تكاد هذه السنة أن تنقضي وربما لن تنقضي قط. فـ 2021 هي في وجهها الأبرز سنة الفجيعة، إنها مجاز الموت المرتقب، رزنامة أبدية من الوجوه القميئة ونعوة مؤلفة من 365 يوماً. هي سنة الزعماء بإحكام، زعماء يلعقون "المجد" من أسفل نعال التاريخ: خردة انتصارات صدئة، تقيّح إقطاعي عفن، مشرّع اقتلاع العيون، تعفف انتهازي يرتدي ثوب القداسة واضمحلال قد حفر الغباء وجهه… وفوق كل هؤلاء، 2021 هي بقية موت لا يألو جهداً لتوريث الرعونة وطيش الولدنة وهَوشَة السلطة.
في كتابه عن سرقة الجثث وبيعها يستحضر الإرجنتيني Federico Andahazi فيديريكو أندهازي(بحسب الترجمة العربية) جنرالاً عجوزاً يعرف أن الجميع يكرهونه، وكانت هذه المعرفة تمنحه سعادة عظيمة… الرواية تحكي عن "سوق سوداء لبيع الجثث"!
إن العبارة تخون القول لدى التطرق إلى العام 2021، وكأننا في لبنان وُهبنا اللغة فقط من أجل الرثاء. السوداوية فغرت فاهاً هائلاً فإذا بنا نحتضن الموت متوسمين به درب الخلاص… فالسوداوية ثقب رصاصة طائشة في وجه الأمل.
يفور المكان بما يفوق طاقات ناسه، فلا تنطبع في العيون والأذهان إلا معالم الكارثة. لست أدري إلى أين يمكن أن يقود الجدل حول المعنى خلف الكارثة. فالكارثة هي واقعة أبوكاليبتية حيث النهاية تستبطن بدءاً جديداً. ما الشروط المحتملة لأي بدء جديد في بلد مثل لبنان؟ لا أحد يدري. فالبدايات الجديدة تعني تفتيت كل المرجعيات السابقة التي تحكم الناس في القول والعمل… لا أحد يدري... إنها متاهة المكوث "بين" حيث الغموض هو عنوان المستقبل لحاضرٍ مشبع بعفونة الماضي. كأننا نقتنص لحظة توراتية بائسة، فنعيشها: "لَصِق لسان الراضعِ بحَنَكهٍ مِن العطشِ. الأطفال يسألون خُبزاً وليس مَن يكسِرَه لهم"(مراثي إرميا).
ثمة في الـ 2021 مَن جعلنا نعاين حرفياً المقولة التالية: "المال هو دم الآخرين"… يكتنزون، يكتنزون، يكتنزون. إنه شرط استيفاء الجريمة بحقنا وبحق من سيرثون بعدنا هذه الأرض.
المصرف مقصلة، الزعيم جلاد والرؤوس تتدحرج. في الخطاب الذي طالب فيه بإعدام لويس السادس عشر قال روبسبيير: "الشعوب لا تقاضي بالطريقة ذاتها التي تعتمدها المحاكم، هي لا تصدر الأحكام بل تطلق رعوداً. الشعوب لا تدين الملوك بل تعيدهم إلى الفراغ رمياً وقذفاً".
لم نفعل شيئاً!
أقعَدَنا الذل عن الغضب وأقعدتنا طوابير البنزين عن رميهم وقذفهم وألزمتنا فواتير معيشنا اليومي الصمت ثم الصمت. أصواتنا غرغرات، غضبنا تأففاً ومجامع وجوهنا تترقب لحظة الموت… الخمول يمهّد سبل الفجيعة.
لست أدري، ربما هو تاريخنا. سنة 2021 وعبر تقطيبات جبينها المتكدّر ربما تكون الصورة الجلية لنيغاتيف تاريخ هذا البلد. أبى المؤرخ كمال الصليبي في كتابه "بيت بمنازل كثيرة" أن يستعمل حتى كلمة طوائف للتدليل على الجماعات اللبنانية لِمَا قد تستبطنه هذه الكلمة من حدّ أدني من الروحانية … نحن مجموعة عشائر ولكل عشيرة إلهها الخاص الذي تتجرعه بجرعات زائدة أو عبر إبر رجال الدين السامة والتي تنغرس في الأوردة والشرايين عميقاً.
حبذا لو أن الـ 2021 مثل الإله الروماني جانوس، هذا الإله الذي يملك في رأسه وجهين، عبر الأول يحدق في التاريخ مستخلصاً العبر، وعبر الثاني يرنو نحو المستقبل برخاء وطمأنينة. لكن كلا، فالـ 2021 أنبأتنا بعلو الصوت وضجيجه أن لا مستقبل لهذا البلد، أما الماضي فلا يعدو أن يكون ثقباً من النوستالجيا، وكلنا يعلم أن شرط النوستالجيا خداع الذات. لعل هذا العام المكفهر هو زبدة تاريخ لبنان في ذكرى مئويته الأولى.
فمنذ تلك الصورة الكاريكاتورية والتي تضم الجنرال غورو محاطاً بالبطريرك الياس الحويك ومفتي بيروت الشيخ مصطفى نجا، وشيطان الفصل والتفرقة هو هامش لبنان ومتنه. فليس من باب الصدفة أن تكون التفرقة شرط حضور الشيطان ((dia- bolic. جاء في مراثي إرميا: ”أتمّ الربّ غَيظَهُ. سكبَ حُمُوّ غضبهِ وأشعل ناراً…“. فالشيطان هو الوجه الآخر لرب عشائر لبنان وجموعه كما طالعتنا الـ 2021. لقد حولتنا الأرباب الشقية عبر زعماء الطوائف وأذنابهم إلى مخلوقات سردابية (cryptic creatures)، حشرات تسعى لقوتها اليومي. لقد هندسوا روح العداء بما يتناسب مع صورتهم في العام 2021 فإذا باللبنانيين كائنات مجهرية تتربص ببعضها البعض على محطة البنزين وبين رفوف السوبرماركت وعلى أبواب المشافي والصيدليات، متحنية فرصة الإنقضاض.
إنها سنة المنبهات والحذر والسعي الدؤوب لا لشيء وهي فوق كل هذا سنة الإقتناع بأبد الكارثة وسنة التطبيع مع الفقر والذل والكرامة المغتصبة. صَيغ أخرى في إدراك العالم وتلقفه عززتها بذهننا سنة انتصار السلطة علينا، صيغ كثيرة تُختصر بكلمة واحدة: الرحيل.
ماذا لو يصار إلى استبدال كلمات رشيد نخلة البلامعنى في نشيدنا الوطني بكلمات الشاعر الفرنسي بودلير في نشيد الرحيل:
"أيها الموت،
أيها القبطان العتيق
حان الوقت فلنبحر،
هذه البلاد تضجرنا،
أيها الموت فلنقلع".
نعم، إن الرحيل هو صيغة وجود لبنانيي 2021. مذلون مهانون، يثرثرون فوق نيل بؤسهم، يحاربون طواحين الهواء، يجدّون في البحث عن زمن ضائع ويرفلون بأثواب المهانة في فردوسهم المفقود… كل عناوين الفجيعة تليق بلبنان 2021.
إرميا.. إرميا، حبيبي إرميا. حذرني إرميا من زعل الرب وبطشه، فالرب إذا ما استشاط يرفس الأرض بقدمه اليسرى ويضع الشمس في الجرة ويعطّل شبكة الانترنت. قال إرميا إن الرب سريع الغضب، سريع البطش، لا تزعله يا ولد. حبيبي إرميا، هو رفيقي منذ الأزل منذ البارحة، أعرفه منذ لحظات خلت. لا تزعج الرب العجوز قال إرميا وهو يتقرى الأخبار عبر صفحته على الفايس بوك. أخبرني أن المدينة عين بلا عين وأذن بلا أذن… إنها مجرد أطراف متلاطمة تضرب خبط عشواء.
قال إن الرب جنّ وان رأس الرب يتدحرج عبر جرح المدينة بالذات.
أما وقد احتضنتنا المزابل فلنرثي المدينة عبر شريط أصفر فضفاض وقبضة مرفوعة وثغاء.
"أهذه هي المدينةُ التي يقولون إنها كمالُ الجمالِ، بَهجةُ كُلّ الأرضِ؟“ (مراثي إرميا).
فلنرحل من هنا… "حتى الموتى لن يكونوا بمنأى من هؤلاء الأشرار في حال فازوا بالإنتخابات“.
فلنرحل وكفى، لعل ما ينقذنا أثناء تسكعنا في مدن العالم وأريافه "حب بيروت من النظرة الأخيرة".