إلى سارة حجازي(*)
في الإنكليزية، من الشائع استخدام تعبير "ولد يلتقي فتاة boy meets girl" ككناية وصفية عن حال رومانسي أو قصة عن شخصين يقعان في الحب. لكن مع تطور الخطاب الإنساني، عطفاً على ممارسة معاصرة في تعويم كل قضية وشأن هويّاتي، دخل تعبير "فتاة تلتقي فتاة" girl meets gilr قاموس الممارسة الكلامية. ومن المهم هنا تجنُّب الخلط بينه وبين "فتاة على فتاة" girl on girl الشائع استخدامه في الأفلام الإباحية. هذا الأخير أكثر حضوراً وتكراراً، وربما يعود ذلك في جزء منه إلى هيمنة الخطاب الذكوري في المسألة الرغبوية، إذ عادة ما يمتح تصوير مشاهد الجنس بين النساء من الخيال الجمعي للذكر المُغاير (كما هو حال كاتب هذا الكلام)، وبالتالي تمثل تلك الذاكرة البصرية حِصّة ليست هيّنة من المحتوى الإباحي المصنوع والموجّه للمستهلكين المغايرين في المقام الأول. في تلك المشاهد، وباستعارة لغة صانعيها ومروّجيها، "تبهدل" الممثلات بعضهن البعض، عبر إطلاق أيديهن العابثة في كامل أجزاء الجسد الأنثوي، فركاً وملامسةً وإيلاجاً، لتحفيز إفراز السوائل الجسدية في خضم المسعى الأكبر المتمثل في محاكاة الفعل الجنسي وفانتازياته. ورغم تنوع الممارسات الجنسية بين النساء، مقارنة بما يقدّمه البورن الكلاسيكي، إلا أن الغالب على تمثيلاتها تصدير صور معيارية للنساء (شابات، نحيفات، ذوات شعر طويل، ذوات شعر أحمر... وغيرها من تنميطات وصفية وفيتيشية)، تخدِّم على مخيال مهيّأ مسبقا للاستثارة.تستحيل الممثلات مرآة ممغنطة بالتصوّرات الذاتية يودعها المتفرّج استيهاماته الجنسية ولا يرى فيها إلا ممكنات فيتيشية وإيروتيكية. لا مجال هنا للتفكير في موضوع النظر أبعد مما تتيحه تأوهات مجانية وسيناريوهات سهلة، فيما تمتثل حواس المتفرج المستهدَف لسباحة في سديم أورجازم افتراضي، مستقطع ووجيز.
"فتاة تلتقي فتاة" قصة مختلفة تماماً، فهو يشمل لقاءات غير متوقعة، وعلاقات حب، ووصالات جنسية أيضاً. وفيه، مثلما في "ولد يلتقي فتاة"، المادة الخام والعمود الفقري للكوميديات الرومانسية ودراما الكليشيهات العاطفية: يتعرّف شخصان على بعضهما البعض، ثم يقعان في الحبّ، ثم تظهر مشكلة، ثم يتغلّبان عليها (أو لا)، لتنزل في النهاية التترات الختامية والجميع مبسوط بنهاية سعيدة أو قابض بإحكام على درس حياتي مستفاد. لكن الأمور لا تسير على هذا النحو دائماً. فالأشياء تحدث، والعالم يتغيَّر، وإن أوحت الأمور بعكس ذلك.المنتحرات
استغرقت السينما وقتاً طويلاً لتطبيع العلاقات المثلية بين النساء على الشاشة، حتى وصلنا العام الماضي إلى فيلم رومانسي "لايت" يُعرض في موسم الكريسماس. لم تكن الطريق سهلة أبداً أمام قصص الحبّ المثلي بين النساء للتواجد في ملعب السينما السائدة، بالمقارنة مع قرينتها بين الرجال التي نجحت في اقتناص مساحتها المينستريمية بعد انحصارها تقريباً في الهوامش المتنوعة للأفلام المستقلة والفنية طوال العقود الأخيرة، مثلما يظهر في أفلام "قبلة المرأة العنكبوت (1985)"، "فيلادلفيا(1993)"، "كل شيء عن أمي" (1999)، "جبل بروكباك" (2005)، "ميلك(2008) "، "مونلايت(2017) "، "نادني باسمك" (2018)، وجميعها أفلام تشترك في جمعها بين النجاح الجماهيري المعقول والتقدير النقدي الواسع، مثلما في تتويجها بجوائز رئيسة، بدءاً بسعفة مهرجان كان الذهبية وصولا إلى أوسكار الأميركية، ما يكثّف حقيقة أن تواجد قصص الحب المثلي بين النساء، في مركز اهتمام أفلام جماهيرية وخارج الدائرة الضيقة لمهرجانات السينما الكويرية، يظلّ أمراً نادر الحدوث.
لكنها، القصص السينمائية، تواجدت منذ فترة طويلة وأعطت المثليات صوتا، من قبل حتى فيلم سيلين سيامّا الراديكالي "بورتريه لامرأة تحترق"، المتوَّج بجائزة أفضل سيناريو في مهرجان كان العام 2019. في فيلم "ساعة الأطفال" (ويليام وايلر، 1961)، المستند إلى مسرحية منشورة العام 1934 من تأليف الكاتبة ليليان هيلمان، يُشتبه في أن مُعلّمتين (أودري هيبورن وشيرلي ماكلين) في مدرسة خاصة بالبنات تجمعهما "علاقة غير طبيعية"، على إثره يجري تهديدهما بإغلاق المدرسة، فضلاً عن خراب علاقة إحداهما بخطيبها. ثم حينما يتبيّن أن إحداهما ترغب فعلاً في الأخرى، لا يكون هناك سوى حلّ واحد (وفقاً للمنطق الدرامي وزمن إنتاج الفيلم)، يقضي بأن تنتحر المثلية المُعترِفة بعشقها المُحرَّم.انتحار مأساوي آخر لامرأة مثلية قتلها رفض محيطها لها على أساس التحيّز الجنسي، يمكن العثور عليه في فيلم ستيفن دالدري "الساعات (2002)"، المستند إلى رواية بنفس الاسم للكاتب مايكل كانينغهام. يتابع سيناريو الفيلم، لديفيد هير، ثلاثة نساء من أزمنة مختلفة يجمعهن رفض القيود والقوالب الاجتماعية، وترتبط حياتهن برواية "السيدة دالاواي "لفيرجينيا وولف. الأولى المنتحرة بجيوب مثقلة بالحجارة، فيرجينيا وولف (نيكول كيدمان، وحصدت أوسكارها الوحيدة عن هذا الدور) تصارع اكتئابها المزمن ومرضاً يأكل عقلها بينما تحاول كتابة روايتها الشهيرة. والثانية، لورا براوس (جوليان مور)، ربّة منزل حامل تعيش في كاليفورنيا الخمسينيات، وتعاني من زواج غير سعيد، وتحبّ جارتها، تحاول الانتحار هي الأخرى بتناول الحبوب المهدّئة، لكنها في نهاية المطاف تقرّر الحياة. أما الثالثة، أوفرهم حظاً، كلاريسا فوغان (ميريل ستريب)، تقطن في مدينة نيويورك في مطلع الألفية، في علاقة مستقرة مع حبيبتها، تحاول إعداد حفلة لصديقها القديم ريتشارد، وهو مثلي مصاب بالإيدز يقرر إنهاء حياته.
الأمور أكثر قتامة في فيلم "وحش" (باتي جينكيز، 2003)، المأخوذ عن سيرة آيلين وورنوس، وهي مثلية أميركية وقاتلة أدينت بعدة جرائم قتل بين عامي 1989 و1990 قبل أن تُعدم في النهاية حقناً. أدت تشارليز ثيرون دور البطولة، وحصدت به أوسكارها الوحيدة حتى الآن.كارول
في عام 2015، فازت روني مارا بجائزة أفضل ممثلة من مهرجان كان عن دورها في فيلم " كارول" لتود هاينز. قدّم الفيلم قصة الحبّ الرقيقة والمفصَّلة بين امرأة متزوجة (كيت بلانشيت) وبائعة شابة (روني مارا) خلال حقبة الخمسينيات في مدينة نيويورك، استناداً إلى رواية كتبتها باتريشيا هايسميث في الخمسينيات تحت اسم مستعار خوفاً من تصنيفها كـ"كاتبة مثلية"، ورشّح للعديد من الجوائز الكبرى الأخرى، مثل "بافتا" و"أوسكار" و"غولدن غلوب"، لكنه خرج خالي الوفاض. واجهت عملية إنتاج الفيلم صعوبات كثيرة في تأمين الموازنة اللازمة، ليس بسبب مثلية الأبطال فقط، بل بسبب كونهم نساء أيضاً. وبحسب أحد منتجي الفيلم، تأخّر إنجاز الفيلم طويلاً بسبب موضوعه وبطلتيه، رغم إنه خلال فترة العمل على تطوير الفيلم كان هناك نوع مختلف تماماً من أفلام المثليين والمثليات تؤمّن تمويلها بسهولة، لأنها تروّج لأجندة أو قضية معيّنة، في حين أن "كارول" اختار النأي بنفسه عن هذا النهج المباشر، والتركيز على نسج ملحمة سينمائية فيها من هشاشة الحبّ المثلي بقدر ما فيها من الاحترام والعناية.الشيء المميز بخصوص "كارول"، الذي تدور أحداثه قبل سنوات قليلة من زمن "ساعة الأطفال"، هو أنه "يلعبها بإيجابية". هنا، البطلة كارول (بلانشيت) تختار عيش حياة مِثلية بوعي وتصميم وقلبٍ واثق، في تحدٍ واضح للهيكل الاجتماعي السائد ولوضعها ذاته كامرأة متزوجة، لكن لا يزال عليها رؤية ابنتها، التي ستعيش بدورها مع الأب المستقيم. "لا أريد التظاهر بعد الآن"، تخبر زوجها السابق والمحامين. حبيبتها، تيريز (مارا)، تحسم تردّدها وبحثها المؤرِّق عن علاقة حبّ جادة وشجاعة، لتقودها خطواتها في النهاية إلى كازينو نيويوركي مخصّص للرجال، حيث تجلس كارول بصحبة رجال أعمال وأصدقاء.النافل هنا، أن الفيلم يحمل روحا شجاعة واحتفائية، ويقولها صريحة: العالم تغيَّر، انتهت أوقات انتحار المثليات (وكان من الممكن أن تنتهي في الخمسينيات، وهذا، بالمناسبة، لا علاقة له من أي نوع بما يحدث في منطقتنا العربية العائشة خارج التاريخ أصلاً). لأنه حيثما توجد الشجاعة، هناك أيضاً إمكانية واحتمال. والإرادة والتفهُّم لازمان في أية حال.لكن ثمة حقيقة أخرى جديرة بالالتفات إليها، تتعلّق باختيار الممثلتين الرئيسيتين للفيلم والدور الذي ربما لعبه مظهرهما الجمالي وبنيتهما الجسدية في ظهور الفيلم على صورته النهائية وطريقة استقباله أيضاً. كلا الممثلتان على قدرٍ من الجمال الكلاسيكي ومغايرتا التوجه الجنسي ومن السهل استيعاب اشتهائهما داخل عادات الفُرجة الذكرية، فبلانشيت تؤدي دوراً جديراً بـ"شقراء هيتشكوكية متمرّسة وأنيقة"، فيما مارا تبدو "نسخة معاصرة من أودري هيبورن وعيونها الغزلانية". وهذا الوصف ليس من عندي، بل هكذا تصف هايسميث بطلتي روايتها.ومع استبعاد القول بأن "كارول" تحكمه نظرة ذكورية، إلا أن الفيلم يضيف القليل من التنوع إلى الصورة الأنثوية (والمثلية) من منظور خارجي. على عكس، مثلاً، فيلم السيرة الذاتية "أيمكنك أن تسامحني؟") مارييل هيلر، 2019)، عن قصة حياة الكاتبة لي إسرائيل، الذي في مركزه امرأة مثلية خمسينية بدينة معقّدة الأبعاد تلجأ إلى الغشّ والتزوير الأدبي عبر تأليف رسائل منسوبة لمشاهير، لإنقاذ نفسها من العوَز ودفع فاتورة الطبيب البيطري الذي يعتني بقِطّتها. في المقابل، رُشِّحت ميليسا ماكارثي، التي لعبت الدور بجدارة وامتياز، لجائزة أوسكار أفضل ممثلة عن دورها، لكن بخلاف ذلك لم يتجاوز الاحتفاء بأدائها الكلمات إلى منصّات التتويج.كوميديا للرجال فقط
بعيداً من الميلودراما، يقدّم فيلم "فضائية مثلية اعتمادية ترنو مثيلتها" (مادلين أولنيك، 2011) نظرة فكاهية رائعة على علاقات الحب المثلي بين النساء، عبر اعتماد المحاكاة الساخرة لأفلام الدرجة الثانية B-movies. في الفيلم المصوَّر بالأبيض والأسود، نقابل جين (ليزا هاس)، بائعة خجولة ومحبّبة بأحد متاجر بطاقات المعايدة، تخبر معالجها النفسي عن حلم رأت فيه سفينة فضائية تطفو في سماء مانهاتن ليلاً، وأسقطت فوقها مباشرة رسالة تقول "هل لديك خطط الليلة؟". يتحوَّل الحلم حقيقة، وتنهض الكائنات الفضائية المحلومة ثلاث نساء صُلع بياقات بيضاء، كصوّرة مؤنثة من بيلا لوغوسي، ممثل أفلام الرعب الشهيرة في الثلاثينيات. الكثير من المشاعر القوية تسببت في حدوث ثقب بطبقة الأوزون على كوكبهن الأصلي، زوتس. ووفقاً لتعليمات الحكومة الأميركية، على سكّان زوتس الوافدين إلى الأرض التوقف عن ممارسة مشاعرهم من أجل تحصين انفسهم ضد الحبّ والرومانسية. لكن إحدى النساء الصُلع/الكائنات الفضائية، زونكس، تقع في حبّ البائعة الخجولة، وتسير الأمور بينهما مصداقاً لمتلازمة الموعد الثاني بين المثليات، التي على نمطيتها تعمل هنا على نحو مفيد للغاية في سياق الفيلم الهزلي.على أية حال، تقول النكتة التنميطية: "ما الذي تفعله المثليات في موعدهن الغرامي الثاني؟ يشحنّ الأثاث. وماذا يفعل اثنان من المثليين في موعدهما الثاني؟ - أي موعد ثانٍ؟".للأسف، من غير المعتاد أن تمرح قصص الحب المثلي بين النساء في أجواء يماثل لُطفها وخِفّتها تلك التي من السهل العثور عليها في نظيرتها بين المثليين، وهذا النقص في المقاربات "الخفيفة" يقلّل حظوظ شعبيتها بين الجمهور السائد. إضافة إلى ميل شائع سينمائياً في النظر إلى الرجال المثليين كـ"فيجرز" Figures توفّر موضوعاً للتسلية والمباريات المضحكة، في حين، من ناحية أخرى، يُنظر للمثليات كأنداد يحضر في سجالاتهن كثير من الجدّية والتوتر، ما يعزّز التأثير السلبي على ظهور قصص بطلاتها مثليات مرحات يغرقن في الحب ويطلقن الضحكات الهستيرية في الوقت نفسه.في الاقتباس السينمائي لمسرحية جان بواريه "سجن المجانين"، الذي أنجزه مايك نيكولاس بالاشتراك مع روبن وليامز وناثان لين في فيلم "قفص العصافير"(1996)، تظهر بجلاء تلك التحيّزات إياها، بداية من قصة الفيلم المتمحورة حول زوجين مثليين يضطرا لتزييف علاقتهما من أجل إكمال خطوبة ابن أحدهما على ابنة سياسي يميني محافظ. الفيلم كوميديا رائعة حافل بالفوضى الهزلية والمساخر القادرة على إطلاق الضحك العالي، ولإنجاز ذلك، يتحدّى البطلان بشكل طبيعي صورة البطل الذكر المهيمنة سينمائياً، بخِفة دمّ وكاريزما ساحرتين وكثير من الحب.نظرة أنثوية
في القطاع السينمائي السائد دولياً، وخاصة في الصناعة الأميركية الموجّهة للجمهور الواسع والمحكومة بحسابات الأرباح، يجب أن تفي الشخصيات النسائية التي تربطها علاقات جنسية أو عاطفية مع بعضها البعض بالكثير من المعايير، على الورق وعلى الشاشة. من الناحية الجمالية، لا ينبغي أن يبتعد تمثيلهن عن الإيروتيكية المتأنقة والحِسّية لفانتازيات "فتاة على فتاة" سهلة التأثير والاستدعاء، نتيجة تاريخ طويل من تطبيع علاقة الجمهور المستهدف بها عبر خبراته السابقة في مشاهدة الأفلام الإباحية أو تطويع أذواقه بمقاييس جمالية قياسية وشائعة.ومثلما هناك تيار سائد يتبنّى خطاباً مهيمناً، ثمة فسحات إبداعية يجترح فيها سينمائيون وسينمائيات رؤى مختلفة، كما في حالة "بورتريه لامرأة تحترق"، المعتمد أساساً على النظر ومراقبة مشاعر مختلسة وخلق معادلة بصرية وإيقاعية مبتكرة لرواية ما يريد قوله. فسيامّا تروي حسّية سرّية، تربض في ما وراء النظر الصريح، من دون اهتمام بتقديم تفصيل مصوّر لمشاهد الفعل الجنسي بين شخصياتها. لا إغراء هنا، بل حركة متناغمة يرتّب إيقاعها جسدان يلتقيان. لا ألعاب سلطة، ولكن يوتوبيا مجتمع صغير من النساء الخلّاقات والمكتفيات ذاتياً، يضيئه التكاتف والمحبة. لا تمثِّل سيامّا بزوغ ونضوج الصحوة الجنسية في قلب شابات يفتقرن الخبرة و الفرص في زمنٍ أقل نسوية، ولكن أيضاً، وبشكل غير مباشر، التحيّزات وانعدام الأمن والمساوئ الاجتماعية والثقافية التي تواجهها النساء يومياً.في مقلب آخر، تسببت أفلمة عبد اللطيف كشيش لرواية مصوَّرة لجولي مارو في دراما الحبّ المثلي "الأزرق أكثر الألوان دفئاً"، المتوَّج بسعفة كان الذهبية العام 2013، في ردود فعل من مختلف الزوايا. من ناحية، أثناء عرض الفيلم في مهرجان كان، صدرت تعليقات سلبية من بطلتي العمل، ليا سايدو وآديل إكساربولوس، حول سلوك المخرج أثناء تصوير الفيلم وطلبه منهما العمل لساعات طويلة وبعنفٍ لفظي، ثم بعد خمس سنوات ومع تصاعد مدّ حركة "مي تو"، استحال الانزعاج اتهاماً صريحاً للمخرج بالإساءة الجنسية، أتبعه رفع دعوى قضائية أمام المحاكم الفرنسية، وصولاً إلى ما يبدو أنه لن يكون الفصل الأخير في هذه الدراما المعاصرة باسقاط الدعوى القضائية ضد كشيش في العام الماضي.
من ناحية أخرى، اتهمت مارو الفيلم المأخوذ عن روايتها، من بين أشياء أخرى، بعدم تصوير الحب المثلي "بشكل صحيح" والتحرك في اتجاه الإباحية التي أضرّت نصّها الأصلي، الأمر الذي يعيدنا من جديد إلى الحجة القائلة بأن امرأتين جميلتين تمارسان الجنس في مشاهد مارثونية وبجرأة فائضة يتلاقى تماماً مع ما يطلبه متفرجون ذكور مغايرون حين يطيب لهم النظر إلى مثليات يتبادلن الحبّ والغرام.
النقطة الأساسية هنا أن تمثيل علاقات الحبّ المثلية في الفيلم غَلَب عليه "نظرة غير مثلية" إن جاز التعبير. إنما أيضاً، من قبل، في رواية مارو، لدينا شابتان نحيلتان بعيون واسعة تقعان في الحبّ. هكذا، تبدو هيئة سايدو وإكساركوبولوس ملائمة لملامح أصلهما الأدبي. وبملاحظة أن أسلوب نماء العلاقة بينهما في الفيلم يبعد كثيراً عن الحذر المحتشم والتأنق الخجول، كما هو الحال في "كارول" أو حتى الفيلم الألماني "إيميه وجاجوار "(ماكس فاربربوك، 1999)، إذ ينقل كشيش بواقعية مدهشة من فرط عاديتها ولادة العشق بين الفتاتين كرسم بياني يمكن تبيّن ملامحه في أي علاقة كلاسيكية بين شخصين؛ يمكن أن يمثّل ذلك نقطة لصالحه إذا فسَّرنا هذا النهج باعتباره دفعاً باتجاه تطبيع تمثيل العلاقة بين المثليات على الشاشة، بما فيها الجانب الجنسي بالطبع. إضافة إلى ذلك، لا يخضع الفيلم في أي لحظة لتعريف المواد الإباحية، لأن جانب الشراكة في العلاقة الجنسية ليس مستبعداً، بل يحافظ السيناريو على وضعه في مركز قصته، التي تجدر الإشارة إلى تحوّلها في الفيلم إلى قصّة آديل بالأساس (العنوان الأصلي للفيلم بالفرنسية "حياة آديل: الفصلين الأول والثاني").في مقابلة سابقة مع سيامّا حول إشكالية تبنّي النظرة الذكورية في تصوير النساء سينمائياً، ترى في ذلك ممكنات - نظرية على الأقل - لتبنّي نهج أكثر فهماً واستيعاباً لمسائل الآخر المختلف. تقول سيامّا إن "كُلّنا نتاج النظرة الذكورية" من دون أن تستثني نفسها، لكنها شدّدت على إمكانية تبنّي سينمائيين رجال لنظرة أنثوية في أفلامهم، مثلما تفعل بعض السينمائيات بتقديمهن نظرة ذكورية في أفلامهن. بالنسبة لسيامّا هذا أمر جيّد لأنه "فرصة لنكون أكثر ذكاءً، وأكثر سياسية، وأكثر وعياً... عليك أن تتفاعل، يجب أن تكون على دراية بما يحدث. لدينا الفرصة لنكون هجيناً، وهذا أمر جيد: يمكننا إقامة حوار بين العالمين لأننا نعرف كلاهما، وكلما عرفنا أكثر أمكننا الذهاب أبعد".مستقبل مفتوح
منذ فترة طويلة تواجدت النساء المثليات والعلاقات بينهن في السينما السائدة والمستقلة والسلاسل التلفزيونية كذلك، على الأقل في حبكاتها وشخصياتها الثانوية. من الأمثلة الجيدة على ذلك، البورتريه المؤثر الذي قدّمته كاري آن موس في تصويرها المحامية القوية لجيسيكا جونز في السلسلة التلفزيونية التي تحمل الاسم ذاته، والمبنية على قصص مارفل المصورة. في إنتاجات مثل السلسلة الأوتوبيوجرافية "وان ميسيسيبي" للممثلة الكوميدية تيغ نوتارو، والعديد من السلاسل الشعبية الأخرى مثل "جلي" و"أورانج إذ ذي نيو بلاك" و"سيكس إيديوكيشن" و"يوفوريا" و"ترو بلَد" و"تيلز أوف ذي سيتي" و"فيل جود " وبالطبع "ذي إل وورد"؛ يمكن العثور على شخصيات رئيسية وثانوية لمثليات يحضر في قصصهن الحبّ والجنس والفكاهة، أو لا يحضر فيها أي من هذا كله.
وفرة الإنتاج التلفزيوني، معطوفاً على انفتاحه على قصص ومواضيع واستهداف فئات بعينها كمشتركين محتملين، فضلاً عن توفّر السياق الآمن والمشجّع للتفكير والإبداع الحرّ؛ جعل هذا ممكناً. الآن ليس على السينما سوى التماشي مع الاتجاه الجديد وإفساح مجال التطوّر لسرد مزيد من القصص. وربما، بالمرّة، يضاف إلى عبارة "فتاة تلتقي فتاة" قريبة جديدة لها تمثّلها "امرأة تلتقي امرأة"، لأن الأكبر سناً يحببن أيضاً أن يرين أنفسهن على الشاشة. (*) تمرّ هذا الشهر الذكرى السنوية الأولى لرحيل الناشطة الكويرية المنتحرة.