تشهد الضفة الغربية في الأشهر الأخيرة تطورات ميدانية غير مسبوقة منذ سنوات، تمثلت بالتصدي لاقتحامات الجيش الإسرائيلي الليلية بالرصاص، مروراً بعمليته العسكرية الواسعة في خمس مناطق فلسطينية فجر الأحد، تحت عنوان "حملة لتفكيك بُنية حركة حماس العسكرية".
وعلى الرغم من إشادة رئيس هيئة أركان جيش الإحتلال افيف كوخافي بعمليات جيشه، التي قال إنها "أحبطت مخططات هجومية، بفضل إنجاز استخباراتي وعملياتي للجيش والشاباك والشرطة"، إلا أن المحللين العسكريين في إسرائيل، أكدوا عدم قدرتهم على الحصول على إجابة لسؤال مفاده: "هل تمكن الأمن الإسرائيلي من القضاء على كامل هذه البنية التحتية؟"..ثم يستدركون: "الأيام القادمة ستجيب على ذلك".
وقد عزز السؤال سالف الذكر، ما أورده الإعلام العبري عن استمرار العمليات العسكرية في الضفة، خاصة وأن الجيش الإسرائيلي لم يتمكن من العثور على كامل الأسلحة المُعدّة من خلايا فلسطينية لتنفيذ عمليات ضخمة ضد أهداف إسرائيلية. ناهيك عن أنباء تشير إلى مراقبة الأمن الإسرائيلي لخلايا أخرى في الخليل جنوب الضفة الغربية.
وتنتهج إسرائيل، أسلوب الضربة الإستباقية، في التصدي لأي محاولة من حركة "حماس" وتنظيمات أخرى لإعادة النشاط العسكري في الضفة؛ وذلك عبر تفكيك البنية التحتية لأي تنظيم قبل تنفيذ الهجمات. وتزعم دولة الاحتلال أنها تمكنت من تفكيك خليتي شمال غرب القدس، وجنين، قبل أيام من تنفيذ عملية كبيرة.
وتطلق تل أبيب تسمية "جزّ العشب"، على نظريتها الأمنية الرامية إلى "القضاء على أي مخططات لفصائل فلسطينية في مهدها، وقبل الإنتقال لمرحلة التنفيذ العملي".
وقال محلل الشؤون العسكرية الإسرائيلية إيال عاليما في معرض حديثه لفضائية "مكان" العبرية، إن جهاز "الشاباك" يراقب، باستمرار، نشاط التنظيمات الفلسطينية في الضفة، على مدى فترة طويلة. ولدى توفر المعلومات الإستخباراتية الكافية وتدريب القوات على تنفيذ المهمة، واتخاذ الإجراءات الميدانية اللازمة، فإنه تقرر القيام بالعملية العسكرية في خمس مناطق مختلفة بالتزامن، وهي جنين، وبلدة برقين، وبدو، وبيت عنان، وقباطية.
لكن.. كيف تراقب حركة "حماس" ادعاءات إسرائيل، بشأن محاولتها إحياء نشاطها العسكري في الضفة؟
مصدر من حماس، أكد ل"المدن"، أن الحركة تسعى دوماً أن يكون لها نشاط في الضفة ضد الاحتلال، بشكل فردي (خلايا محلية) أو منظم، خاصة أن الضفة هي الساحة الأكثر تأثيراً ضد الإحتلال، نظراً لإمكانية الإشتباك من نقطة صفر، بفعل الواقع الجيوسياسي، واتصالها بالمستوطنات، وقربها من أراضي 48. وتابع: "ليس سرا أن جزءاً من إستراتيجية حماس هو إبقاء شعلة المقاومة في الضفة".
لكن المصدر الحمساوي أقرّ بأنه منذ خمسة عشر عاما، تجد الحركة صعوبة بالغة في إحياء نشاطها العسكري في الضفة، كونها مهمة ليست سهلة، لعدة أسباب؛ أبرزها: "تعرّض حماس لضربات أمنية أثرت على قدراتها العسكرية، والانقسام الفلسطيني، واعتبار السلطة أي نشاط عسكري ل(حماس) خطاً أحمرَ".
وأوضح أن الضفة ساحة استراتيجية في الاشتباك، وأن جهوداً كبيرة بُذلت في الماضي لتشكيل خلايا لحماس، رغم الصعوبات، لكنها "كُشفت".
ويعتقد بعض القياديين من حماس، الذين تحدثت إليهم "المدن"، أن أفضل آلية لمواجهة الاحتلال في ظل الظروف الأمنية المعقدة هو أن يتم توسيع "الحاضنة الشعبية" للمقاومة، بهدف جعل مواجهة الإحتلال للنشاط العسكري للتنظيمات أكثر صعوبة.
بدورها، كشفت مصادر متطابقة ل"المدن" أنّ قيادة حماس في الخارج تضغط في الآونة الأخيرة باتجاه إنشاء خلايا عسكرية في الضفة الغربية؛ لأهمية هذه الساحة، كما أنها يُمكن أن تخدم موقف الحركة الساعي للتسوية في غزة، عبر توظيفها كعامل ضاغط على إسرائيل.
في المقابل، يسود أروقة المؤسسة الأمنية الإسرائيلية قلقٌ كبيرٌ، من مساعٍ حثيثة لتنظيمات فلسطينية كي تستفيق مجدداً، خاصة في محافظات مثل جنين، وهو ما يدفعها إلى تكثيف ضرباتها العسكرية "الاستباقية"؛ حتى لا تضطر لتنفيذ عملية اجتياح كبير على غرار "السور الواقي"، التي نفذتها إبان الإنتفاضة الثانية عام 2002، وأدت إلى إنهاء قدرات الفصائل العسكرية.
وتزعم إسرائيل أن هناك تيارات خفية تعمل في الضفة في سياق الجهود المستمرة لتنفيذ عمليات عسكرية، مُستدلة على ذلك بإحباط البنية التحتية التي تم تشكيلها من قبل حماس مؤخراً.
ومما عاظم التقديرات الإسرائيلية بأن "حماس" نجحت في إقامة موطئ قدم أقوى لها في الضفة، هو أن "شبكة حماس" التي اعتُقل بعض أعضائها واغتيل آخرون منها، غير عادية؛ لأنها تشمل منطقتين في الضفة الغربية متباعدتين نسبيًا، هما: شمال غرب القدس، وجنين.
لكن إلى أين يتجه الميدان في الضفة؟. الواقع، ثمة تباين في القراءة حيال ذلك. فبينما، تعتقد جهات فلسطينية أن الضفة دخلت مرحلة جديدة من المواجهة مع الإحتلال الإسرائيلي، يرى مصدر سياسي فلسطيني، مقيم في أراضي 48، أن ما يحصل في الضفة ليس تصعيداً، وإنما عبارة عن تكتيك "شد للعضلات" بين إسرائيل وحركة حماس، استباقاً لمرحلة من التسويات التي تنتظر المنطقة عموماً، بما يشمل حوارات مستقبلية بين إسرائيل وجهات فلسطينية مختلفة بينها حماس.
ويعتقد المصدر السياسي أن "شد العضلات" جاء بعد فشل الحرب الإسرائيلية الأخيرة على قطاع غزة في تنفيذ غاياتها، وأيضاً في إطار ارتدادات ما بعد عملية هروب ستة أسرى فلسطينيين من سجن "جلبوع"، قبل أن يُعاد اعتقالهم على يد سلطات الاحتلال.
ملاحظة: نرجو ممن يرغب بإضافة تعليق، صياغته بلغة لائقة بعيدة عن القدح والذم والتحريض المختلف أو المسّ بالكرامات. إن كل ما ينشر من مقالات وأخبار ونشاطات وتعليقات، لا تعبر بأي شكل من الأشكال عن رأي الموقع الذي لا يتحمّل أي أعباء معنويّة أو ماديّة من جرّائها.
التعليقات
لارسال تعليق يرجى تعبئة الحقول الإلزامية التالية


