منذ أن بدأت المواجهة الحربية المشتعلة بين الولايات المتحدة الأميركية وإيران، ووتيرتها آخذة في الارتفاع يوماً بعد يوم، إلى مديات أعلى من التوتر والتصعيد، وخريطة الاستهدافات تتوسّع أكثر فأكثر، فيما الديبلوماسية غارقة، أو بمعنى أدق، أُغرِقت في مضيق هرمز، وما لا يرقى إليه الشك مع هذا الاشتعال، هو أنّ لا سقف زمنياً لانكفاء الوسطاء عن الصورة، فالمواجهات تزداد عنفاً، ونبرة التهديدات تنفخ في النار، وتوحي وكأنّ هذه الجبهة مقبلة على منحدرات أكثر حدّة وخطورة، تهدِّد المنطقة برمّتها بتداعيات وارتدادات مجهولة واحتمالات صعبة.
واقعٌ مجهول
الأميركيّون يضربون إيران، ويتحدّثون عن ضربات متواصلة عليها لردعها إلى حدّ الإضعاف والإخضاع لها وحملها على توقيع اتفاق يرفع خطرها بالكامل عن المنطقة ويمنعها من التسيُّد عليها وتهديد دولها. والإيرانيّون في المقابل يتوعّدون بالردع الموازي، وكسر الهدف الأميركي، واستهدافاتهم تطال دول الخليج ويهدِّدون بتوسيع نطاق الاستهداف وشموليّته. وأمّا بين هذَين المسارَين المتواجهَين، فيتبدّى أفق مقفل، تنعدم فيه الرؤية الواضحة للأسباب الحقيقية لهذا الاشتعال ومداه الجغرافي، وخط النهاية لهذه المواجهة، وكيف ستنتهي؟ ومتى ستنتهي؟ والواقع الذي سينتج عنها؟
تقديرات وتهيّؤات
نظرياً، تبدو الأمور مفتوحة، وتعزّز ذلك تقديرات لبعض القارئين في فناجين السياسة والتحليل، توصّف المواجهة الحالية بـ»حرب ثالثة» بعد الحرب الأولى في حزيران 2025 (حرب الـ12 يوماً) التي أسسّت للحرب الثانية في شباط 2026، وانتهت إلى توقيع «مذكرة تفاهم قصير المدى بين واشنطن وطهران. والآن، «الحرب الثالثة» التي تجاوزت مذكّرة التفاهم، لا تزال في بداياتها، وواشنطن تربط إنهاءها بإرغام إيران على توقيع اتفاق على أنقاض مذكّرة التفاهم، يكون جيّداً أميركياً وجوهره: تحجيم إيران، بلا نووي وبلا باليستي، وحتى بلا أذرع، بما يجعل العالم أكثر أماناً على حدّ تعبير الرئيس الأميركي دونالد ترامب، الذي ينبغي أن يؤخذ كلامه هذه المرّة تجاه إيران على محمل الجدّ والفعل.
في موازاة ذلك، ما يمكن وصفها بـ«تهيّؤات» على لسان بعض المحلّلين المهلّلين لإيران، تلاقي مبالغات المتشدّدين في طهران، بأنّ إيران لم تُظهر حتى الآن كل ما تملكه من قدرات، ومستعدة لحرب طويلة الأمد، وستخرج منها منتصرة، وأميركا خارج المنطقة بعد هذه الحرب. وتبعاً لذلك لن تقبل إيران بأقل من اتفاقات أو تفاهمات بشروطها.
حبال التفكير مقطوعة!
وأمّا على الضفة المقابلة، فيبرز كلام آخر، فعندما يُسأل مسؤول رفيع عن رأيه في التقديرات المتناقضة التي تذهب إلى المدى الأبعد في التحليل ورسم سيناريوهات الحسم في هذا الجانب أو ذاك، يعتبرها «غوغائيات ومبالغات هوجاء لا يُقصَد منها سوى التخويف وإثارة الرعب، بما يؤكّد أنّ المخيِّلات التي تضخّها تعاني انعدام الرؤية وانفصالاً عن الواقع، وانقطاعاً لحبال التفكير والتقدير السليم».
ويكشف المسؤول الرفيع عينه لـ«الجمهورية»، عن «تقرير غربي» انتهى إلى «تقدير موقف» يقول إنّه يتسم بالواقعية والموضوعية، يناقض رأي المنتصرين للولايات المتحدة والمنتصرين لإيران، وخلاصته:
أولاً، كلّ أطراف الصراع متيقنون بأنّ قدرة الحسم منعدمة في الحرب الأميركية – الإيرانية. وثمة على مسرح الحرب تجربتان حربيّتان واسعتان وقاسيتان تؤكّدان ذلك بشكل قاطع. بالإضافة إلى الكلام الأخير في هذا السياق لنائب الرئيس الأميركي جي دي فانس.
ثانياً، إنّ المواجهة الحالية بين الأميركيّين والإيرانيّين، لا تعدو أكثر من مواجهة محسوبة ومدروسة، ومضبوطة بمانع تدحرجها إلى حرب أوسع. ذلك أنّ حرب الـ60 يوماً أحدثت أزمة عالمية خانقة، وتبعاً لذلك، لا يحتمل أيّ من أطراف الصراع تكرار هذه الأزمة التي قد تكون مع الحرب الواسعة إنْ تجدّدت، أكثر اتساعاً وشمولية، وتؤدّي إلى اختناقات وانهيارات مرعبة في مجالات الطاقة والاقتصاد والمال. مع الإشارة هنا إلى أنّ تأثيرات المواجهة الحالية بدأت تظهر، ووصل سعر غالون البنزين في الولايات المتحدة إلى 4 دولارات.
ثالثاً، لا يختلف اثنان على أنّ المواجهة الآنية في أسبابها الحقيقية، كأنّها تحاكي الانتخابات النصفية في الولايات المتحدة في تشرين الثاني (بعد 4 أشهر)، من خلال محاولة واضحة من قبل إدارة الرئيس ترامب، لتحقيق إنجاز قابل للاستثمار في هذه الانتخابات. ولاسيما لجهة فتح مضيق هرمز كهدف أساس في هذه المرحلة. لكن مع حجم وطبيعة المواجهات المتبادلة، لا أحد يضمن نتائجها.
رابعاً، المؤكّد، ربطاً بالتطوُّرات العسكرية والحربية السابقة والآنية، أنّ لا انتصاراً حاسماً لطرف بعينه، كما لا هزيمة كاملة لطرف بعينه، ومن هنا فإنّ المواجهة الحالية موقتة، وتعجيل وقفها مرهون بجهود الوسطاء.
خامساً، ما زال في «مذكّرة التفاهم» المعقودة بين واشنطن وطهران مجالاً للعودة إليها إمّا بصيغتها الراهنة، أو بصيغة تعادِلها أو متطوّرة عنها بعض الشيء.
في هذا السياق، يوضح المسؤول الرفيع: «سمعتُ مَن يقول إنّ الوسطاء باتوا عاطلين من العمل على الخطَين، ويتشاركون الحسرة على ما صرفوه من وقت مهدور، وصولات وجولات وجهد مضنٍ لاستيلاد «مذكرة التفاهم» بين الجانبَين، التي أحرقتها النيران المتبادلة. لكن ما يجري في الكواليس يخالف كل ذلك، إذ تفيد معطيات أكيدة بأنّ الوسيط الباكستاني لم يوقف جهوده مع الجانبَين الأميركي والإيراني. ومن المحتمل أن تتبلور مخارج وحلول في غضون أسبوع أو أسبوعَين. يعني وقف المواجهة يمكن القول إنّه في عهدة الوسطاء.
انتظار التنفيذ
على الصعيد الداخلي، فإنّ الشاغل الأساس للمستويات الرسمية هو دخول مندرجات «صيغة الإطار» الموقّعة بين لبنان وإسرائيل حيّز التنفيذ، ولاسيما ما اتُفِق عليه في الجولة الأخيرة من المفاوضات المباشرة التي عُقِدت برعاية أميركية في روما.
وعلى رغم من التأكيدات التي قُطعت في روما حول بدء إسرائيل بالانسحاب من المناطق التجريبية، إلّا أنّ هذا الانسحاب لم يُرَ بعد بالعين المجرّدة، من دون أن تُعرَف الأسباب التي تؤخّر ذلك، علماً أنّ اجتماعاً كان مقرّراً عقده في الساعات الأخيرة وأُرجئ من دون تحديد موعد جديد له، بذريعة استكمال إعداد الملفات التقنية والخطط والإجراءات التنتفيذية.
وأكّد مصدر سياسي لـ«الجمهورية»، أنّ «التأجيل إسرائيلي المصدر، وقطعاً ليس ما يبرّره على الإطلاق، ومن هنا الخشية عودة إسرائيل إلى استئناف لعبة المماطلة وتعقيد المرحلة الأولى من الانسحاب».
وأبدى المصدر الحذر من مزامنة إسرائيل لموعد بدء الخطوات التنفيذية في المناطق التجريبية، مع خطوات مقلقة على الأرض، وتجلّت أخيراً في ما أعلن عنه الجيش الإسرائيلي عن رسم خطوط نهائية للمواقع التي يحتلّها في الجنوب اللبناني، بالتوازي مع التأكيدات اليومية لوزير الدفاع الإسرائيلي بعدم الانسحاب من جنوب لبنان ولا عودة لأبناء الجنوب إلى قراهم، وأيضاً ما نشره الإعلام العبري نقلاً عن مسؤول إسرائيلي، بأنّ الجيش الإسرائيلي سيبقى في جنوب لبنان خلال السنوات المقبلة.
ولفت المصدر عينه، إلى أنّ هذه الإجراءات الإسرائيلية المنطوية على مماطلة أكيدة، تُعدّ عاملاً معرقلاً أو معطِّلاً لصيغة الإطار، وأضاف: «يجب أن نتوقع كل شيء من إسرائيل، إلّا أنّ رهاننا يبقى على الولايات المتحدة الراعية لصيغة الإطار، واستجابتها لمطلب لبنان باتخاذ موقف أكثر تشدُّداً من إسرائيل، لحملها على تنفيذ ما اتُفِق عليه في صيغة الإطار، بما يحقق الانسحاب الإسرائيلي الكامل من الجنوب. وهذا الموضوع يُنتظر أن يعرضه رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون بكل تفاصيله، في لقائه المقرّر بعد أيام قليلة في البيت الأبيض مع الرئيس الأميركي دونالد ترامب.
وكانت المنطقة الجنوبية، قد عاشت أجواء توتر جراء الإعتداءات الإسرائيلية المتواصلة عليها، وتركّزت في الساعات الأخيرة بسلسلة غارات جوية، بالتوازي مع عمليات التجريف والتفجير للمنازل، ولاسيما في بنت جبيل. فيما لوحِظت في جانب آخر كثافة الدوريات لوحدات من الجيش اللبناني، في بلدات فرون ونقاط مراقبة في الغندورية، قلاويه، برج قلاويه، كفردونين (قضاء بنت جبيل)، قعقعية الجسر (النبطية)، وصريفا (قضاء صور).
طرح ألماني
وفي تطوُّر بارز مرتبط بالجنوب، اقترح وزير الخارجية الألماني يوهان فاديفول، إرسال بعثة تابعة للاتحاد الأوروبي لتحلّ محل (اليونيفيل) بعد انتهاء ولايتها. ودعا عبر صحف شبكة «دويتشلاند» الألمانية، إلى «بحث تفويض أوروبي يمنع حدوث فراغ أمني عقب انتهاء مهمّة اليونيفيل»، معتبراً أنّ ذلك قد يهيّئ الظروف لانسحاب الجيش الإسرائيلي من دون عودة «حزب الله» إلى المناطق الحدودية. ولفت إلى «أنّ استقرار الحكومة اللبنانية يمثل فرصة ينبغي دعمها. إنّ الاتحاد الأوروبي مطالب بلعب دور أكبر للحفاظ على المسار الأمني والسياسي في البلاد».
يتزامن الطرح الألماني مع تقرير نشره موقع «واي نت» الإسرائيلي، كشف عن مناقشات جارية تتضمّن ما وصفت بـ«المبادرة الإيطالية»، التي تقضي بنشر قوات إيطالية في جنوب لبنان، لتتولّى الإشراف على نزع السلاح ومنع عودة عناصر «حزب الله» إلى المنطقة، بدلاً من قوات «اليونيفيل».
لبنان وسوريا
على المقلب السوري، لوحظت في الآونة الأخيرة حراكات مكثفة على الخط السوري- اللبناني، وسط تأكيدات مشتركة لبنانية وسورية على تطوير العلاقات الثنائية في المجالات كافة بين البلدَين، ولاسيما على المستوى الاقتصادي والتبادل التجاري، بالإضافة إلى إعادة النظر في الاتفاقيات المعقودة سابقاً بين البلدَين وتطوير ما يجب أن يُطوَّر من بينها.
على أنّ البارز على الخط اللبناني- السوري، المخاوف التي تتعاظم من تطوُّرات أمنية سورية تجاه لبنان، وتأكيدات يطلقها بعض المنظّرين للصراعات والتوترات، وما يفاقم تلك المخاوف تكرار الرئيس الأميركي دونالد ترامب تأكيده بدخول قوات الرئيس السوري أحمد الشرع إلى لبنان لمواجهة «حزب الله»، وإعلانه صراحة قبل فترة قصيرة، بأنّه تلقّى التزامات من الشرع حول «حزب الله»، ورفض الإفصاح عنها، علماً أنّ الرئيس ترامب عبّر أكثر من مرّة في الآونة الأخيرة عن رغبته في دور سوري مباشر في مواجهة «حزب الله».
وقد ذهبت بعض التحليلات إلى افتراض أنّ الشرع استجاب لرغبة ترامب، وقطع التزاماً بمواجهة الحزب، إلّا أنّ مصدراً سياسياً مسؤولاً أكّد لـ«الجمهورية» أنّه يستبعد ذلك بشكل قاطع، مضيفاً: «لا أرى أنّ سوريا في وارد الدخول في صراع في أي مكان، وخصوصاً على جبهة لبنان، وأحيلكم إلى زيارة وزير الخارجية السورية أسعد الشيباني إلى لبنان قبل أيام، وشكّلت في نظر سوريا ولبنان فاتحة لمسار إيجابي بين البلدَين، يؤمل أن تتلاحق مجرياته في المدى المنظور».
وأكّد مصدر رسمي سوري رداً على سؤال لـ«الجمهورية»: «إنّ نظرة سوريا إلى لبنان مناقضة تماماً لما كان عليه الحال في زمن الوصايات التي كان يتفنّن فيها النظام السابق وأزلامه، سواء في لبنان أو في سوريا. وعليه، فإنّ سوريا وكما أنّ أولويتها هي أمن سوريا واستقرارها وازدهارها، فيوازيها في المقابل، الحرص الذي يشدّد عليه المسؤولون السوريّون بقيادة الرئيس أحمد الشرع، على أمن واستقرار لبنان، والاستعداد الكامل للمساعدة في هذا المجال».
ولفت المصدر إلى «أنّ سوريا تقف إلى جانب الأشقاء في لبنان، ويهمّها علاقات سليمة تعود بالفائدة على البلدَين، وزيارة الوزير الشيباني إلى لبنان حملت تأكيد عزم سوريا الجديدة، ليس لناحية الانفتاح فقط على كلّ الأطراف في لبنان، وفي المقدّمة الدولة اللبنانية بكلّ مستوياتها، والتعاون معها في كل ما يخدم البلدَين والمصالح والروابط المشتركة بينهما، بل لناحية بذل كلّ جهد ممكن، سواء بصورة ثنائية أو مع الأصدقاء المشتركين الإقليميّين والدوليّين وفي كل المحافل، بما يعين لبنان على الخروج من أزمته، ويساهم في ترسيخ أمنه واستقراره وإخراجه من دائرة التوترات والتصعيد والصدام. فمصلحة لبنان تكمن بالدرجة الأولى في سيادة منطق الدولة الفاعلة، وأمن واستقرار لبنان مصلحة ليس للبنان وسوريا فحسب بل للجميع ولاسيما الأسرة العربية».