الغموض سيّد الموقف حتى الآن، على الجبهة الأميركية- الإيرانية، والوقت كما يبدو يداهم كلّ أطراف الحرب، وتبعاً لذلك، فإنّ الأيام القليلة المقبلة ستجيب بالتأكيد عن الكثير من الأسئلة المتناثرة في الأجواء الإقليمية والدولية حول مسار المفاوضات التي توالت الترجيحات من غير مصدر إقليمي ودولي عن انطلاق جولتها الثانية الأسبوع المقبل في إسلام أباد، وما قد تؤول إليه من اتفاقات وتفاهمات وتحوُّلات ومتغيِّرات في آنٍ معاً، ضمن ما سمّاها نائب الرئيس الأميركي جيه دي فانس «صفقة كبرى» تريدها واشنطن مع طهران. وفي الانتظار يتحيَّن لبنان فرصة الخروج من وضع حرج يعانيه على كل المستويات، وتلمس سبل النجاة من مخاطر كبرى من الداخل والخارج ضاغطة على حاضرة ومستقبله وتُهدِّد مصير أبنائه.
بلوغ برّ الأمان بالنسبة إلى لبنان دونه تعقيدات ومصاعب تتناسل من بعضها البعض. فالصورة الداخلية بصورة عامة تعكس بوضوح حالة من اللاتوازن تضرب لبنان في هذه الفترة، فرضتها مجموعة عوامل وتحدّيات ربطاً من جهة، بوضع أمني متفجّر مزنّر باحتمالات وسيناريوهات صعبة يُنذر بها استمرار الإعتداءات والتوغّلات الإسرائيلية في اتجاه الأراضي اللبنانية والمواجهات العنيفة بين الجيش الإسرائيلي و«حزب الله» في البلدات الحدودية، وربطاً من جهة ثانية، بوضع سياسي ملبّد بالتناقضات والالتباسات والتوترات التي سبقت وأعقبت جولة المفاوضات المباشرة.
والمثير للقلق، أنّ هذه الأجواء آخذة في الاستفحال أكثر فأكثر، وخصوصاً على جبهة الحرب التي شهدت في الساعات الأخيرة اشتعالاً واسعاً، وتبدو مرشحة لاشتعال إضافي في ظلّ محاولات حثيثة من قِبل إسرائيل لفرض واقع جديد تتسيّده في منطقة جنوب الليطاني، إلّا إذا صدق ما أفيد في الساعات الأخيرة عن تطوُّر مهمّ برز غداة جولة المفاوضات المباشرة بين لبنان وإسرائيل، وتجلّى في ضغط أميركي على إسرائيل لوقف إطلاق النار على جبهة لبنان.
جولة ثانية
وإذا كانت جولة المفاوضات، وفق ما ورد في البيان المشترك الصادر عنها، قد وضّحت مطالب كل أطرافها، وانتهت تبعاً لذلك، إلى قرار بعقد جولة ثانية من هذه المفاوضات من دون تحديد زمانها ومكانها، فيؤكّد مصدر رفيع رداً على سؤال لـ«الجمهورية»، أنّ «من السابق لأوانه الحديث عن موعد قريب في المدى المنظور، فما زلنا في مرحلة تقييم أجواء ونتائج هذه الجولة، وكذلك تقييم ما صدر من مواقف إزاءها، خصوصاً من الجانب الإسرائيلي، الذي مع الأسف رفض التجاوب مع طلب لبنان بوقف إطلاق النار، ومن شأن ذلك أن يُصعّب الأمور». فيما نُقِل عن مصادر حكومية تأكيدها «انعقاد جولة ثانية من المفاوضات في واشنطن في وقت قريب، وأنّ الاتصالات الجارية حالياً تركّز على تحقيق هدنة موقتة تؤسس لإنهاء الحرب». ويؤكّد المصدر عينه، «اللقاء التحضيري الأول في واشنطن يُحفّزنا على العمل أكثر وبجهد أكبر لإنهاء الحرب ووقف الإعتداءات الإسرائيلية»، خصوصاً أنّ «رئيس الجمهورية يتابع ملف المفاوضات، ويواصل اتصالاته لتحقيق المطلب الأساس للبنان والمتمثل بوقف إطلاق النار».
ضغط لوقف النار
إلى ذلك، أكّدت مصادر ديبلوماسية لـ«الجمهورية»، أنّ «واشنطن تضغط بقوّة لتبريد جبهة لبنان، وقد وضعت ثقلها لحمل إسرائيل على وقف إطلاق النار»، مشيرةً إلى «أنّ المسؤولين في لبنان تلقّوا من مسؤولين أميركيِّين إشارات أكيدة بهذا المعنى». فيما أعربت المصادر عينها عن «تفاؤل حذر حيال إمكان بلورة حلول جدّية للحرب على جبهة لبنان، في غضون أسابيع قليلة». ونقلت وكالة «رويترز» عن مسؤولين لبنانيَّين كبيرَين قولهما، إنّه جرى إطلاعهما على جهود جارية للتوصُّل إلى وقف إطلاق النار في لبنان، لكنّهما لم يُفصِحا عن موعد بدء هذا الوقف ومدّته». وأضافا أنّ مدة وقف إطلاق النار سترتبط على الأرجح بمدة صمود الهدنة بين الولايات المتحدة وإيران. وأشار أحدهما إلى «أنّ الولايات المتحدة مارست ضغوطاً على إسرائيل بما في ذلك خلال محادثات بواشنطن أمس الأول الثلاثاء، للدفع في اتجاه وقف إطلاق النار في لبنان».
ويتزامن ذلك مع حركة ديبلوماسية في هذا الاتجاه تقودها السعودية، على المستويَين الإقليمي والدولي، ولاسيما مع إيران والولايات المتحدة، وكذلك مع لبنان، والذي تندرج زيارة المعاون السياسي لرئيس مجلس النواب النائب علي حسن خليل إلى المملكة، ولقاؤه الأمير يزيد بن فرحان، وكذلك ما أُفيد عن اجتماع ثلاثي سعودي-إيراني-باكستاني على مستوى وزراء الخارجية، وأنّ ملف لبنان مطروح للبحث في ما بينهم.
جهود الرئيس تثمر
إلى ذلك، أكّدت مصادر رسمية لـ«الجمهورية»، أنّ الحديث المتصاعد عن وقف لإطلاق النار هو نتيجة مباشرة للجهود التي يقودها رئيس الجمهورية، ولا سيما مبادرته القائمة على ربط التهدئة بإطلاق مسار تفاوضي مباشر.
وأوضحت المصادر، أنّ التحرُّك اللبناني تُوِّج بالإجتماع الذي عُقِد في واشنطن أمس الأول، وما تبعه من اتصالات رفيعة المستوى، أفضت إلى طلب أميركي واضح من إسرائيل بإبداء إيجابية ودرس وقف إطلاق النار، تجاوباً مع المبادرة اللبنانية وحرصاً على إنجاح المسار التفاوضي.
وكشفت أنّ واشنطن واكبت هذه المبادرة عبر سلسلة تدخُّلات، شملت الضغط لمنع استمرار استهداف بيروت بعد اليوم الدموي، والعمل على إقناع إسرائيل بقبول مبدأ التفاوض، وصولاً إلى الدفع نحو هدنة موقتة تُتيح إطلاق المفاوضات.
وبحسب المصادر، يتمثل الطرح اللبناني بهدنة لمدة أسبوعَين، تُستهل خلالها مفاوضات مباشرة بين لبنان وإسرائيل، بما يفتح الباب أمام معالجة أوسع للنقاط العالقة.
وفي المقابل، شدَّدت مصادر ديبلوماسية غربية على أنّ ما يجري هو ثمرة الجهد اللبناني حصراً، نافيةً أي دور لإيران في الدفع نحو وقف إطلاق النار، ومؤكّدةً أنّ طهران، ومعها «حزب الله»، كانت تعارض فصل المسار اللبناني عن المسار الإيراني، في وقت يعلن فيه الحزب رفضه المفاوضات.
عون يقدّر السعودية
إلى ذلك، أعلن رئيس الجمهوريّة جوزاف عون: «إنّ جهود ولي العهد السعودي محمد بن سلمان الحكيمة والمتوازنة، التي وفّرت أجواء لدعم الإستقرار في المنطقة، هي موضع تقدير واعتزاز لبنان«، معرباً عن أمله في أن «يكون لبنان جزءاً أصيلاً في هذا الجهد، فالسعودية الراعية لاتفاق الطائف هي موضع ثقة اللبنانيِّين ودول المنطقة والعالم».
الموقف الإسرائيلي
على أنّ ما يسترعي الانتباه في هذا السياق، هو الموقف الإسرائيلي الذي شهد تقلّبات واضحة في الساعات الأخيرة، إذ تدرّج بثلاث صور متتالية، في ما بدا أنّه تشويش على جولة المفاوضات، وتبدّى ذلك في مواقف خطيرة كان أبرزها إعلان وزير المالية الإسرائيلي بتسلئيل سموتريتش بأنّ المفاوضات ستُمكِّن إسرائيل من أن تمدّ حدودها إلى نهر الليطاني، وكذلك في جملة تسريبات نشرتها الصحافة العبرية نقلاً عن مقرّبين من رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو بأنّه «لا يعوِّل على مفاوضات واشنطن، وهدفه توسيع المنطقة العازلة بين 10 و14 كيلومتراً وربما إلى مدى أبعد من نهر الليطاني، وتثبيتها بصورة دائمة». ونسبت إلى مصدر سياسي رفيع قوله: «من الأساس لا يمكن التعويل على مفاوضات أرادها نتنياهو لحظة استعراضية يخاطب فيها الداخل الإسرائيلي لا أكثر ولا أقل».
وتجلّت الصورة الثانية في التصعيد الكبير على جبهة الجنوب يوم أمس الأربعاء، مع إطلاق تحذيرات جديدة بإخلاء بعض القرى الجنوبية، بالتوازي مع محاولات حثيثة للتقدُّم ميدانياً وخصوصاً على جبهة بنت جبيل التي يتعرَّض فيها الجيش الإسرائيلي لمواجهات عنيفة وقاسية.
وأمّا الصورة الثالثة، فتجلّت بالأمس بما بدا أنّه تراجع عن الشروط الكبرى التي وضعتها، ولاسيما عدم وقف إطلاق النار قبل نزع سلاح «حزب الله»، وانعكس ذلك في ما جرى الإعلان عنه بعد ظهر أمس، عن جهد أميركي حثيث لوقف إطلاق النار على جبهة لبنان بالتوازي مع سعي مقابل على جبهة إيران لتمديد وقف إطلاق النار لفترة إضافية، بما يفسح المجال لجولة مفاوضات ثانية.
وظهّر الإعلام الإسرائيلي هذا التطوُّر بصورة متتالية، مشيراً إلى أنّ المجلس الوزاري الإسرائيلي المصغّر سيبحث (ليلاً) طلب الولايات المتحدة بوقف إطلاق النار على جبهة لبنان، على أنّ اللافت للإنتباه هو أنّ الطلب المحكي عنه، وكما كشف الإعلام الإسرائيلي، لا يرمي إلى وقف دائم لإطلاق النار بل وقف موقت، وتبعاً لذلك توالت التكهُّنات حول وقف لإطلاق النار لمدة أسبوع، وبعضها ذهب إلى أسبوعَين وثلاثة وصولاً حتى شهر، يُصار خلاله إلى بناء ترتيبات معيّنة بين لبنان وإسرائيل.
لكن ما أثار الرَيبة في هذا المجال، ما ذكرته هيئة البث الإسرائيلية نقلاً عن مصادر إسرائيلية، بأنّ الحكومة الإسرائيلية لم تتلقَ بعد أي طلب أميركي لوقف إطلاق النار، وكذلك ما نقلته عن مسؤول أمني بأنّ «إسرائيل لا توقف إطلاق النار طالما أنّ «حزب الله» مستمر في إطلاق النار في اتجاهنا».
وتبرز هنا تعليقات للإعلام الإسرائيلي حول وقف إطلاق النار وأبرزها: «في حال اتُخِذ قرار بالذهاب إلى وقف إطلاق النار في لبنان، يجب على رئيس الوزراء ووزراء الحكومة الخروج إلى الجمهور وشرح لهم ما هو هدف الجولة الإضافية في لبنان. لأنّه بحسب ما يبدو، الأمر يتعلّق بالمزيد من نفس الشيء، وبالتأكيد ليس بتفكيك «حزب الله» من السلاح».
ونشر الوزير الإسرائيلي السابق أفيغدور ليبرمان على حسابه: «اتفاق وقف إطلاق النار مع لبنان يعني ترميم وتقوية قدرات «حزب الله» من دون القضاء عليه للأبد، فإنّ الجولة القادمة هي مسألة وقت فقط، والثمن الذي سندفعه سيكون قاسياً جداً».
المفاوضات ضرورة
إلى ذلك، وفيما تردّد في بعض الأوساط الداخلية والخارجية عن فشل المفاوضات بعد اصطدامها بالرفض الإسرائيلي لوقف إطلاق النار وربطه بنزع سلاح «حزب الله»، تسلّح معارضو المفاوضات بهذا الفشل للتصويب على رئيسَي الجمهورية والحكومة، فيما أبلغ مصدر رسمي إلى «الجمهورية» قوله: «لسنا في موقع التساجل مع أيّ طرف داخلي أو خارجي ينظر إلى المفاوضات بمنظور ضيّق، أو يُطلق اعتراضات غير محقة، حتى لا نقول إنّها افتراءات تغطّي على أخطاء كبرى ارتُكِبت بحق لبنان وأهله، مبادرة التفاوض أطلقها الرئيس عون استجابةً لمصلحة لبنان بالدخول في مفاوضات باعتبارها السبيل الضروري لإنهاء الحرب المفروضة عليه، وإخراج لبنان من الواقع الصعب الذي انزلق اليه، وبالتالي الهجومات والحملات لن تُحبِط عزمنا على تحقيق مصلحة لبنان، والمضي قدماً في المسار الذي ينهي الحرب ويحفظ سيادة لبنان كاملة وغير منقوصة على كامل أراضيه، ويوفّر الأمن والإستقرار لكل اللبنانيِّين، التزامنا قاطع بإنقاذ لبنان، وتمكين الدولة القادرة الراعية لكامل أبنائها تحت سقف القانون، ونعوّل بالتأكيد على وقوف المجتمع الدولي إلى جانبنا لوقف مسلسل القتل والدمار الذي يتعرّض له لبنان».
واللافت في هذا السياق، كان اقتران جولة مفاوضات واشنطن بقراءات وتقديرات، اعتبرت أنّ إسرائيل من خلال هذه الجولة، ومضمون البيان الصادر عنها، نجحت بدعم أميركي واضح في فصل المسار اللبناني عن مسار المفاوضات الأميركية- الإيرانية. وإزاء ذلك، رفض مرجع كبير هذه المقولة وقال: «بمعزل عمّا يقال عن أنّ الفصل قد حصل أو أنّه لم يحصل، فشئنا أم أبينا، وضعنا مرتبط بملف الحرب بين الولايات المتحدة وإيران، أي أنّنا من ضمن السلة الواسعة التي ستُبحَث واتخاذ القرارات في شأنها بين الجانبَين الأميركي والإيراني، ما يعني أنّنا في لبنان جزء من ملف المنطقة، وما سيسري على جبهة إيران سينسحب حتماً على جبهة لبنان، وتبعاً للأجواء السائدة في الولايات المتحدة وإيران فإنّ الجانبَين ذاهبان إلى جولة مفاوضات ثانية، وثمة إشارات واضحة تشير إلى توجُّه الجانبَين نحو الاتفاق، ما يعني أنّ المسألة مسألة وقت لا يبدو طويلاً».