لم يكن مقالي السابق "بويز يروي" مجرد استذكار، بل أحدث ما يشبه "تسونامي" من النقاشات التي استعادت وهج الذاكرة الوطنية، وهو ما يدفعني لاستكمال هذا السرد مستقبلاً.
لكنني اليوم، وفي ذكرى مرور 34 عاماً على رحيل الرئيس سليمان فرنجية، أجد لزاماً عليّ إنصاف هذا الرجل الذي ظلمه التاريخ والسياسة معاً.
لم يُظلم فرنجية فقط بسبب عفويته وصراحته التي لم تسعفه لغوياً في التعبير عن عمق مواقفه الاستراتيجية، بل بسبب الهجوم الضاري الذي شنه ما كان يُعرف بـ "اليمين المسيحي" عليه، وتحميله منفرداً وزر دخول السوريين إلى لبنان.
في منتصف التسعينيات، أتيحت لي الفرصة لنقاش هذه المحطات مع نخبة من السياسيين المسيحيين، حيث استعدنا مرارة حقبة الوصاية السورية التي دفع لبنان أثمانها من سيادته ونسيجه؛ فالسوريون لم يكونوا مجرد جيش منتشر، بل تغلغلوا في مفاصل الحياة اللبنانية حتى باتوا شركاء في أكثر من 60% من المؤسسات والشركات، ناهيك عن القبضة الأمنية والسياسية المطلقة. وفي خضم ذلك النقاش، قال أحد الحاضرين جملة لا تُنسى: "إن الذي دافع عن الوجود المسيحي فعلياً هو موقف صلب اتخذه فرنجية في وجه المخطط الأمريكي".
لقد أدرك فرنجية مبكراً أن العرض الأمريكي الذي حمله المبعوث "دين براون" لم يكن يهدف لتأمين الاستقرار، بل لتفريغ لبنان من مسيحييه عبر تسهيل هجرتهم لتوطين الفلسطينيين وإنهاء النزاع الإقليمي على حساب الهوية اللبنانية. وحين حاول الأمريكيون الضغط، جاء رد فرنجية صادقاً ومزلزلاً: "إن قادة الجبهة اللبنانية لا يرسلون أبناء الناس للموت ويهربون بعائلاتهم، بل إن أولادنا في خطوط المواجهة الأمامية للدفاع عن وجودهم". هذه الصرخة السيادية هي التي قلبت المعادلة وأفهمت واشنطن أن المسيحيين هم العقبة الاساسية أمام مشروع "الوطن البديل".
إن التدقيق في أحداث عام 1976 يكشف أن الوصاية السورية لم تكن نتيجة دعوة شخصية من فرنجية والمارونية، بل كانت مخططاً أمريكياً كبيراً وُضعت شروطه مع وصول حافظ الأسد إلى السلطة بضوء أخضر دولي؛ حيث أُنيطت به مهمة الدخول إلى لبنان والقضاء على نفوذ منظمة التحرير الفلسطينية، وهي المهمة التي نفذها الاسد 1982. هذا المخطط يتقاطع تماماً مع ما يُرسم اليوم من مسارات إقليمية جديدة، كتلك التي يطالب ترامب فيها وعلنا وهي تدخل الرئيس احمد الشرع في لبنان للقضاء على حزب الله.
لقد تحرك الزعماء الموارنة نحو دمشق آنذاك من باب "فن الممكن" السياسي، لا طلباً لدخول السوري كما يُشاع اليوم، بل لأنهم أدركوا عجزهم عن إلغاء القرار الأمريكي الدولي، فحاولوا وضع ضوابط وشروط لدخولٍ كان الأمريكيون قد قرروه سلفاً. وهو حراك يشبه في جوهره محاولات وليد جنبلاط اليوم لخلق ضمانات تحمي ما تبقى من التوازنات الوطنية عبر تواصله مع دمشق.
ومع ذلك، نجحت الماكنة الإعلامية لبعض "اليمين الماروني" حينها في غسل الأدمغة، وتصوير فرنجية كأنه هو من استدعى "الغريب"، تماماً كما يحاول اليوم بعض "اليسار" إقناع أتباعه بأن رجالات كشارل مالك أو بشارة الخوري كانوا أدوات للخارج. والحقيقة أن الخوري كان "فرانسيسكياً" (محباً للثقافة الفرنسية) وليس عميلاً لـ "فيشي"، بل كان وطنياً استثنائياً وجد في ضعف حكومة فيشي فرصة لانتزاع الاستقلال، ودفع ثمن صلابته اعتقالاً في قلاع "راشيا" بقرار من ديغول "الإمبراطوري" الذي رفض التخلي عن الانتداب.
إن إنصاف الرئيس سليمان فرنجية يأتي اليوم من قلب خطاب حليفه وخصمه لاحقاً الرئيس بشير الجميل، الذي كشف في كلماته الشهيرة خيوط المؤامرة الدولية لزوال لبنان، وهو الخطاب الذي يعتقد الكثيرون أن اغتياله كان ضريبةً لكشفه هذه الأوراق، حين قال بوضوح:
"إذا أميركا بدها رئيس جمهورية بلبنان تيقدر يمرّق لها مصالحها وخططها على حساب 'الدامور'؛ بإعطاء الدامور للفلسطينيين لقاء فلسطين المحتلة، وبإعطاء البقاع لسوريا لقاء الجولان.. يروحوا يعملوه رئيس لولاياتن المتحدة، ويعطي شقف من أميركا للسوري أو للفلسطيني، بس هيدا ما بكون رئيس جمهورية لبنان. وإذا سوريا، (خيو)، بدها رئيس جمهورية بلبنان تيكون رئيس لإلها وتيكون (بابراك كارمال) إلها.. بيقدروا يعيّنوه بالشام، بس مش مجلس النيابة اللبناني، وهيدا ما بكون رئيس جمهورية لبنان".
خلاصة فكرية سياسية:
إن الزمن، ببرودته ودقته، هو الغربال الوحيد الذي يسقط الأكاذيب ويستبقي الحقائق. لقد أثبتت الأيام أن سليمان فرنجية لم يكن يبحث عن سلطة تحت عباءة الخارج، بل كان يحاول حماية "بيت" ينهار وسط زلزال دولي. إن اتهام فرنجية بـ "الخيانة السيادية" كان أكبر عملية تضليل إعلامي في تاريخ الحرب اللبنانية، إذ كشفت الوثائق أن الرجل كان يقاوم مشروعاً لـ "ترانسفير" مسيحي شامل.
خلاصة القول إن التاريخ لا يُكتب بمداد العواطف اللحظية؛ فبعد عقود من الصراع، نكتشف أن ما رفضه فرنجية وبشير بالأمس تحاول واشنطن تطبيقه اليوم بصور مغايرة. وإذا كان القرار الأمريكي قد عجز بالأمس عن تهجير المسيحيين لتوطين الفلسطينيين، فإنه يحاول اليوم استهداف المكون الشيعي بالتهجير، تمهيداً لإفراغ الوطن من أهله تباعاً، لتتحقق بذلك أسوأ مخاوف الرئيس بشير الجميل.
المطلوب اليوم هو "وحدة وطنية" حقيقية تتجاوز الحسابات الضيقة، قبل أن يصبح لبنان مجرد ذكرى حزينة في كتب التاريخ كبقية الأمم العابرة.