10 آلاف ينتظرون العودة في 18 بلدة وقرية | ساحل الزهراني: قرى تحتضن قرى
لم تعد بلدات ساحل الزهراني مجرّد محطّات عبور للنازحين من القرى الجنوبية الحدودية، بل تحوّلت إلى أماكن إقامة قد تطول، بعدما باتت العودة إلى عشرات القرى المحتلّة أو المُدمّرة بعيدة المنال. هنا، يحاول النازحون استئناف حياتهم بما تيسّر، فيفتح بعضهم محالَّ تجارية تحمل أسماء قراهم، ويبحث آخرون عن عمل أو مسكن، فيما تستضيف بلدات المنطقة عائلات ومؤسسات تعليمية، وحتى موتى تعذّر دفنهم في مساقط رؤوسهم
نحو 10 آلاف نازح ونازحة يقيمون اليوم في 18 بلدة وقرية في ساحل الزهراني، التابع إدارياً لقضاء صيدا. وقد ارتفعت أعداد الوافدين إلى منطقة صيدا – الزهراني خلال الأشهر التي أعقبت توقّف العدوان الواسع، بعدما غادر كثيرون منهم مناطق نزوحهم البعيدة، بحثاً عن أماكن أقرب إلى قراهم التي يتعذّر الرجوع إليها. وساهم في استقطابهم موقع المنطقة على مقربة من الأوتوستراد الساحلي، وانخفاض بدلات الإيجار فيها مقارنةً بالمدن وضواحيها، فضلاً عن الروابط الاجتماعية التي تجمع أبناء القرى الجنوبية بأهالي المنطقة، ممن اعتادوا استقبال النازحين في محطّات سابقة من تاريخ الجنوب.
في الصرفند، إحدى أبرز البلدات المُستضيفة للنازحين، لم يعد محمد السيّد يحتمل مزيداً من الانتظار. فبعدما خسر منزله ومصدر رزقه، قرّر أخيراً، مع ابنه، افتتاح صالة كبيرة لبيع الأحذية على طريق الصرفند – العاقبية، حملت اسم مؤسّسته المعروفة في بنت جبيل قبل الحرب، مع إضافة اسم المدينة للدلالة على هويّة المؤسّسة «النازحة». يقول السيّد: «راحت بيوتنا ومصالحنا، وخسرنا كل شيء. أعرف أنّ افتتاح مشروع في مثل هذه الظروف غير المستقرّة مغامرة، بس بدها نفس طويل القصّة».
وليس مشروع السيّد حالة منفردة. ففي بلدة إرزاي المجاورة، يلفت الانتباه اسم «عيتا الشعب» على لافتة محلّ لبيع الفلافل. وعلى غراره، تنتشر في المنطقة محالّ تجارية افتتحها نازحون، وأطلقوا عليها أسماء قراهم وبلداتهم الجنوبية التي لا تبدو العودة إليها ممكنة في المدى المنظور. هكذا، تنتقل أسماء القرى المُهجّرة إلى واجهات المحالّ، فيما يحاول أصحابها تعويض بعض ما خسروه، وتأمين مصادر رزق جديدة في أماكن نزوحهم.
لكنّ استقرار مزيد من العائلات في المنطقة بدأ يترك أثره على البلدات التي تضيق بالوافدين إليها. «كل الشقق فوّلت بالصرفند»، يقول متابعون، في إشارة إلى ارتفاع الطلب على الشقق السكنية، إلى حدّ أنّ إداريّي نادي الرسالة للكرة الطائرة واجهوا صعوبة في العثور على شقّة لإقامة لاعبَيْن أجنبيَّيْن استقدمهما النادي أخيراً. وفي الأيام الماضية، بدأت البلدية تنفيذ خطّة لاستحداث طرقات جديدة، كي «تتنفّس الصرفند» التي بات يقطنها نحو 45 ألف نسمة، بين أبناء البلدة والمقيمين فيها. وبحسب أرقام المجلس البلدي، تستضيف البلدة نحو 800 عائلة نازحة، تضمّ قرابة 3600 شخص من مناطق جنوبية مختلفة، ما يجعلها في المرتبة الأولى بين بلدات ساحل الزهراني من حيث عدد النازحين.
وللصرفند تاريخ طويل في استقبال أبناء القرى الحدودية، يستعيده رئيس بلديتها علي حيدر خليفة، مشيراً إلى أنّ البلدة «احتضنت آلافاً منهم منذ سنوات طويلة». ويذكّر بمبادرة «عيلة بتسند عيلة» التي أطلقها خلال الحرب الأخيرة لاحتضان النازحين من البلدات المجاورة، لافتاً إلى أنّ بعض الأهالي، لدى مغادرتهم البلدة، كانوا يتركون مفاتيح منازلهم لدى المعنيّين لإيواء عائلات نازحة فيها.
ويرى خليفة أنّ موقع الصرفند الساحلي، وتوافر الخدمات والمؤسّسات التجارية فيها، فضلاً عن البحر بوصفه مورداً اقتصادياً، عوامل جعلتها وجهة رئيسية للنازحين خلال الأشهر الأخيرة. وإلى جانب تأمين المأوى، تحاول البلدية مساعدة الوافدين على إيجاد مصادر رزق، فأصدرت تعميماً يدعو إلى مراعاة أوضاعهم وإعطائهم فرص عمل قدر المستطاع، فيما تمكّن بعضهم من تأسيس مشاريع صغيرة.
كذلك يشارك المجتمع المحلّي بمختلف أطيافه في جهود التخفيف من أعباء النزوح. ومن أبرز المبادرات «المشروع الخيري في الصرفند»، بإشراف إمام البلدة الشيخ عبد الأمير خليفة، الذي خصّص جانباً كبيراً من نشاطه التطوّعي لدعم النازحين، عبر تقديم مساعدات إغاثية وصحية ولوجستية، ضمن مشروع يُعنى أساساً بمواجهة العوز في المجتمع ورعاية كبار السنّ.
ضيوف الخرايب… أحياءً وأمواتاً
وإذا كانت الصرفند تحتضن النازحين الباحثين عن مسكن وعمل، فإنّ الخرايب المجاورة باتت تحتضن أيضاً من لم يُكتب لهم أن يعودوا إلى قراهم أحياءً أو أن يُدفنوا فيها بعد الموت.
لم يُمهِل القدر حسن قشاقش ليحقّق أمنيته الأخيرة بأن يُدفن في مسقط رأسه، بلدة حانين الحدودية (بنت جبيل). ففي الأسبوع الماضي، وُوري الثمانيني الثرى في بلدة الخرايب (صيدا)، التي احتضنته نازحاً للمرة الأولى بعد تدمير قريته عام 1976، قبل أن يعود إلى حانين إثر تحرير الجنوب عام 2000. لكنّ الحرب الأخيرة أعادته إلى الخرايب، نازحاً للمرة الثانية والأخيرة.
وعلى مقربة من قبر «أبو محمد»، يرقد نازح آخر من مدينة بنت جبيل، هو سعد ياسين سعد، الذي دُفن أخيراً في جبانة البلدة. ومن بين آخر ما شاهده قبل وفاته في أيلول الماضي، صورة جوية لمدينته تُظهِر مَحْو «إسرائيل» معظم معالمها، بما فيها مقبرة البلدة. رحل سعد، لكنّ كلمة «وديعة» المنقوشة على شاهد قبره بقيت شاهداً على عودة مؤجّلة إلى تراب بلدته، شأنه شأن نازحين آخرين أودعوا قبوراً بعيدة عن قراهم، بانتظار أن يعودوا إليها، ولو بعد الموت.
تستضيف الصرفند وحدها نحو 800 عائلة نازحة تضمّ نحو 3600 شخص من مناطق جنوبية مختلفة
أمّا الأحياء، فيواصلون تدبير شؤون حياتهم على أمل ألّا يطول انتظار العودة. ففي الخرايب، يقيم نحو 1200 نازح ونازحة، يعتمدون على ما يتيسّر من أعمال بسيطة أو «هامشية»، إن توافرت، ومساعدات إغاثية محدودة، بانتظار «الفرج الذي لا بدّ آتٍ»، كما يردّد أبناء القرى المهجّرة.
وقبل نحو شهرين، وصل «أبو أحمد» وأفراد عائلته إلى الخرايب، قادمين من سبلين (إقليم الخروب)، حيث لجأوا خلال الحرب الأخيرة بعدما دمّر العدو بلدتهم عيترون. وعلى مقربة منهم، تقيم عائلات أخرى من عيترون وعيناثا وكونين وشوكين وعيتا الشعب والمنصوري وغيرها من القرى الجنوبية، وصلت إلى الخرايب على مراحل مختلفة.
وبين هؤلاء زينب المقداد، ابنة بلدة القنطرة (مرجعيون)، التي تستضيفها إحدى عائلات الخرايب منذ عام 2024. لا تزال المقداد تُعِدّ المونة كما اعتادت أن تفعل في قريتها، وتشارك هذا العام في قطاف الزيتون، لتبقى، كما تقول، «قريبة من رائحة الأرض».
وليست الخرايب استثناءً من سائر قرى القضاء التي تستضيف نازحين، إلّا أنّ توافر الشقق السكنية وموقعها الجغرافي شجّعا مزيداً من العائلات على الانتقال إليها خلال الأشهر الأخيرة.
ابن حولا يعود إلى الزرارية نازحاً
وكما أعادت الحرب عائلات إلى بلدات سبق أن لجأت إليها في محطّات نزوح سابقة، أعادت آخرين إلى أماكن ارتبطوا بها يوماً بالعمل والذكريات. ومن هؤلاء طارق مزرعاني، الذي دار الزمن نحو ربع قرن ليعيده إلى الزرارية، نازحاً هذه المرّة، لا أستاذاً لمادّة الفلسفة والحضارات التي درّسها في ثانويتها الرسمية لثلاث سنوات، بين عامَي 1999 و2002.
في منزل وسط البلدة، يقيم مزرعاني في ضيافة أحد أبنائها، بعد رحلة نزوح طويلة تنقّل خلالها بين ستّ بلدات ومدن وتسعة منازل في السنوات الثلاث الماضية. لا يُخفي الرجل حالة انعدام الاستقرار التي تعيشها عائلته، شأنها شأن كثير من النازحين والمقيمين، لكنّه يأمل أن تكون الزرارية محطّته الأخيرة قبل العودة المؤجّلة إلى بلدته حولا. ورغم أنّ ظروف النزوح لا تترك له ترف اختيار الزمان والمكان، يتحدّث عن مزايا الزرارية التي «كان لازم إجي عليها من الأوّل»، لما تربطه بها من ذكريات وعلاقات صداقة ومعرفة. ويشير إلى ما تتميّز به البلدة من «تنوّع سياسي وحراك ثقافي، فضلاً عن موقعها الجغرافي في نقطة تتوسّط أقضية صيدا وصور والنبطية».
ولم يكن مزرعاني بعيداً عن قضايا النازحين والقرى الحدودية طوال رحلة تهجيره. ففي السنوات الثلاث الماضية، برز اسمه منسّقاً لـ«تجمّع أبناء البلدات الجنوبية الحدودية»، وتعرّض لتهديدات إسرائيلية لم تثنه عن مواصلة رفع الصوت دفاعاً عن أبناء القرى التي مُحيت معالمها. وقبل ذلك، أمضى مزرعاني، المتخصّص في الهندسة المعمارية، سنوات طويلة في العمل الاجتماعي والثقافي، وأسّس بعد تحرير الجنوب «متحف حولا» لحفظ التراث القروي. لكنّ ما بناه وجمعه على مدى سنوات لم ينجُ من الدمار. يقول بحسرة: «راح كل شي. المتحف والبيوت والمكتبة اللي جمعت فيها خمسة آلاف كتاب. ما بقي معي غير أرشيف فيه مجموعة صور ووثائق».
الجامعة تنزح إلى تفاحتا
النزوح إلى بلدات ساحل الزهراني شمل المؤسسات التعليمية التي اضطرت إلى البحث عن مقارّ بديلة لمواصلة عملها. ففي تفاحتا، استقبلت البلدة كلية العلوم – الفرع الخامس في الجامعة اللبنانية، بعدما تقرّر نقلها مؤقّتاً من مبناها الأساسي في حيّ الجامعات في النبطية.
ومع انتقال الكلية، ستضطر رؤى قانصوه هذا العام إلى تغيير مسار رحلتها اليومية إلى الجامعة، فتسلك طريق الدوير – الشرقية – كوثرية السيّاد، وصولاً إلى تفاحتا.
بالنسبة إلى طالبة الدراسات العليا في اختصاص علم الأحياء، شكّل الانتقال تغييراً ملحوظاً في حياتها الجامعية. تقول: «اعتدنا المكان القديم بقاعاته ومحيطه وذكرياته الجميلة، فضلاً عن أنّ المكان الجديد أضيق نسبياً». لكنّها ترى، في المقابل، أنّ «المقرّ البديل أكثر أماناً، ما يمنحنا شعوراً أكبر بالطمأنينة».
ويؤكّد مدير الكلية، الدكتور وسيم عبد الله، أنّ الانتقال المؤقّت «كان خطوة ضرورية في حينها، إذ كان لا بدّ من اتخاذ القرار قبل انطلاق العام الجامعي، حتى لو شهد الوضع الأمني تحسّناً نسبياً». ويوضح عبد الله أنّ المبنى الجديد في تفاحتا كان مُخصّصاً أساساً ليكون ثانوية رسمية، وقد وضعته البلدية بتصرّف الكلية مجاناً، فيما تولّى مجلس الجنوب أعمال صيانته وتجهيزه. ويشير إلى أنّ عدد الطلاب المُسجّلين إدارياً بلغ 900 طالب وطالبة، وهو «رقم مقبول في ظلّ الظروف الراهنة».
خارطة النزوح في قرى ساحل الزهراني
لا يزال نحو 800 نازح يقيمون في ثلاثة مراكز إيواء ضمن نطاق اتحاد بلديات ساحل الزهراني، يتوزّعون بين «أوتيل مونتانا» على طريق مصيلح، الذي يستضيف 630 نازحاً، ومركز إيواء في النجارية يضمّ 23 عائلة، فيما لم يتبقَّ في متوسّطة المروانية المختلطة سوى ثلاث عائلات.
وبينما يواصل الاتحاد تقديم المساعدات الإغاثية الأساسية في المراكز التي يشرف عليها، يعمل على استحداث مركز إيواء جديد في بلدة الغسّانية لنقل جزء من النازحين المقيمين في صيدا إليه.
ويقول رئيس اتحاد بلديات ساحل الزهراني، علي مطر، لـ«الأخبار»، إنّ الاتحاد يسعى، بالتنسيق مع الجمعيات والمنظمات الإنسانية، إلى التخفيف قدر الإمكان من أعباء النزوح، ولا سيّما أنّ «الأزمة مرشّحة للاستمرار مع بقاء الاحتلال في عشرات القرى والبلدات الحدودية». ويلفت إلى أنّ «تجربة احتضان النازحين من أهل الجنوب في هذه المنطقة ليست الأولى من نوعها، لكنّها الأصعب».
وتستضيف بلدات الصرفند والخرايب والنجارية والمروانية والزرارية والبيسارية وأنصارية وكوثرية السيّاد النسبة الكبرى من النازحين، الذين يُقدّر عددهم بنحو 10 آلاف شخص، يتوزّعون على 18 بلدة وقرية وثلاثة مراكز إيواء في ساحل الزهراني. وفي ظلّ تراجع المساعدات الإغاثية، تركّز المجالس البلدية جهودها على ضبط بدلات إيجار الشقق السكنية، وإعفاء النازحين من الرسوم، والسعي إلى تأمين فرص عمل لهم، بالتعاون مع جمعيات أهلية ومنظّمات غير حكومية.
التعليقات
لارسال تعليق يرجى تعبئة الحقول الإلزامية التالية


