
ضاعفت رواية وكالة «رويترز»، قبل يومين، حول تحريض أميركي للرئيس الانتقالي السوري، أحمد الشرع، على الدخول عسكرياً إلى لبنان (لنزع سلاح «حزب الله» في البقاع)، المخاوف التي أثارتها التقارير الإعلامية الكثيفة خلال المدة الماضية عن نوايا الشرع تجاه بيروت، وتحرّكات قواته على الحدود اللبنانية – السورية. وجاء الردّ المباشر على ما ورد في تقرير الوكالة سريعاً على لسان المبعوث الأميركي إلى سوريا والسفير في تركيا، طوم برّاك، الذي نفى نبأ «رويترز»، مؤكداً أنه «غير صحيح»؛ علماً أن مثل هذه الأخبار قد تدين برّاك مباشرة (بوصفه الأقرب بين الأميركيين إلى الشرع) بالتحريض على الاعتداء على لبنان، بينما يدعم الجيش الأميركي الجيش اللبناني دعماً مباشراً – بعضه موجَّه تحديداً إلى الحدود الشرقية -، كما يعتبره شريكاً استراتيجياً. وسبق للشرع أن حمّل برّاك جزءاً من مسؤولية الإشارات الخاطئة المتمحورة حول «ضوء أخضر» للهجوم على محافظة السويداء في تموز الماضي (بالإضافة إلى رمي الشرع اللوم على الوفد الإسرائيلي في مفاوضات باكو).
لكن في كلّ الأحوال، أغفل تقرير الوكالة، مرّة جديدة، جملة من الوقائع والمعطيات المتراكمة التي سبقت الحرب الإسرائيلية – الأميركية على إيران، وتلك الجديدة التي فرضتها مجريات الحرب على الواقع في سوريا ولبنان، والتي تحول دون طلب الولايات المتحدة من الشرع القيام بمثل هذه المهام، وتحدّ من قدرته على المبادرة في أيّ اتجاه. فبقدر ما يشكل الحشد العسكري الإسرائيلي على الحدود الشمالية لفلسطين المحتلة تهديداً للبنان، فإنه يمثّل تهديداً لسوريا. إذ إن ألوية القيادة الشمالية في جيش الاحتلال وفرقها والقوات المدرعة وألوية النخبة والاحتياط المنضمّة إليها، تحتشد في بقع استراتيجية على امتداد الجغرافيا من الناقورة إلى جبل الشيخ والجولان المحتل وحتى حوض اليرموك، كما توجد في أعماق محافظة القنيطرة وعلى السفوح الشرقية والشمالية لجبل الشيخ. وإذا ما بدأ العدو عملية برّية واسعة بالفعل ضدّ لبنان، فإن الحدود بين الأخير وسوريا على طول سلسلة جبال القلمون (السلسلة الشرقية اللبنانية) ستكون مسرحاً للعمليات، حيث ستحاول إسرائيل الانقضاض على المقاومة اللبنانية من الشرق، وفصل الجنوب عن البقاع، وتدمير منشآت ومواقع لـ«حزب الله» في السلسلة الشرقية والبقاع الشمالي. وهذا ما يضع الشرع تحت ضغوط الميدان والموقف ممّا سيحصل: فهل سيواجه قوات الغزو التي ستستخدم الأراضي السورية أم سيسحب قواته وينكفئ عن رحى معارك ستدور على بعد كيلومترات قليلة من العاصمة دمشق، لا سيما أن السماء السورية مفتوحة هي الأخرى، وباتت المحطّة الأبرز لتزويد الطائرات الإسرائيلية بالوقود خلال هجماتها على إيران؟
حالياً، تتشكّل القوات التي نشرها النظام السوري على الحدود مع لبنان (ومع العراق)، من مزيج من مقاتلين أجانب وبعض المجموعات من إدلب وحماه، وهي كُلّفت بمهمة أساسية عنوانها منع تهريب السلاح إلى «حزب الله» من الداخل السوري والعراقي، ومنعه من استخدام الأراضي السورية في عمليات ضدّ إسرائيل؛ وهي مهمة سبق للشرع أن تبرّع لتنفيذها منذ اليوم الأول لسيطرته على السلطة في دمشق. إلا أن هذه القوات تفتقر إلى الأسلحة ووحدات الإمداد، وهي وإن كانت تحمل أسماء ألوية وفِرق إلّا أن عديدها لا يقارن بحجم التشكيلات الفعلية التي كانت تتألف منها القوات السورية سابقاً، كما أنها لا تزال في تركيبتها الحالية تعتمد على تقسيمات المجموعات المسلحة التي انحدرت منها. وبحسب المعلومات، فإن قوات الشرع تعاني حالياً من نقص في الإطعام والمحروقات وتأخّر في الرواتب، ما دفع ببعضها إلى ترك نقاط انتشارها والعودة إلى مناطقها. يضاف إلى ما تقدّم، أن تشكيلات النظام الحالي لا تملك أكثر من خمسين دبابة عاملة حالياً لتنتشر بها على كامل الأراضي السورية، فيما تفتقر عشرات الدبابات الأخرى لديها إلى قطع الغيار الروسية، وتعاني ستّ مروحيات عاملة في حوزتها من نقص قطع الغيار؛ علماً أنه كان في حوزة القوات المسلحة السورية السابقة ما يزيد عن 4 آلاف دبابة وأسراب متنوعة من المروحيات، خسرتها على مدى سنوات الحرب وصولاً إلى استهدافها بعد سقوط النظام بحملة جوية إسرائيلية عنيفة. وفي ما يخصّ الذخائر، فإن قوات الشرع تعاني من نقص هائل في مختلف أنواع الذخائر، وهي قد بذّرت بالفعل الكثير مما كان لديها خلال «الغزوات» في الساحل والسويداء وشرق الفرات من دون حصول معارك حقيقية، بالإضافة إلى أن جماعات من داخل أجهزة الشرع وخارجها باتت تمتهن الاتجار بالسلاح في داخل سوريا وخارجها، وإلى دولٍ أبعد من لبنان والعراق.
لا يوجد أيّ غطاء عربي أو غربي لقيام الشرع بالاعتداء على لبنان مهما كانت الذرائع
كذلك، يعدّ واحداً من أبرز العوائق أمام قيام الشرع بشن عملية عسكرية حقيقية ضدّ لبنان لمساندة إسرائيل، واقع خزانه البشري، الذي تألف أساساً خلال هجماته السابقة من العشائر والمقاتلين الأجانب. فالعشائر التي ساندت الشرع للهجوم على السويداء بذريعة ارتباط أهالي المحافظة بإسرائيل، ثمّ دعمته مجدداً للانقلاب على «قوات سوريا الديموقراطية» طمعاً في تحسّن الواقع الاقتصادي، باتت تحسب ألف حساب (بعد أن ظهرت الحقائق الاقتصادية ووقَعَ الصدام حول النفط) قبل مساندة الشرع مجدّداً في أي عمليات عسكرية، فكيف إذا كانت ضدّ لبنان وإلى جانب إسرائيل؟ أمّا المقاتلون الأجانب، ورغم العلاقات «المقبولة» التي تربط بعض أبرز تنظيماتهم بـ«وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية»، كما هو حال «الحزب الإسلامي التركستاني» الذي رفعه الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، عن قائمة الإرهاب في نهاية ولايته السابقة، إلّا أن هؤلاء لم ينفروا من وسط آسيا والقوقاز للاشتراك في معركة واضحة إلى جانب إسرائيل وأميركا، لا سيّما أنهم يدركون النوايا الغربية والإسرائيلية المبيّتة للتخلّص منهم مهما طال وقت التعاون مع الشرع، وهو ما لمسوه خلال حوادث عديدة في الأشهر السابقة. ويضاف إلى ذلك، أن غالبية المجموعات الأجنبية في سوريا، لا تزال ترتبط بشكل أو بآخر بأمراء «تنظيم القاعدة» في أفغانستان، فيما سبق لدعاة من التنظيم أن انتقدوا تقرّب الشرع من إسرائيل والولايات المتحدة وقام بعضهم بتكفيره. لا بل إنه في موقف لافت صدر أخيراً، لم يخفِ التنظيم تأييده لإيران في الحرب الحالية.
ورغم حدّة المعركة وتصاعد التوتر العربي – الإيراني، إلا أنه لا يوجد أيّ غطاء عربي أو غربي لقيام الشرع بالاعتداء على لبنان مهما كانت الذرائع، خصوصاً مع وضوح الموقف السعودي الذي يحرص على إزالة أيّ توتر بين النظام الجديد ولبنان، بالإضافة إلى الموقف الأوروبي – الأميركي، والذي يظهر من استمرار الدعم للجيش اللبناني، بغضّ النظر عن تصريحات بعض «المتطرفين» وطلّاب الشهرة في واشنطن. أما الموقف التركي، فيبدو على قدرٍ عالٍ من الأهمية؛ إذ تعبّر أنقرة بوضوح عن مخاوفها من الصراع الحالي، وتتجنّب أي اشتباك مع طهران، ولا تردّ على الصواريخ الإيرانية التي تصل إلى الأراضي التركية، بل تحمّل إسرائيل مسؤولية الحرب وعواقبها، وهو ما ينعكس بشكل كبير على موقف الشرع. وينبع الحذر التركي هذا، من الخشية من سيناريو سقوط النظام في إيران وانتصار إسرائيل في الحرب، والذي سيعرّض تركيا إلى مخاطر استراتيجية جمّة. إذ إن مرحلة الوئام/ التعايش الإسرائيلي – التركي التي سادت حتى قبل سنوات قليلة، انتهت مع التبدّلات الجيوبوليتيكية الهائلة التي أعقبت سقوط النظام السوري السابق، ولا بدّ أنها ستتطور سلباً في حال انهيار إيران وانتصار إسرائيل، حيث ستصبح المواجهة حتمية بين أنقرة وتل أبيب. وبالنظر إلى تصريحات رئيس حكومة العدو، بنيامين نتنياهو، قبيل بدء الحرب، فإن الخطة التالية لإسرائيل بعد إسقاط النظام الإيراني، هي الانقضاض على «محور الشرّ السني» والذي يضمّ بحسبه تركيا وقطر ونظام الشرع في دمشق.
يبقى أن أكثر ما يخيف الشرع اليوم، هو قيام مجموعات محسوبة عليه بإطلاق النار أو الصواريخ على الأراضي الفلسطينية المحتلة، انطلاقاً من الأراضي السورية، ثمّ تقوم إسرائيل بتحميله المسؤولية، مثلما حصل في بلدة بيت جن على جبل الشيخ قبل نحو شهرين، لا سيما مع وجود مجموعات متحمّسة لقتال إسرائيل في داخل تشكيلاته. ومن بين تلك المجموعات، على سبيل المثال لا الحصر، «كتائب عبد الله عزام» التي تضمّ في صفوفها مقاتلين لبنانيين وفلسطينيين، وكانت تنشط على الأراضي اللبنانية، حيث سبق أن قامت بإطلاق صواريخ عدّة مرات على شمال فلسطين من جنوب لبنان، وسبّبت إحراجاً للجيش اللبناني ولـ«حزب الله». واليوم، باتت تلك الكتائب جزءاً من الجيش السوري الجديد، بعدما انضوت سابقاً في ما يعرف بـ«كتيبة الغرباء» أو «كتيبة غرباء التركستان» التي تأسست في 2017 كجماعة مستقلّة موالية لتنظيم «القاعدة»، واندمجت لاحقاً في بنية «هيئة تحرير الشام»، متكوّنةً بشكل رئيس من المقاتلين الإيغور القادمين من وسط آسيا. وليل أمس، نقلت «القناة 15» العبرية، معلومات عن إطلاق صواريخ على فلسطين المحتلة من الأراضي السورية، من دون أن تحدّد الجهة المسؤولة عن ذلك.