حينما نبحث في محرك البحث "غوغل" عن إحسان عبد القدوس، يتبادر إلى الذهن أنه بمجرد كتابة الاسم الأول يشتغل الذكاء الاصطناعي ويكمل المهمة، ويقترح إحسان عبد القدوس، ولكن ذلك لا يتم. وكي نحصل على معلومات عن هذا الروائي الذي كان بين الأول في الخمسينيات والستينيات والسبعينيات من القرن الماضي، يتطلب ذلك تدوين اسمه كاملا كي تظهر التفاصيل الخاصة به. وحينما واجهت هذه العملية طرحت على نفسي سؤالا حول السبب، عن عدم جدولة كاتب عربي مشهور بصورة آلية في "غوغل"، الذي يشتغل وفق خوارزميات مدروسة على أسس علمية، بلا مواقف مسبقة؟ من المرجح أن ذلك يعود إلى قلة البحث عن عبد القدوس، وهذا يعني أن اهتمام الأجيال الجديدة بهذا الكاتب محدود، رغم أنه صاحب منجز مهم، حتى أن البعض وضعه بمواجهة نجيب محفوظ، مع أن مبدأ المنافسة غير قائم بينهما. وكان عبد القدوس أقرب إلى كل الشرائح الاجتماعية لأنه كاتب متعدد، روائي وقاص وصحافي، وكانت قصصه ورواياته تنشرها الصحف كمسلسلات اسبوعية، ورغم أنه خاض في كافة الموضوعات إلا أنه ركز على المرأة وقضاياها وخصوصياتها ومشاكلها، وفتح لنفسه طريقا خاصا، وأسلوبا فريدا على قدر كبير من الجرأة في تناول موضوع الجنس، الذي شكل الذريعة في تحرك المؤسسة الدينية ضده، والتي استجاب لها الرئيس جمال عبد الناصر، وضغط على الكاتب، الذي ارتبط معه بصداقة شخصية لم تشفع لعبد القدوس من دخول السجن في بدايات ثورة يوليو، بسبب كتاباته النقدية، وطالب بعض أعضاء مجلس قيادة الثورة بإعدامه، ولكن ناصر رفض ذلك، وبقيت علاقتهما مستمرة.وبلغت شعبية عبد القدوس ذروتها في السبعينيات وسط جيل الشباب في العالم العربي، الذي بدأ يدخل عوالم التحديث، وينفتح على تطورات العصر. وكعادة كل جيل جديد في تمييز ذاته، شهد العالم العربي ظواهر كثيرة من خلال سماع بعض أنواع من الموسيقى وقراءة الرواية والشعر والفلسفة والاهتمام ببعض الأحزاب السياسية. والتقى غالبية الشباب العربي حول أغاني عبد الحليم حافظ، بينما كان شغف الجيل الأكبر سنا بأم كلثوم التي تحول غنائها إلى أمسيات موسمية طقسية، وتستمع إليها شريحة عمرية أوسع. وعلى المنوال ذاته كان هناك قراء لم يكن تستهويهم سوى كتابات عبد القدوس، وهذا ما دفع أباطرة السينما إلى تحويل عدد كبير من رواياته إلى أفلام سينمائية لقيت رواجا عربيا واسعا، ومنها على نحو خاص رواية "لا أنام" التي أخرجها للسينما صلاح ابو سيف، ومثل فيها عمالقة ذلك الوقت، عمر الشريف، فاتن حمامة، عماد حمدي، رشدي اباظة، يحيى شاهين، وهند رستم. ولم تكن العلاقة مع الرقابة على مايرام، و تدخلت لتعديل نهاية عدة أفلام "لا أنام"، و"البنات والصيف" بانتحار البطلة بدلاً من إحراقها، و"الطريق المسدود بزواج البطلة بدلا من انتحارها، ومن بين الأفلام التي تميز بها "أبي فوق الشجرة" من تمثيل عماد حمدي، عبد الحليم حافظ، ناديا لطفي، ميرفت أمين، وإخراج حسين كمال، وسيناريو سعد الدين وهبة.عبد القدوس أكثر شعبية بين النساء عن الرجال، ويعود السبب، كما أشرنا، إلى أنه تسلل إلى عوالم نسائية سرية محرمة، وتجاوز أنماط الكتابة النمطية الوعظية، ليتحدث بلغة قريبة من الناس بعيدة عن الإنشائية، كما فعل نزار قباني في الشعر. وذهب إلى ملامسة أقصى الممنوعات، ليرسم بورتريهات لنساء معذبات، ضائعات، حائرات، رومانسيات، وفاشلات في الحب والزواج. وتطرق إلى مشاكل بقي المحيط العائلي والمؤسسة الرسمية يمنعان الحديث حولها، ولذلك فإن بعض رواياته كانت ممنوعة في أغلب المنازل، ومفقودة دائما في المكتبات والمراكز الثقافية، وحين يقتنيها أو يستعيرها أحد الشباب او الشابات عليه أن يخفيها جيدا، عن عيون الأهل الذين يعتبرون عبد القدوس محرضا على السير في دروب تنتهي إلى التمرد، وربما الضياع.
استعادة عبد القدوس اليوم هي نوع من العودة الجريئة إلى ذلك الزمن الذي يعد تأسيسيا في الحياة العربية، ليس على مستوى الرواية والشعر فحسب، بل السياسة أيضا. ولذلك يشكل المحور الذي خصصته للكاتب مجلة "بانيبال" بالانكليزية، التفاتة مهمة ونبيلة، من قبل الناشرة ماغي اوبانك ورئيس التحرير صاموئيل شمعون، وقد بذلا جهدا استثنائيا لإصدار ملف يعيد تقديم هذا الكاتب بعد حوالي ثلاثة عقود على رحيله (1919-1990)، في وقت لا يريد الأوصياء على الأخلاق والثقافة الحديث اليوم عن كاتب ترك بصمة خاصة، ولا تزال أعماله الروائية وتلك التي تحولت للسينما تحظى بقراءات ومشهادات عالية. واحتوى ملف بانيبال على مقالة للكاتب التونسي حسونة المصباحي تحت عنوان "احسان عبد القدوس: الكتابة بروح الحرية والتحدي". وأخرى للكاتب المصري محمود الغيطاني بعنوان "إحسان عبد القدوس.. كاتبٌ عابر للطبقات!". ونشرت المجلة فصلا من رواية "لا أنام" بترجمة الأكاديمي الأميركي جوناثان سمولن مع مقدمة. وسوف تصدر الرواية عن مطبوعات الجامعة الأميركية في القاهرة في أكتوبر المقبل. وترجم رافائيل كوهين قصة طويلة من المجموعة القصصية المعنونة بـ"البنات والصيف". وتضمن الملف فصلا طويلا من رواية "أنف وثلاثة عيون" بترجمة جوناثان سمولن.ومما جاء في مقال المصباحي، قوله "أنا مدين في تكويني الأدبي لإحسان عبد القدوس، مثلما أنا مدين بذلك إلى العديد من كتاب النهضة المصرية مثل د. طه حسين، والمنفلوطي، ويحي حقي، ونجيب محفوظ، وتوفيق الحكيم، وسلامة موسى". وينسحب هذا الإعتراف على جيل السبعينيات من الكتاب والكاتبات، الذين ساهمت كتابات عبد القدوس في تحريرهم. وروايات "في بيتنا رجل"، "لا أنام"، "الوسادة الخالية" و"دمي ودموعي وابتسامتي"، طافت أغلب البيوت العربية حينما صدرت في السبعينيات، وساهمت في تكوين وعي جيل بالمشاكل، وفتحت على العيون على خفايا إجتماعية وفساد إخلاقي يتفشى تحت ستار العادات والتقاليد.ومن دون شك لعب المحيط الذي ولد وعاش فيه عبد القدوس دورأ اساسيا في تكوينه فوالده محمد عبد القدوس من أسر مصر المعروفة، واشتغل بالتمثيل والتأليف، ووالدته هي الصحافية فاطمة اليوسف اللبنانية التي هاجرت إلى مصر، وأسست مجلتي "روز اليوسف" و"صباح الخير"، ولهذا عمل في الصحافة واتجه نحو الكتابة الروائية، وبرز بفضل أعماله الروائية التي أشعلت المواجهات في قمة هرم سلطة ثورة 23 يوليو التي لم تقصيه من المشهد، رغم ان هناك من حسبه هو وعائلته على الملكية، فكل دراسته الابتدائية وحتى الثانوية كانت في هذه الأوساط .ملف مجلة "بانيبال" محاولة تكريم لكاتب كبير نسيناه في غمرة المشاكل التي يعيشها العالم العربي، وبسببها تم تهميش الثقافة والمثقفين، ومحاربة الكتابة المختلفة كونها تحرض على التمرد على السائد، ولا يقف عند هذا، بل هو يشكل دعوة لنفض الغبار عن كتابات مهمة من الستينيات وما قبلها، في مصر وغيرها، وذلك لما لهذه الكتابة من مكانة رفيعة تم الحط منها اليوم بسبب قمع الحريات وسيادة الرأي الواحد وتشجيع التفاهة وثقافة اللامعنى. ومن المفارقات أن عبد القدوس لم يواجه حروب المتشددين دينيا فقط، بل كان عليه أن يصد عن نفسه هجمات الناصريين واليساريين الذين اعتبروه كاتبا يشجع على الإنحلال الأخلاقي، ويروج لقيم البرجوازية الصغيرة.وفي الختام، إن عدم الإهتمام بعبد القدوس من قبل الأجيال الجديدة يتجاوزه كظاهرة روائية هامة، إلى القطيعة مع فترة مهمة من تاريخنا الثقافي والسياسي، الستينيات التي شهدت أهم الروايات، وأجمل الأفلام، والإنقلابات العسكرية وهزيمة العام 1967، والكفاح المسلح أيضا.
ملاحظة: نرجو ممن يرغب بإضافة تعليق، صياغته بلغة لائقة بعيدة عن القدح والذم والتحريض المختلف أو المسّ بالكرامات. إن كل ما ينشر من مقالات وأخبار ونشاطات وتعليقات، لا تعبر بأي شكل من الأشكال عن رأي الموقع الذي لا يتحمّل أي أعباء معنويّة أو ماديّة من جرّائها.
التعليقات
لارسال تعليق يرجى تعبئة الحقول الإلزامية التالية


