لم تعد المنطقة تقف على فوهة بركان، بل دخلت فعليًا إلى قلبه المشتعل. فمع اغتيال المرشد الإيراني الأعلى السيد علي خامنئي، المرجع الديني والسياسي، الذي شكّل لعقود رمزًا للجمهورية الإسلامية، انتقلت المواجهة من مرحلة التصعيد المضبوط إلى مرحلة الحرب المفتوحة، اذ تجاوزت الولايات المتحدة الاميركية ومعها «اسرائيل» كل الخطوط الحمراء في المنطقة، ما يجعل تسارع الأحداث دون ضوابط.
كان خامنئي مرجعية دينية عليا، تمثّل لدى ملايين الإيرانيين وأتباع خطه في المنطقة، ركنًا من أركان الهوية العقائدية الدينية، وصاحب دور محوري في تثبيت موقع إيران الإقليمي، والدفاع عن خياراتها الاستراتيجية، في وجه الضغوط والعقوبات والحروب غير المباشرة.
من هذا المنظور، يُنظر إلى اغتياله كاعتداء خطِر على رمز ديني وسيادي، ما يضع إيران أمام لحظة مفصلية عنوانها حماية الاستقرار الداخلي، وصون الكرامة الوطنية، وسط مشهد إقليمي شديد التعقيد مفتوح على احتمالات متعددة.
فهذا التطور الدراماتيكي لا يبدّل فقط موازين الصراع، بل يدفع الإقليم ككل إلى المجهول، مع اتساع رقعة المواجهة وتراجع فرص الاحتواء السريع.
ولم تتأخر إيران في ترجمة تهديداتها باستخدام مختلف أوراق القوة التي تملكها، ردًا على الضربات العسكرية التي استهدفتها، فسارعت إلى استهداف القواعد الأميركية في دول الخليج، إلى جانب مواقع يُعتقد بوجود أميركيين و»إسرائيليين» فيها، ما دفع المواجهة إلى منحى غير مسبوق، من حيث اتساع رقعتها وطبيعة أهدافها.
ومع إدخال ورقة الملاحة البحرية إلى قلب الصراع، عبر التلويح بتهديد أمن الملاحة في مضيق هرمز، لم تعد تداعيات المواجهة محصورة بالإطار العسكري فحسب، بل باتت تمتد إلى الاقتصاد العالمي برمّته، نظرًا إلى الدور الحيوي الذي يشكله المضيق في حركة إمدادات الطاقة العالمية.
هذا التطور رفع مستوى الاستنفار الدولي إلى أقصاه، ما دفع القوى الكبرى والدول المعنية إلى تكثيف الضغوط السياسية والديبلوماسية لاحتواء الصراع، والعمل على إنهائه في أسرع وقت ممكن، تفاديًا لانزلاق المنطقة والعالم إلى أزمة أوسع يصعب ضبط تداعياتها.
الوضع في لبنان
أما في لبنان، وبحسب معلومات «الديار»، فقد كثّف رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون، بالتوازي مع رئيس الحكومة، سلسلة اتصالاته ومشاوراته داخليًا وخارجيًا، في إطار مسعى واضح لتثبيت معادلة تحييد لبنان ومنع انزلاقه إلى المواجهة المباشرة، في ظل دقة المرحلة وخطورة التطورات الإقليمية المتسارعة.
وتفيد المعطيات بأن عون لمس حتى الآن، عدم وجود مؤشرات على استعداد حزب الله للانخراط المباشر في المعركة الدائرة، إلا أنّ ذلك لا يشكّل ضمانة ثابتة، إذ تبقى الاحتمالات مفتوحة في حال طال أمد الحرب، أو شهدت تحوّلًا نوعيًا في مسارها أو ساحاتها.
وفي موازاة ذلك، تشير المعلومات إلى أن الحزب يتعامل مع المرحلة على قاعدة الاستعداد لكل السيناريوهات، بما فيها احتمال تعرّضه لضربة عسكرية جديدة، سواء خلال مسار الحرب الحالية أو في أعقابها، انطلاقا من تقدير أن «إسرائيل» لن تقبل بقاء الوضع القائم على حاله، وستسعى عاجلا أو آجلًا، إلى محاولة التخلص مما تبقى من قدراته العسكرية.
ولجأ حزب الله يوم الأحد الى تحركات شعبية في المناطق تَدين اغتيال خامنئي. وشهدت باحة عاشوراء في الضاحية الجنوبية التجمع الجماهيري الأكبر، فيما توزعت باقي التجمعات على عدد من المناطق في النبطية والبقاع الغربي وبلدة دير قانون النهر.
حوار أميركي- إيراني قريبا؟
أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترامب أن «القيادة الجديدة في إيران ترغب في الحوار، وأنه وافق على ذلك وسيتحدث معهم»، فيما نقلت صحيفة «يديعوت أحرونوت» عن مصادر أنّ ترامب يسعى لإنهاء العملية الإيرانية بسرعة. ولفتت الى أن «أميركا اقترحت على إيران عبر إيطاليا وقفا لإطلاق النار، وإيران رفضت عرض واشنطن لوقف النار بشكل فوري».
يأتي ذلك في وقت أعلنت وزارة الخارجية العمانية أن «وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي أبلغ نظيره العماني بدر البوسعيدي خلال اتصال هاتفي، بأن طهران منفتحة على أي جهود جادة لتهدئة الأوضاع بعد الهجمات الإسرائيلية والأميركية التي وقعت السبت».
أيام عصيبة
من جهته، تحدث رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو عن ضرب قواته «قلب طهران بقوة متصاعدة ستزداد أكثر في الأيام المقبلة»، قائلا:»نحن أمام أيام عصيبة ونخوض حملة نسخّر فيها كامل قوة الجيش الإسرائيلي، لأن هدفها ضمان وجودنا ومستقبلنا». وأفاد الجيش الاسرائيلي عن «القضاء على 40 مسؤولا إيرانيا، بينهم المرشد الإيراني علي خامنئي».
بالمقابل، وفيما توعد أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني علي لاريجاني، الولايات المتحدة و «إسرائيل» بضربات «لم يسبق لها مثيل»، أعلن وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي أن «هناك عملية دستورية بدأتها إيران، وأن المجلس الانتقالي تأسس اليوم وسيعمل على تسيير الأمور»، متوقعا أن يتم خلال يوم أو يومين انتخاب قائد أعلى».
واذ أكد أن ايران «لا تهاجم جيرانها في دول الخليج، بل تستهدف الوجود الأميركي في هذه الدول»، قال: «أدرك أن دول الخليج غاضبة من الهجمات الإيرانية، لكن عليها أن تعلم أن هذه حرب فرضت على إيران، وأن هذه الحرب من اختيار أميركا و «إسرائيل»، ويجب الضغط عليهما».
ورقة مضيق هرمز
وبالرغم من تأكيد عراقجي أن لا نية لدى بلاده لإغلاق مضيق هرمز حاليا، «ولا خطط لفعل أي شيء يعطل الملاحة فيه في هذه المرحلة»، بدا واضحا أنها بدأت بلعب هذه الورقة تدريجيا، لما لها من آثار في الاقتصاد العالمي. وبالتالي قد تكون مفيدةً جدا للضغط لوقف الحرب عليها. وقد أُعلن بالأمس عن استهداف ناقلة نفط في مضيق هرمز، لرفضها الامتثال لتحذيرات الحرس الثوري، فيما أفيد عن تلقي سفن رسائل عبر تردد عالٍ من الحرس الثوري الإيراني، تفيد بمنع عبور أي سفن عبر مضيق هرمز.
هذا ونقلت «رويترز» عن بيانات ملاحية أن 150 ناقلة على الأقل محملة بالنفط والغاز، توقفت في مياه الخليج خارج مضيق هرمز. وفي وقت لاحق، أعلن الحرس الثوري الإيراني اصابة ناقلات نفط مخالفة تابعة لأميركا وبريطانيا في الخليج ومضيق هرمز، فيما أفاد مسؤول حكومي مصري لـ»الشرق بلومبرغ» بأن «مصر أوقفت ضخ نحو 100 مليون قدم مكعب من الغاز الطبيعي يوميا إلى سورية ولبنان عبر « خط الغاز العربي «، وذلك في أعقاب توقف الإمدادات التي تتلقاها من حقلي «تمار» و «ليفياثان» الإسرائيليين في شرق المتوسط».
أبرز الأحداث الميدانية
أما أبرز الأحداث الميدانية التي شهدتها الساعات ال24 الماضية ،فهو اعلان «الحرس الثوري» الإيراني عن استهداف حاملة الطائرات الأميركية «أبراهام لينكولن» بأربعة صواريخ باليستية، مقابل اعلان القيادة المركزية الأميركية أن مقاتلات B-2 استهدفت منشآت الصواريخ الباليستيّة الإيرانيّة، كما حديث «هيئة البث الإسرائيلية» عن مقتل 9 إسرائيليين واصابة 57 جراء هجوم إيراني كبير على مستوطنة بيت شيمش غرب القدس المحتلة، وانقطاع الاتصال مع نحو 20 شخصا.
هذا وأعلن الحرس الثوري الايراني أن استهدافه قواعد أميركية مختلفة في المنطقة، أدى إلى مقتل وإصابة ٥٦٠ عسكريا أميركيا، في وقت أقرت «القيادة المركزية الأميركية « حصرا بـ»مقتل ثلاثة من أفراد الخدمة الأميركيّة أثناء القتال، وإصابة خمسة آخرين بجروح خطرة، في إطار عمليّة الغضب الملحمي».
يأتي ذلك في وقت قالت وزارة التربية الإيرانية إن عدد الطالبات اللائي قُتلن في مدرسة ميناب ارتفع إلى 153، إثر الهجوم الأميركي – الإسرائيلي السبت.
المستجدات اللبنانية
وعلى صعيد المستجدات على خط لبنان، أعلنت الرئاستان اللبنانية الفرنسية أن الرئيسين جوزاف عون ايمانويل ماكرون قررا تأجيل المؤتمر الدولي لدعم الجيش وقوى الأمن الداخلي، الذي كان مقررا انعقاده في الخامس من اذار في باريس، إلى شهر نيسان المقبل ، «لانه لم تتوافر الظروف الملائمة للإبقاء على موعده المحدد». وأكد الرئيسان خلال الاتصال أن خطورة الوضع الإقليمي الراهن، تعزز ضرورة الحفاظ على استقرار لبنان، ودعم مؤسساته الشرعية، وضمان استعادة سيادته الكاملة.
من جهته، دعا المجلس الأعلى للدفاع الذي انعقد برئاسة عون في القصر الجمهوري اللبنانيين الى التشبث بالتزامهم بحس المسؤولية الوطنية العليا، في هذه الظروف الدقيقة، مثمنا روح الانضباط العام الذي ساد في البلاد. واذ طمأن المجلس جميع اللبنانيين، إلى توافر المواد والإمكانات اللازمة كافة، لضمان أمنهم الحياتي والمعيشي، من غذاء ودواء وطاقة ونقل واتصالات وسواها، أكد الرئيس عون على الاجماع الوطني «على أن قرار الحرب والسلم، هو في عهدة الدولة اللبنانية وحدها، تمارسه عبر مؤسساتها الدستورية حصرًا».