تتسع رقعة الحرب بين إيران وأميركا وإسرائيل، وسط تصعيد غير مسبوق يشي بمعركة طويلة، في ظلّ خسائر متبادلة وتهديدات بتوسيع العمليات برّاً وبحراً وجوّاً، ومشهد دولي يتّجه إلى مزيد من التعقيد.
اتّسع نطاق الحرب بين إيران من جهة، والولايات المتحدة وإسرائيل من جهة ثانية، في ظلّ إظهار طهران قدرة نارية كبيرة، وارتسام مشهد عالمي وأميركي لا يبدو أن الوقت فيه يلعب لمصلحة الأميركيين والإسرائيليين. واستمرّت، في اليوم الثالث من التصعيد، الإطلاقات الإيرانية الكثيفة على إسرائيل والقواعد الأميركية في المنطقة عموماً، والخليج خصوصاً، وأوقعت مزيداً من الخسائر في صفوف الجنود الأميركيين، بالإضافة إلى خسائر في الآلة الحربية تمثّل أبرزها في سقوط 3 طائرات حربية أميركية في الكويت.
أمّا الإشارة الأوضح إلى تعمّق الأزمة، فجاءت من الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، نفسه، الذي لم يستبعد إرسال قوات برية إلى إيران، ملوّحاً بأن «الموجة الكبرى من الهجوم لم تأت بعد»؛ كما أتت إشارة مماثلة من إعلان الجيش الأميركي إرسال المزيد من القوات إلى المنطقة، واعترافه بأن المعركة ستكون طويلة. في المقابل، أعلنت طهران أيضاً أنها أعدّت نفسها لمعركة طويلة، وسط تعهّد كلّ من الجانبين الإيراني والأميركي بتحقيق النصر.
وقال ترامب الذي يعاكس تعهّداته بعدم التورّط في الحروب الخارجية، في حديث إلى صحيفة «نيويورك بوست»، إنه ليست لديه» رهبة بشأن نشر قوات على الأرض»، مضيفاً أن «كل رئيس يقول: لن تكون هناك قوات على الأرض. أنا لا أقول ذلك». وأشار في تصريح آخر إلى شبكة «سي إن إن»، إلى أنه يعتقد أن العملية «تسير على نحو جيد جداً»، وأن الولايات المتحدة «لم تبدأ بعد في ضرب (إيران) بقوة»، قائلاً إن «الموجة الكبرى لم تحدث بعد. الموجة الكبرى قادمة قريباً». وفي ردّه على ما يحاجّ به ترامب، انتقد زعيم الأقلية الديمقراطية في مجلس النواب الأميركي، حكيم جيفريز، افتقار الإدارة إلى الشفافية بشأن العمل العسكري في الشرق الأوسط، معتبراً أن الأسباب التي قدّمها المسؤولون لضرب إيران غير كافية.
وحول سير العمليات، توقّع رئيس هيئة الأركان المشتركة، الجنرال دان كاين، في إحاطة صحافية نادرة أمام الكاميرات، أن يتكبّد الجيش الأميركي خسائر إضافية في عمليته، مضيفاً أن تحقيق الأهداف سيستغرق «بعض الوقت»، وأنه «في بعض الحالات سيكون عملاً صعباً وشاقاً». ومن جهته، ادّعى هيغسيث أن الولايات المتحدة «لم تبدأ هذه الحرب، لكن في عهد الرئيس ترامب نحن ننهيها»، منبّهاً في الوقت نفسه إلى أن «هذه ليست حرباً لما يسمّى تغيير النظام». كما رفض الانتقادات بشأن بدء «حرب أخرى بلا نهاية»، لكنه لم يحدّد إطاراً زمنياً، ولم يستبعد إرسال قوات برية لاستكمال الأهداف الأميركية المتمثّلة في «سحق» القوة العسكرية الإيرانية وإنهاء برنامجها النووي، قائلاً إن «طموحاتنا ليست طوباوية، بل واقعية». ولم يجب الوزير بشكل مباشر على سؤال أحد المراسلين بشأن استراتيجية خروج الولايات المتحدة من دوّامة التصعيد.
وجاءت الإحاطة التي شارك فيها وزير الدفاع، بعد أن أفادت القيادة المركزية الأميركية بأن ستة جنود أميركيين قتلوا في الهجمات الإيرانية حتى الآن. وفي وقت سابق، أمس، أعلنت «القيادة المركزية الأميركية» أن 3 مقاتلات أميركية أُسقطت «عن طريق الخطأ» بنيران كويتية، وسط قتال نشط، لكن جميع أفراد الطواقم الستّة قفزوا بسلام. وكذلك، استُهدفت السفارة الأميركية في الكويت بطائرات من دون طيار، وفقاً لبرقية من وزارة الخارجية نشرتها صحيفة «واشنطن بوست»، في حين أدّى هجوم بطائرة مسيّرة إيرانية على فندق في البحرين إلى إصابة موظفين اثنين في وزارة الدفاع الأميركية، بحسب البرقية نفسها.
وبالإضافة إلى استمرار الإطلاقات الإيرانية الكثيفة على إسرائيل، أبلغت ثماني دول أخرى عن تعرّض القواعد الأميركية فيها لهجمات بالصواريخ والطائرات المُسيّرة، وهي بالإضافة إلى الكويت والبحرين، العراق، والأردن، وسلطنة عُمان، والسعودية، وقطر، والإمارات. وكان «الحرس الثوري الإيراني» أعلن قصف مركز اتصالات لجيش الاحتلال الإسرائيلي في بئر السبع، حيث أفيد عن جرح 17 إسرائيلياً. كما أعلن قصف 20 هدفاً في تل أبيب والقدس والجليل، محقّقاً بذلك رقماً قياسياً جديداً يتجاوز مجمل ما جرى في حرب الـ12 يوماً في حزيران الماضي. وفنّد «الحرس»، في بيان، أن قواته البحرية أطلقت 26 مُسيّرة هجومية و5 صواريخ باليستية على قواعد العدو، كما هاجمت أهدافاً ثابتة ومتحرّكة للجيش الأميركي في الكويت والإمارات والبحرين ومضيق هرمز، في حين أفادت وكالة «تسنيم» بأن «الحرس» استهدف مكتب رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، ومقرّ قائد القوات الجوية، ضمن الموجة العاشرة من هجماته. وتعهّد «فيلق القدس»، بدوره، بأن «الأعداء الذين قتلوا (المرشد، السيد علي) الخامنئي، لن يكونوا في مأمن حتى في ديارهم».
ولم تقتصر دائرة القصف الإيراني على ما تقدّم، بل امتدّت لتشمل القواعد العسكرية البريطانية في قبرص، التي أخليت تماماً بعد اعتراض نيقوسيا مُسيّرتين كانتا متجهتَين نحو قاعدة «أكروتيري» الجوية البريطانية. ونقلت وكالة «رويترز» عن وزير الدفاع اليوناني تأكيده الجهوزية للدفاع عن الجزيرة بكلّ الوسائل الممكنة، في حين أعلنت السلطات القبرصية أنها ليست هي المُستهدَفة بالضربات الإيرانية، بل القواعد البريطانية. كذلك، أعلن المتحدّث باسم قيادة «خاتم الأنبياء» في إيران أن القاعدة الأميركية في علي السالم في الكويت أُخرجت عن الخدمة، فيما تعرّضت حاملة الطائرات الأميركية «لينكولن» لهجوم بـ4 صواريخ كروز، وأصيبت 3 ناقلات نفط أميركية وبريطانية في الخليج ومضيق هرمز.
وعلى المستوى السياسي، ردّ أمين «المجلس الأعلى للأمن القومي» الإيراني، علي لاريجاني، على تصريحات ترامب عن أن «القيادة الجديدة في إيران» اتصلت به للتفاوض، معبّراً عن رفض إيران أيّ مفاوضات مع الولايات المتحدة حالياً. وقال لاريجاني، في منشور على منصة «إكس»، إن بلاده، خلافاً لواشنطن، مستعدّة لخوض حرب طويلة الأمد. وأضاف: «كما كانت الحال خلال الـ300 عام الماضية، لم تكن إيران هي من يبدأ الحروب». وأكّد «أننا سندافع بعزم عن أنفسنا وعن حضارتنا الممتدّة لستة آلاف عام، وسنجعل أعداءنا يندمون على حساباتهم الخاطئة». ومن جهته، أعلن رئيس السلطة القضائية الإيرانية أن مجلس القيادة المؤقّت الذي يضمّه إلى الرئيس الإيراني وأحد أعضاء «مجلس» صيانة الدستور»، والذي تولّى مهام المرشد بعد اغتياله، يعقد اجتماعاته بشكل منتظم ويتابع المهام الموكلة إليه.
وفي حين أعلنت السلطات الإيرانية أن عدد ضحايا الغارات الجوية المستمرة التي تشنها الولايات المتحدة وإسرائيل، بلغ أكثر من 500 قتيل، تحدّثت وسائل إعلام إيرانية عن دويّ انفجار قوي قرب منشأة أصفهان النووية وقاعدة للقوات الجوية الإيرانية، وكذلك عن انفجارات في طهران.