معادلات «إسرائيل» وإيران حول لبنان على الطاولة… وكريات شمونة… ونهاريا
عون لـ «سي ان ان»لإنهاء حال العداء بدلاً من اتفاق الهدنة الذي نص عليه الطائف
وطنية – كتبت صحيفة “البناء”: تهديد الرئيس الأميركي دونالد ترامب بالردّ على سقوط المروحية الأميركية من طراز أباتشي فوق مياه الخليج، وعودة صفارات الإنذار إلى كريات شمونة والجليل الأعلى بعد إعلان الجبهة الداخلية الإسرائيلية رصد إطلاقات من لبنان، والجدل اللبناني المتصاعد حول تصريحات رئيس الجمهورية بشأن الانسحاب الإسرائيلي و«إنهاء حال العداء» مع «إسرائيل”، بدت للوهلة الأولى أحداثاً متفرقة. لكن جمع الوقائع يكشف أنها تدور كلها حول سؤال واحد: هل انتهت الحرب فعلاً أم أن المنطقة تعيش هدنة مؤقتة فوق صراع لم يُحسَم بعد؟
البداية كانت مع حادثة الأباتشي التي تحوّلت سريعاً إلى قضية سياسية دولية، عندما سارع الرئيس الأميركي دونالد ترامب إلى اتهام إيران بالوقوف وراء إسقاط المروحية، معلناً أن الولايات المتحدة «ستردّ» على ما جرى. لكن في المقابل، لم تكن المؤسسة العسكرية الأميركية قد أنهت تحقيقاتها، ولم يصدر عنها ما يؤكد بصورة نهائية أن المروحية أُسقطت بنيران معادية. وبينما تحدثت تقارير عن احتمال الاستهداف، بقيت فرضيات أخرى مطروحة، من بينها الخلل العملياتي أو الاصطدام خلال مهمة اعتراض جويّ. أما إيران فتجنّبت تبني أي عملية من هذا النوع، فيما صدرت عنها مواقف تشدّد على مخاطر الوجود العسكري الأميركي في المنطقة من دون اعتراف مباشر بالمسؤولية عن الحادث، بل الميل لترجيح كونه مجرد حادث. وعاد الرئيس ترامب للتخفيف من خطورة الحادث والقول إنه ليس حدثاً جللاً طالما أن الطيارين بخير، لكن دون أن يتراجع عن قرار الردّ الذي أعلنت عنه القيادة المركزية الأميركية دون أن تكتمل أبعاده وحدوده ومعرفة كيف سوف تتعامل معه إيران.
وفي هذا السياق، اكتسبت كريات شمونة أهمية خاصة. فمع إعلان الجبهة الداخلية الإسرائيلية إطلاق صفارات الإنذار في المدينة وعدد من بلدات الجليل بعد رصد إطلاقات من لبنان، تحدّثت وسائل إعلام إسرائيلية عن متابعة الجيش للتفاصيل والتحقق من طبيعة الهجوم. ومجرد عودة كريات شمونة إلى دائرة الإنذارات يحمل دلالة سياسية وعسكرية تتجاوز الحدث نفسه؛ حيث يدور منذ أشهر صراع مفتوح حول قواعد الاشتباك الجديدة، بعدما أعلنت «إسرائيل»مراراً أن أي استهداف للشمال سيقابل باستهداف لبيروت والضاحية. وفي المقابل، أعلنت إيران ومحور المقاومة أن أي استهداف لبيروت سيؤدي إلى استهداف الشمال. وقد شهدت المنطقة خلال الأيام الماضية اختباراً نارياً لهذه المعادلات، حيث نفّذ كل طرف تهديداته، ولذلك فإن أي إنذار جديد في كريات شمونة أو أي غارة جديدة على الضاحية الجنوبية ليس مجرد حادث منفصل، بل جزء من معركة مستمرة لتحديد مَن يملك حق رسم قواعد الردع النهائية.
في خضم هذه التطورات، فتح الجدل اللبناني باباً آخر للنقاش. فقد أثارت تصريحات رئيس الجمهورية لصحيفة القدس العربي، حول عدم ملاءمة الظروف بعد لانسحاب إسرائيلي متوازٍ مع انسحاب عناصر حزب الله من جنوب الليطاني، ردود فعل واسعة. وتوقف منتقدو هذه التصريحات عند سؤال أساسي: كيف يصبح انسحاب قوات الاحتلال من أرض لبنانية مسألة مرتبطة بملاءمة الظروف، بينما يفترض أن يكون هدفاً وطنياً ثابتاً وغير مشروط؟
لكن الجدل الأكبر جاء من استخدام الرئيس عبارة «إنهاء حال العداء مع «إسرائيل”» في حواره مع قناة سي ان ان؛ لأن هذه العبارة تحمل في الوعي السياسي اللبناني حمولة تتجاوز بكثير مفهوم وقف إطلاق النار والعودة إلى اتفاق الهدنة تطبيقاً لاتفاق الطائف. فلبنان الذي عاش منذ عام 1949 في ظل اتفاق هدنة أنهى العمليات العسكرية من دون أن ينهي العداء، اعتبر اتفاق الهدنة أحد عناوين وركائز اتفاق الطائف في سياق التحذير من تكرار تجربة اتفاق 17 أيار 1983 الذي بدأ بعنوان إنهاء الحرب، لكنه تضمّن عملياً مساراً سياسياً وأمنياً واقتصادياً اعتُبر يومها مقدّمة لإنهاء العداء وفتح الطريق أمام أشكال مختلفة من التطبيع، بينما يذهب رئيس الجمهورية إلى إلغاء حال العداء كمرتبة أعلى من إلغاء حال الحرب في مسار السلام والتطبيع.
ولهذا يستدعي التوضيح أن الفرق بين إنهاء الحرب وإنهاء العداء ليس فرقاً لغوياً؛ فالأول يتعلق بوقف العمليات العسكرية، بينما الثاني يفتح نقاشاً حول إلغاء قوانين المقاطعة، وإنهاء تجريم الاتصال بـ”إسرائيل”، ومراقبة وملاحقة طبيعة الخطاب السياسي والإعلامي العدائي تجاهها، وفتح آفاق التطبيع أمام مستقبل العلاقة معها على المستويات الاقتصادية والثقافية والسياحية.
بين الأباتشي التي لم يُحسم سبب سقوطها بعد، وكريات شمونة التي عادت إليها صفارات الإنذار، والجدل اللبناني حول الانسحاب والعداء، تبدو صورة المنطقة أبعد ما تكون عن الاستقرار. الصراعات الكبرى التي فجّرتها الحرب الأخيرة لا تزال قائمة، معادلات الردع لم تُحسم، والخلاف حول مستقبل العلاقة مع «إسرائيل»عاد إلى صلب النقاش اللبناني. ولذلك يبدو أن ما يجري ليس مرحلة ما بعد الحرب، بل مرحلة اختبار جديدة في ظل وقف شكليّ هش لإطلاق النار، حيث يبقى الجمر مشتعلاً تحت الرماد بانتظار الجولة التي سترسم التوازنات النهائيّة في المنطقة.
كشفت الجولة الرابعة من المفاوضات المباشرة في واشنطن وما تبعها من حراك دبلوماسي قاده السفير الأميركي في لبنان، ميشال عيسى، عن حجم الضغوط والرهانات المرتبطة بالمبادرة الأميركية، ولا سيما ما يُعرف بمشروع «المناطق التجريبية» أو «Pilot Zones»، الذي يربط بين عودة الأهالي وانتشار الجيش اللبناني والانسحاب الإسرائيلي والتفكيك التدريجي للبنية العسكرية في الجنوب.
في المقابل، لا يزال الموقف الرسمي، وخصوصاً موقف رئيس مجلس النواب نبيه بري، يتمسك بأولوية التوصل إلى وقف إطلاق نار شامل وغير مشروط قبل الخوض في أي ترتيبات أمنية أو ميدانية أخرى. ويعكس هذا الموقف مخاوف لبنانية من أن تتحول الطروحات المطروحة إلى مسار تدريجي يفرض وقائع جديدة على الأرض، أو يمنح إسرائيل هامشاً واسعاً للتحرك العسكري تحت عناوين أمنية مختلفة.
وتزداد تعقيدات المشهد مع الحديث عن شروط إسرائيلية تتعلق بإبعاد عناصر من «حزب الله» عن جنوب الليطاني، ومنح «إسرائيل» حق الردّ المباشر على أي خرق محتمل، إضافة إلى تكريس معادلات ردع جديدة تستهدف الضاحية الجنوبية لبيروت. وهي شروط قوبلت برفض واضح من «الثنائي»، الذي يعتبر أن أي اتفاق يجب أن يحفظ السيادة اللبنانية ويمنع فرض إملاءات سياسية أو أمنية تحت ضغط الحرب.
وتشير المعلومات إلى أن الطرح الذي يحظى بقبول أوسع لدى الجانب اللبناني يقوم على اعتبار كامل منطقة جنوب الليطاني إطاراً للمناطق التجريبية، بدلاً من حصر التجربة في نطاق جغرافي ضيق أو اعتماد آلية تدريجية تبدأ من نقاط محددة وتفرض وقائع جديدة على الأرض.
وقال السفير الأميركي في لبنان ميشال عيسى، إن واشنطن تعلم أن رئيس مجلس النواب نبيه بري يتحدث باسم «حزب الله»، مضيفاً: «أوقات بيصرّح شي والحزب بيقول شي تاني، وبيرجعوا بيحكوا مع بعض وبيقرروا مين بيروح شمال ومين بيروح يمين». وأضاف عيسى أن الجانب الأميركي شرح لبري مبدأ «المناطق التجريبية» (Pilot Zone)، وسيقدّم له طرحاً مكتوباً يتضمن توضيحات حول النقاط المطروحة، مشيراً إلى أن بري أبلغه بأنه سيقبل بالمقترح بعد الاطلاع على هذه التوضيحات، قبل أن يضيف: «لكن بتعرفوا بري… كل يوم بيلاقيلك شغلة جديدة».
وأوضح عيسى أن آلية «المناطق التجريبية» تقوم على عودة الأهالي إلى قراهم، وامتناع «إسرائيل» عن القصف، فيما يتولى الجيش اللبناني تأمين الحماية، بالتوازي مع تنظيف المنطقة من السلاح، قبل الانتقال إلى منطقة أخرى وصولاً إلى «تنظيف» كامل الجنوب.
إلى ذلك أكد الرئيس جوزاف عون أن انسحاب «إسرائيل» يمكنّ لبنان من بسط سلطته على كامل أراضيه، وإنهاء المظاهر المسلحة، وسحب أي مبرر لبقاء سلاح خارج إطار السلطة الشرعية وقواها المسلحة. وشدد عون على أهمية اعتماد مقاربة سياسية وعسكرية واقتصادية واجتماعية لمسألة سحب سلاح «حزب الله»، بما يحافظ على الاستقرار السياسي والأمني والاجتماعي في البلاد.
واطّلع الرئيس جوزاف عون من رئيس الوفد المفاوض في واشنطن، السفير سيمون كرم، على أجواء الجلسة الأخيرة من المفاوضات مع الجانب الإسرائيلي في وزارة الخارجية الأميركية. كما جرى البحث في التحضيرات الجارية لانعقاد الجلسة المقبلة، المقررة في 22 من الشهر الحالي. كما زار كرم رئيس الحكومة نواف سلام حيث تم تقييم الجولة الرابعة من المفاوضات ونتائجها، والبحث في التحضير للجولة المقبلة في ضوء التطورات الراهنة، وضرورة تثبيت وقف إطلاق النار، والانطلاق إلى المناطق التجريبية وانتشار الجيش فيها وعودة الأهالي، في سياق تحقيق انسحاب «إسرائيل» إلى الحدود الدولية المعترف بها.
وأكد رئيس مجلس النواب نبيه بري، في تصريحات لمنصة «وايز»، أن موقفه يقوم على وقف إطلاق نار كامل وشامل براً وبحراً وجواً من دون قيد أو شرط، على أن يجري بعد ذلك الحديث عن انسحاب الجيش الإسرائيلي وحزب الله من جنوب نهر الليطاني «بالتوازي». ورفض برّي ما وصفه بـ»المناطق التجريبية»، مشدداً على أن ما يقبله هو فقط انسحاب «إسرائيل» ودخول الجيش اللبناني بالتوازي مع عودة النازحين. وأضاف بري: «لو أجاني وقف إطلاق النار من أي دولة أنا ماشي، حتى لو كان من بنغلادش». ونقلت المنصة عن بري قوله إن «اللائحة المؤلفة من 2300 اسم من مقاتلي حزب الله المطلوب انسحابهم من جنوب نهر الليطاني، قبلت بها الدولة اللبنانية وأنا رفضتها رفضاً قاطعاً، فهم أهل الأرض وأبناء الجنوب ولا أحد يستطيع اقتلاعهم منها».
وفي الدوحة، استقبل رئيس مجلس الوزراء وزير الخارجية القطري، الشيخ محمد بن عبدالرحمن بن جاسم آل ثاني، الرئيس السابق للحزب التقدمي الاشتراكي في لبنان وليد جنبلاط، الذي يزور قطر حالياً. وجرى خلال اللقاء استعراض آخر التطورات في لبنان ومستجدات الأوضاع في المنطقة.
ونقلت وكالة «AFP» عن مصدر مطّلع على مضمون زيارة قائد الجيش إلى باكستان قوله إن «لبنان جزء أساسي من المفاوضات الجارية بين إيران وأميركا».
وفي موازاة المساعي الدبلوماسية الجارية تواصل «إسرائيل» عدوانها، كشفت وسائل إعلام الاحتلال عن توجه نحو تصعيد العمليات العسكرية في لبنان خلال المرحلة المقبلة. فقد ذكرت «القناة 12» أن الغارات الأخيرة التي نفذها الجيش الإسرائيلي في جنوب لبنان حملت رسالة مباشرة إلى إيران، مفادها أن تهديداتها لن تحول دون استمرار العمليات العسكرية الإسرائيلية على الساحة اللبنانية. وأضافت القناة أن المؤسسة الأمنية الإسرائيلية باتت تعتبر لبنان مجدداً ساحة القتال الرئيسية، عقب توقف جولة تبادل الضربات الأخيرة بين «إسرائيل» وإيران، مشيرة إلى أن الجيش الإسرائيلي يعتزم توسيع نطاق عملياته العسكرية في الجنوب اللبناني.
وفي السياق نفسه، أفادت «القناة 14» بأن المجلس الوزاري المصغّر اتخذ قراراً يقضي بأن أي صاروخ يُطلق من لبنان باتجاه «إسرائيل» سيقابَل باستهداف مباشر للعاصمة بيروت، من دون الحاجة إلى الحصول على موافقة سياسية مسبقة.
واعتبر رئيس أركان جيش الاحتلال الإسرائيلي، إيال زامير، أن المحاولات الإيرانية لفرض معادلات جديدة أو تغيير الواقع الميداني لن تنجح، مشدداً على أن الجيش الإسرائيلي سيواصل عملياته العسكرية وسيزيد من الضغط على «حزب الله» وإلحاق المزيد من الخسائر به.
وفيما يتعلق بالخسائر العسكرية، أعلن جيش الاحتلال الإسرائيلي مقتل 30 ضابطاً وجندياً وإصابة 1291 آخرين منذ تجدّد المواجهات في لبنان مطلع شهر آذار الماضي. وأوضح أن من بين الجرحى 75 إصابة خطيرة و146 إصابة متوسطة، فيما سُجلت إصابة 48 ضابطاً وجندياً خلال المعارك الدائرة في جنوب لبنان خلال الأيام الخمسة الأخيرة.