منذ عرضه العالمي الأول في مهرجان صندانس السينمائي، أوائل العام الماضي، أحدثَ فيلم "متعة" للمخرجة السويدية نينجا ثايبرغ (1984، غوتنبرغ، السويد) ضجة وأزيزاً، بسبب تركيزه على صناعة الأفلام الإباحية في مدينة لوس أنجليس التي تُرى من خلال عيون وافدة جديدة تريد تحقيق حلمها بأن تصبح نجمة أفلام إباحية.اسمها لينيا، وتختار بيلا شيري اسماً مهنياً، سويدية، 19 عاماً، تريد مكاناً يخصّها في عالم "الترفيه للبالغين". لكن، هناك في عالم العرض والطلب على الأجساد والمتعة، حيث يسود نظام أبوي وشبكة تكوين وتصعيد صارمين، فإن احتلال بيلا (صوفيا كابيل) مكانتها كامرأة شابّة متحقّقة، ليس بهذه السهولة. الأمر ينطوي على اختبار السقوط المدوي وعقد الصفقات والنهوض بشجاعة. في لوس أنجليس، تقوم بيلا بتكوين صداقات وتجدّ مساحات آمنة للتصوير، لكنها أيضاً تصل إلى الجانب المظلم من الصناعة، حيث الأنواع الفيلمية المتطرفة التي تركّز صراحة على الجمع بين الجنس والتعنيف والإهانة.الفيلم، الذي يحاول رسم صورة محايدة لصناعة الإباحية، وهي مهمة ليست باليسيرة، بما أنه يسعى لمقاربة عالم رجولي من منظور امرأة؛ يدور إلى حدّ كبير حول الحميمية والسيطرة والوهم والعمل. هذه الموضوعات ليست مركزية في الحبكة فحسب، بل نوقشت كذلك أثناء العملية الإبداعية المرافقة لرحلة إنجاز الفيلم. بدلاً من رحلة طويلة وجهنمية عبر العالم الغامض للمواد الإباحية، يجول الفيلم عبر امبراطورية الورق اللامع والصور القربانية هذه، راسماً بمهارة صورة أصيلة وجديرة بالتصديق، تعاكس التوقعّات المسبقة من مشاريع مشابهة: هنا، لا شفقة على الذات، أو انخراط في خطاب زاعق مناهض للبيزنس العالمي المقدّر بمليارات الدولارات، ولا حتى ملاحظات طائشة تكنس قسوة وإذلال الصناعة تحت البساط. يحضر روتين العمل اليومي في صناعة الإباحية الأميركية بطريقة رصينة تماماً: لا كأس من الشمبانيا لإضفاء القليل من الحماسة في موقع التصوير، لا ضحكات مجانية. بدلاً من ذلك، عُري عملي، رغبة في القيادة، بالإضافة إلى المنافسة الشديدة والكثير من الضغط، على نساء المجال كما رجاله.يتكون طاقم الفيلم من شخصيات مشهورة في عالم الإباحية، بينهم الممثلون مايك بلو وإيفلين كلير وشانيل بريستون، ووكيل نجوم ونجمات الإباحية مارك شبيغلر، الذي تنضم إليه الوافدة الجديدة (لينيا/بيلا شيري) التي قامت بدورها الممثلة الوحيدة التي ليست جزءاً من هذا العالم، في أول أدوارها أمام الكاميرا. "متعة"، المعروض حالياً في "موبي"، يتبع مسار بيلا شيري منذ خطواتها الأولى في مجال الإباحية، مروراً بخوضها متطلبات ومصاعب العمل، وعلاقتها بزملائها وزميلاتها. توغُّل معقد في عالم يثير عادة الازدراء والأحكام المسبقة، فضلاً عن نفاق أولئك الذين يقولون إنهم ينبذون ما يستهلكونه سراً."المدن" التقت المخرجة نينجا ثايبرغ، للحديث عن فيلمها، ودوافعها لإنجازه، وصناعة الإباحية، وصورة النساء في عالم الرجال...
- لماذا أنجزتِ هذا الفيلم؟* شاهدتُ فيلماً إباحياً للمرة الأولى عندما كنت في السادسة عشرة من عمري. أراني صديقي في ذلك الوقت مقطع فيديو وكان ردّ فعلي غاضباً، لأني وجدته مهيناً جداً للمرأة. استأتُ من عدم المساواة: الخيالات الذكورية المُشيِّئة للمرأة باعتبارها غرضاً لإمتاع الرجل. رفضت هذه الصور، لكنّي في الوقت نفسه شعرت بالاستفزاز والتحريض. من تلك اللحظة إلى أن أصبحت ناشطة ضد الإباحية، ثمة خطوة واحدة فقط. وهكذا ظلّ الأمر لفترة طويلة، حتى أصبح من الضروري بالنسبة لي التحدّث عنه، كي أفهمه.كل المسائل التي بدت لي وما زالت تبدو إشكالية للغاية، أردت الحديث عنها. لكن، بالأمس كما هو الحال اليوم، عندما لا يرغب أحد في الحديث عن هذا الموضوع، يشعر معظم الناس بعدم الارتياح ولا يعترفون بمشاهدة الأفلام الإباحية. في ذلك الوقت، في مطلع الألفية، كنت جزءاً من الحركة المناهضة للإباحية، لكن بعد ذلك بدأت أشياء كثيرة تتغير، نمتْ الحركة النسوية الكويرية كثيراً وغيّرت رأيي شخصياً. بدأتُ الاهتمام بـ"الإباحية النسوية" و"الإباحية الأخلاقية"، على سبيل المثال. أثناء عملي على هذا الفيلم، اكتشفت تدريجياً الجوانب التي لا تتوافق مع مخطّطي البسيط بالأبيض والأسود عن المجال.لن تختفي الإباحية أبداً، وفي رأيي أن الشيء الأمثل هو محاولة تغييرها للأفضل. صحيح أن تشييء المرأة حاضر بكثافة في صناعة الإباحية، لكنه لا يعني بالضرورة نزع الصفة الإنسانية عنها. أشاهد المواد الإباحية، وعلى الرغم من أن هناك أشياء ما زالت تثير انزعاجي، إلا أنها تثير اهتمامي وحماستي في الوقت ذاته. حين ذهبت إلى مدرسة السينما في ستوكهولم وجدت أن الأفلام جميعها تقريباً تدور حول كل الأشياء التي اهتممت بها عندما اقتربت من عالم الأفلام الإباحية: الهويات الجنسية، وأدوار الجنسين، وديناميات السلطة. حتى أنني كتبت مقالاً حول هذه القضايا لاحقاً. شاهدت الكثير من المواد الإباحية، وقمت بدراسات تحليلية. ثم قمت بعمل فيلم قصير عن الموضوع.- قبل الفيلم الروائي أنجزتِ فيلماً قصيراً بالعنوان نفسه تناول هذا الموضوع. ما الذي تغيّر منذ ذلك المشروع القصير الفائز في مهرجان "كانّ" العام 2013 وحتى ظهور الفيلم الجديد؟* انخرطتُ في دراسات النوع الاجتماعي، وبالتالي درست صناعة الإباحية من زوايا مختلفة، وبدأت أفكر في مسألة الإباحية النسوية. حتى أنني أصبحت مهتمة بممارسات الـBDSM (اختصار لمجموعة متنوعة من ممارسات جنسية تشمل الاستعباد والإخضاع والسادية والمازوشية)، حيث لا يكون كل شيء سيئاً، حتى إنك قد تجد فيها خصائص علاجية مثيرة للاهتمام. ارتباط النساء بلعب الأدوار يأتي كوسيلة للتأكيد على النظام الأبوي. بمرور الوقت، أصبحت أعتقد أن فيلمي القصير لم يكن دقيقاً، ويرجع ذلك جزئياً إلى أنني عندما قمت بتصويره، لم أقم بزيارة موقع تصوير فيلم إباحي واحد أو مقابلة أي شخص في المجال.لذلك عندما ظهرت فكرة إنجاز الفيلم الطويل، قررت أنه يجب فعل ذلك بشكل صحيح هذه المرة، مع بحث استغرق حوالى خمس سنوات في المجمل. في الأساس، قلت لنفسي "يجب أن تتعرّفي على صناعة الإباحية من الداخل قبل التحدث عنها". كل ما في الفيلم يستند إلى هذا البحث، إلى أشخاص ومواقف حقيقية. طاقم الفيلم بأكمله، باستثناء صوفيا، هم أشخاص يمثلون جزءاً من هذا العالم. المواقع حقيقية، كما أن الفنيين العاملين خلف الكاميرات هم أشخاص يعملون في مجال الإباحية.- ما الأفكار والتصوّرات المسبقة، إن وُجدت، التي اختفت لدى اقترابك من عمليات تصوير المشاهد الجنسية الحقيقية أثناء البحث وكتابة السيناريو؟* الأمر معقَّد إلى حد ما، لكن أهم ما يجب تأكيده هنا هو إبراز أنني أدركت أن النساء لسن الضحايا، وحدهن، كما افترضت لفترة طويلة. بالطبع، هذا تبسيط، لأن لكلّ واحدة قصة مختلفة وهناك دائماً ضحايا في صناعة الإباحية وفي كل مكان: كل امرأة، بشكل أو بآخر، ضحية للنظام الأبوي. لكن هذه الفكرة العامة القائلة بأن النساء في صناعة البورنوغرافيا معرضات للخطر وظهرهن إلى الحائط، ليست دقيقة تماماً. إنهن في الواقع يتمتعن بقوة أكبر بكثير مما يُتصوّر في كثير من الأحيان، كما أنهن لسن ضعيفات أو مستغَلات بوحشية كما يُشاع. أدركتُ أيضاً أن الرجال ليسوا أشراراً للغاية (تضحك).من السهل جداً تكوين صورة خاطئة عن الأشخاص في الصناعة وحياتهم الجنسية وحياتهم الشخصية، لكنهم في أعماقهم عمّال/شغّيلة يقدّمون للمستهلك ما يطلبه. من المثير للاهتمام الاستماع إليهم، وإلى أفكارهم عنّا، نحن الأشخاص "العاديين" والمستهلكين. بالنسبة إليهم، نحن المنحرفون، غريبو الأطوار. نحن الذين لدينا تخيّلات سادية مازوشية أو عنصرية. وبالطبع، هناك أنواع مختلفة من الإباحية والأشخاص والأسباب التي يمكنك من خلالها الولوج لهذا العالم. كما في الحياة العادية، اختياراتك البحثية تحدّد مسارك، وبالتالي نتائجك واستخلاصاتك.- كيف كانت عملية اختيار الأدوار والممثلين؟ هل كانت شخصية بيلا شيري مبنية مسبقاً أم جاءت عبر عملية تدريجية؟* كنت أعلم مسبقاً أنني لا أستطيع إنهاء كتابة السيناريو حتى أجد الشخص المناسب للعب الدور المركزي. طريقة صنع الفيلم مرتبطة إلى حد كبير باستلهام الواقع. امتلكتْ صوفيا تلك الطاقة المثالية لدور بيلا شيري، بالإضافة إلى شكلٍ خاص من الأنوثة: باردة وقوية وصلبة، لكنها في الوقت نفسه تحمل هشاشة غير المحصّنات ضد الهجوم والأذى. تتمتع أيضاً بالكاريزما وروح الدعابة.تحدثنا كثيراً وطوّرنا الشخصية معاً، لأنني شعرت بأنني كبيرة في السن (بالنسبة لعمر الشخصية) وبحاجة إلى مساهمتها بما أنها من الجيل المَعني. كانت حاسمة بالنسبة للفيلم، فهي غير متحيزة ومنفتحة، ولم تكن لديها مشاكل مع مسألة العُري. عندما ذهبنا معاً للمرة الأولى لزيارة موقع تصوير إباحي، كانت متوترة بعض الشيء: من الغريب أن تتواجد في مكانٍ واحد بصحبة أشخاص عراة، ناهيك عن ممارستهم الجنس بجوارك. أنا أيضاً كنت متخوّفة قليلاً. لكن في غضون عشر دقائق، اعتادت صوفيا على ذلك، لدرجة الملل؛ يمكنني معرفة ذلك لأنها بدأت تنظر إلى هاتفها. يحدث التغيير بسرعة، ولا يحتاج سوى تعديل فوري: نظراً لأن الجميع حولنا يتصرّف بشكل طبيعي، فإن الشيء الذي يبدو غير طبيعي بالنسبة لنا سرعان ما يصبح أكثر الأشياء شيوعاً في العالم.صادَقتْ صوفيا العديد من الأشخاص في الصناعة، بما في ذلك المنتج مارك شبيغلر، الذي يظهر في الفيلم باعتباره وكيل أعمالها. كانت جزءاً من جميع اختبارات الأداء مع الممثلين والممثلات الإباحيين، لأنه من المهم أن يكون من سيشاركونها الفيلم أشخاصاً تشعر بالراحة معهم. استغرق تطوير الشخصية تسعة أشهر، وكان ذلك بالتزامن مع مرحلة ما قبل الإنتاج بأكملها.- يركّز الفيلم على دور وأهمية الشبكات الاجتماعية في بناء صورة ومهنة نجوم ونجمات الإباحية...* في الحياة الواقعية، تعتبر وسائل التواصل الاجتماعي أهم مما يُظهره الفيلم. من المهم جداً للعاملين في المجال، بناء "براند" لأنفسهم، يميزهم عن غيرهم. هذا أمر لافت، لأننا نميل إلى التحدث عن النساء، خصوصاً الشابّات منهن، بناءً على فكرة أنهن ضحايا. وفي حالة الشابات، تهيمن هذه الصورة النمطية للفتاة السطحية، الغبية، الفارغة.عندما نفكّر في تفاعلهم/تفاعلهن في الشبكات الاجتماعية، فإننا نفكر في التعرُّض الزائد والتمظهر والتشيّؤ وهذا النوع من الأشياء. لكن هذا مسلك أبوي إلى حدّ كبير، وأنا مهتمة بمقاربته من زاوية أخرى. إذا قارنته بما حدث لي عندما كنت مراهقة، في التاسعة عشرة من عمري أعيش في عالمٍ ينشئه الرجال ويحدّدون صُوره بشكل أساسي، في عملية أقرب لغسيل دماغ يدفع باتجاه استهلاك الأشياء. رؤية كل هؤلاء الموديلز في تلك الملصقات الإعلانية الضخمة، آلهات الأجساد المثالية، دفعني على الفور للنظر في المرآة ولم يكن هناك أي مجال للمقارنة.الأجيال الجديدة لديها أيضاً هذا الميل المفرط للصورة، ثقافة الجمال. لا داعي للكذب على أنفسنا، فهذا لم يتغيّر للأسف. لكن الفارق الكبير هو أنهم الآن مدركون تماماً لهذا البناء، وذلك التلاعب الضروري لإنشاء تلك الصور. لم تعد الفتيات مجرد مُستهلِكات بل مُنتِجات كذلك. يفعلن هذا بطريقة مثيرة أيضاً، بنشر ومشاركة صور مثالية لأجسادهن، منقحة رقمياً، كاذبة يعرف الجميع زيفها، تتبعها صورة أخرى بلا مكياج، في المنزل وهن يشاهدن التلفزيون. بطريقة ما يمتلكن صورتهن ونظرتهن ومظهرهن، وفهماً أكثر سيطرة على الموقف. الفتيات في مجال الإباحية هن أيضاً رائدات أعمال صغيرات، يستثمرن في صورهن الرمزية وتجسيداتهن الذاتية: يصنعن من أنفسهن شخصيات خيالية. في هذا الصدد، هنّ ذكيات وكفؤات جداً بشكل يفوق تصوّر أغلب الناس، حتى متابعيهم ومعجبيهم.- وهناك أيضًا مسألة "النظرة الذكورية"، ذلك البناء المتأصّل في ثقافة الصورة منذ نشأتها...* هذه مسألة معقدة للغاية من الناحية النفسية، كيف تبني المرأة صورتها الذاتية في أثناء كونها موضوعاً لنظرة الرجل؟ نحن النساء، نعلم أننا ذلك الشخص الموجود داخل أجسادنا، ونعلم أننا صاحبات السيادة على صورتنا، لكن في الوقت ذاته تحضر نظرة الرجال لنا، وبشكل دائم.هذه المسألة المتمثلة في جعل أنفسنا أصغر أو أضعف، لإرضاء "الإيغو" الذكوري والحصول على شيء في المقابل؛ هي في جوهرها وسيلة للشعور بالسيطرة. هناك الكثير من الأشياء التي لا نريد الاعتراف بها... بمعنى ما، من المهين أن تكون امرأة، لأنها أصغر وأضعف، لذلك ستكون دائماً في وضع لا حول له ولا قوة. هذا غير عادل بالمرة. يمكننا تغيير الكثير من الناحية الثقافية، لكن هناك جوانب مادية معينة مرتبطة بالجنس لن نتمكن من تغييرها. سيمثّل الرجل تهديداً دائماً.علينا أن نجد طريقة نفسية للتعامل مع كراهية النساء والتحيّز المتأصّل ضدهن. علينا أن نتوقف عن الشعور الحصري بالأسف تجاه النساء، وبدلاً من ذلك أن نعجب بمهاراتهن، وقوتهن، وبتلك الصلابة التي يجب أن يواجهن بها الكثير من الصّعاب والهراء.