2026-11-03
بث مباشر
إعلان
عاجل قوى الأمن توضح حقيقة ما حصل خلال إقامة حاجز لضبط مخالفات السير في دير عمار   •   في الجنوب.. هذا ما فعلته دورية إسرائيلية   •   توتر وقطع طرقات في المنية.. الجيش يتدخل بعد محاولة اقتحام السرايا   •   العثور على شاب جثة هامدة   •   بعد الاشتباه بلحوم ملوّثة.. سلام يطلق حملة رقابية واسعة على المسالخ والمستودعات   •   بعد الخروج من أوبك.. الإمارات تعلن ارتفاع صادراتها النفطية   •   الصدي بحث مع شركات دولية فرص تطوير قطاع الطاقة   •   الحجار يتفقد المفتشية العامة لـ"قوى الأمن" ويتابع عملها الرقابي   •  
المتفرقات

قال برهان "خلص" ومشى

وك

وكالات

10 ايلول 2021

قال برهان
إعلان

أتذكّر آخر مرّة شاهدتُ فيلما للمخرج برهان علوية، كان فيلم "خلص"، رأيت برهان خارجاً من الصالة، كأنني كنت أنتظر صورته في الواقع كما رأيتها في الجريدة... برهان بشاربيه الكثيين ونظرنه وشعره، كان صورة انتظرها، يومها لم أكن متحمساً لفيلمه ولا لكل الافلام التي تحمل رسالة... كأني في خضم الازمات والانقسام، كنت كارهاً كل ما يمت بصلة إلى الحرب، حتى الافلام التي تدينها أو تصور مآسيها وما أوصلتنا إليه، ربما بسبب أننا كنا لا نزال في قلب الحرب وتداعياته، نتأمل في كل نشرة أخبار الدجل حول السلاح ومن يقود السلاح، ومن يواجه العدو. فيلم "خلص" قصّة صديقَين حميمَين من أيام الحرب الأهلية (الشاعر فادي أبو خليل وريمون حصني الى جانب ناتاشا اشقر ورفعت طربيه) يتحوّلان إلى السرقة بعدما فشلا في تحقيق الآمال المعلّقة والاحلام الموعودة. أحدهما يعتقد أنه يستطيع أن يفعل كل شيء بما في ذلك الانتقام من حبيبته، لكنه في الحقيقة لا يستطيع سوى الهرب، إليها حيناً، وبعيداً منها حيناً آخر، كان هذا يشبه قصة علاقة الشاعر فادي ابو خليل والكثير من المثقفين بشارع الحمراء، المفارقة أنه من بعد فيلم "خلص" لم أعد أرى فادي أبو خليل، وقيل الكثير بشأن ابتعاه عن الأضواء والمسرح والشعر، وقيل الكثير أيضا بشأن غيابه هو الذي لم يكن يفارق شارع الحمرا ولا مقاهي المودكا والويمبي والكافية دي باري، اقفلت المقاهي وتحوّل الشارع، وحتى "المعلم كسبار رحل"... أيضاً لم أعدْ أتابع المخرج برهان علوية، وقيل الكثير إنه أمضى سنوات حتى حصل على تمويل لانتاج فيلمه "خلص" الذي كان بمثابة رسالة وداع، وقيل إنه رثاء لجيل بكامله. وفيه يتحدث عن "جيل سار وراء السراب، ووراء الظن بأن الحرب ستحقّق احلامه. كان هذا الجيل مقتنعاً بالتغيير، لكنه أصيب بالخيبة ووصل الى الفراغ". هُزم مشروع هذا الجيل. وثمة أشخاص هُزموا ووجدوا أنفسهم وقوداً للحرب التي أعطوها في البداية مشروعية... "خلص" بحسب برهان هو تعبيرٌ عن واقع الحرب التي تجاوزت حدودها لتصبح على هذا القدر من البشاعة. قال برهان "خلص" أو "كفى" لكن المعاناة بقيت، والحالة أًصبحت اكثر سوءا من الحرب، من بعد الفيلم قيل إن برهان عاد إلى بلجيكا، عاد الى المكان الذي انطلق منه، كانت افلامه حاضرة وكان شخصه غائباً، وبدا ذلك واضحاً من الرثاء الذي كتبه بعض المقربين منه، برهان الذي كان خلال سنوات الحرب، يعرض فيلمه يكون بين جمهور الفيلم ومع نقاده، في مرحلة اختفى، كأن اختار المنفى الذي تحدث عنه كثيراً ملاذا له، في بلد طالما واجه اهل السينما مطبات وهواجس..
قال برهان علوية "خلص" ومشى، وهذه الكلمة هي أقل الممكن، كيف ولا؟! وبرهان درس في مدرسة عين الرمانة، وعمل كمساعد مصور ثم كونترول فيديو في "تلفزيون لبنان"، ودرس بعد ذلك العلوم السياسية في الجامعة اللبنانية، ثم بدأ رحلة خارج البلد أتاحت له زيارة دول إفريقية مختلفة منها مصر والسودان والكونغو، وعندما عاد إلى بيروت عام 1967، وقعت حرب الأيام الستة التي دفعته إلى مغادرة لبنان إلى باريس، في كل مرحلة كان عليه أن يصطدم بحرب. بمعنى آخر، فتح عينه فوجد الحرب أمامه، الحرب كانت بدأت في العام 1948، ولم تتوقف عام 1956، وبلغت ذروتها عام 1967... هي الحروب المتعاقبة المتناسلة التي لم تقف عند حدود الدول، بل دخلت في الزواريب وفي الكلام وفي المنابر، وعلوية مثل كثيرين هاجر الى فرنسا باحثاً عن العلم، التحق بالمعهد الوطني العالي لفنون العرض وتقنيات البث "إنساس" في بروكسل ببلجيكا، وتخرج فيه عام 1973 بفيلم تخرج قصير بعنوان "ملصق ضد ملصق" وبعدها قدم فيلما آخر بعنوان "فوريار". وهو مثل كثيرين ايضا، عاد الى بيروت قبل أعوام قليلة من اندلاع حربها الطويلة والقاسية، ساعياً الى بلورة أفق متجددة لسينما لبنانية عربية تتمرّد على المألوف. في بيروت، التقى برهان علوية عدداً من السينمائيين اللبنانيين، ذوي الهواجس المشتركة والميول اليسارية، ومع مارون بغدادي الذي عاد ما باريس ومات في مصعد مبنى بشكل غامض، وجوسلين صعب وجان شمعون ورندة الشهال التي خطفها السرطان وغيرهم. والمشترك بين هؤلاء جميعاً كان الوعي بقضية فلسطين وصدمة الحرب الاهلية، صارت الحرب قرينة كل فيلم جديد يقدمونه، وشكلت الهاجس اللغوي والصوري والوجودي للمخرجين... في البداية قدم برهان أفلاما روائية ووثائقية عدة منها "كفر قاسم" عام 1975، وهو الفيلم الذي تسبب في شهرته عربيا، عن قصة عاصم الجندي، والذي يسرد في ساعة ونصف الساعة عشية الهجوم الإسرائيلي على مصر في العام 1956، حيث تعلن السلطات الإسرائيلية حظر تجول في المناطق العربية في فلسطين المحتلة دون سابق إنذار للسكان. فيتفاجأ سكان كفر قاسم لدى عودتهم من أعمالهم بحصار من قبل الجيش الإسرائيلي، والذي سيرتكب لاحقا ما يُعرف تاريخيا بمجزرة كفر قاسم. ثم أخرج "لا يكفي ان يكون الله مع الفقراء" وتلاه الروائي الطويل الثاني "بيروت اللقاء"(كتابة أحمد بيضون) قبل عام واحد فقط من الاجتياح الاسرائيلي للبنان في حزيران 1982، أدّى ببرهان علوية، الذي بقي في بيروت حتى لحظة الاجتياح هذه، الى خيار الهجرة الى باريس، حيث أنجز "رسالة من زمن الحرب"(1984) و"رسالة من زمن المنفى" (1989). ولم تتوقف الحرب عند الاهلية أو الحرب الاسرائيلية العربية، فعام 1990 كانت حرب الخليج الكونية بعد غزو صدام الكويت لتزيد الطين بلة، واثرها سيرتد على المنطقة كلها من لبنان الى فلسطين وسوريا. ولم تكن هذه الحرب بمنأى عن هواجس برهان، ففي عام 1992 أخرج فيلم "وفي ليلة ظلماء" عن حرب الخليج مع مجموعة من المخرجين العالميين. في العام 2000، أخرج رسالته الثالثة والاخيرة "اليك أينما تكون" وقد وجهها من لبنان بعد ان عاد من المنفى، عام 2006، أنجز علوية فيلمه الروائي الثالث "خلص"، الذي قال كثر إنه كان بمثابة "رسالة وداع"، مع أنه تابع عمله من بعده لكن بشكل خجول.
بمعنى آخر، ونحن نكتب عن سيرة برهان علوية، نجد أننا في منطقة، إن لم نكن في خضم حرب اهلية، فهي في عرب عربية اسرائيلية، او حرب كونية، كأن قدر الشرق الاوسط أن يبقى في حرب دائمة، وما على الافراد إلا التشاؤم، أو التوهم. وعدا ذلك كانت حياة برهان علوية هجرات ومنافي وهواجس لم تنته فصولها، وكان مخرجاً متمردا يواجه المآزق بالصورة والحوار.
ملاحظة: نرجو ممن يرغب بإضافة تعليق، صياغته بلغة لائقة بعيدة عن القدح والذم والتحريض المختلف أو المسّ بالكرامات. إن كل ما ينشر من مقالات وأخبار ونشاطات وتعليقات، لا تعبر بأي شكل من الأشكال عن رأي الموقع الذي لا يتحمّل أي أعباء معنويّة أو ماديّة من جرّائها.

التعليقات

لارسال تعليق يرجى تعبئة الحقول الإلزامية التالية

مقالات ذات صلة