقة نفسها، والعائدو إلى شهر شباط/فبراير الماضي، على أن العملية لم تتم. ويبقي من غير الواضح السبب وراء تعطلها. وفي كل حال، ما يظل قائماً هو نية الإدارة المصرية اللعب من وراء ظهر حليفها الأميركي، والتورط ولو بشكل هامشي في حرب مباشرة مع الغرب.تبدو إدارة الرئيس السيسي المأزومة مالياً، في وضع يأس، وهي تبحث عن أي مصادر للتمويل. فلا مبررات أخرى يمكن تصورها لخوض مثل تلك المخاطرة وإمكانية افتضاح سريتها على الملأ. فالأرجح أنه نوع من اليأس يحركه التهور وحده، وربما يكون مختلطاً بالاستهتار. ولا يعود الطيش إلى مجرد معاندة الأميركيين أو أخذ مسافة منهم، بل تبرزه جلياً معادلة المكاسب والخسائر. ففي حين لا يبدو أن القاهرة عازمة على تبديل موقعها من الترتيبات الإقليمية أو صيغة تحالفها مع واشنطن، ما الذي يمكن أن تربحه من صفقة سلاح، مهما بلغ حجمها، تظل محدودة؟! وفي المقابل ما الذي يمكن أن تخسره من تبعات انكشافها؟ لا تتلقى القاهرة معونة عسكرية سنوية فقط من واشنطن، بل يعتمد تسليح الجيش المصري بشكل كبير على الواردات من الغرب عموماً. هذا غير أن منظومة صناعة السلاح الأميركي احتوت الجيش المصري وإنتاجه الحربي داخل سلاسلها للإنتاج، لتمنحها نصيباً ولو بشكل هامشي من أرباحها.وراء التجرؤ المصري، قد يكون ثمة حافز من قراءة متعجلة لانحسار الدور الأميركي في المنطقة. فالعواصم الخليجية لم تعد تخفي تحديها لواشنطن، في ملفات النفط والعلاقات مع الروس والصينيين وغيرها. بل حتى الحكومة في تل أبيب، الحليف الأقرب لواشنطن، لم تظهر علاقاتها مع البيت الأبيض بمثل هذا التوتر في أي وقت من قبل. وجاءت وساطة بكين لإعادة العلاقات بين السعودية وإيران، وتبريد الجبهات المشتعلة بينهما، لتكون العلامة الأوضح على التراجع الأميركي.ما كشفت عنه التسريبات، كان يمكن علاجه في المكاتب المغلقة. أما وقد خرج للعلن، فثمة مطالبات من داخل الكونغرس بالتحقق و"محاسبة" القاهرة أو مراجعة العلاقات معها. بالفعل، يظهر التراجع الأميركي جلياً مع الوقت، لكن من المؤكد أيضاً أن النظام في مصر في أزمة متفاقمة على المستوى الاقتصادي، وفي وضع اعتمادية شبه كاملة على الخارج. وهذا لا يسمح له بمساحة كبيرة للمناورة. وأي محاولة للعب، بعيداً من الحدود المرسومة، أو تحريكها، لن تجني سوى المزيد من الخسائر.
ملاحظة: نرجو ممن يرغب بإضافة تعليق، صياغته بلغة لائقة بعيدة عن القدح والذم والتحريض المختلف أو المسّ بالكرامات. إن كل ما ينشر من مقالات وأخبار ونشاطات وتعليقات، لا تعبر بأي شكل من الأشكال عن رأي الموقع الذي لا يتحمّل أي أعباء معنويّة أو ماديّة من جرّائها.
التعليقات
لارسال تعليق يرجى تعبئة الحقول الإلزامية التالية


