2026- 02 - 18   |   بحث في الموقع  
logo هذا ما بحثه الرئيس عون مع حاكم مصرف لبنان logo الرئيس عون: الأمن الغذائي أولوية logo جنيف.. بدء الجلسة الثانية من مفاوضات الجولة الثالثة للتسوية بين روسيا وأوكرانيا logo حسام جنيد يودع الحفلات ويواصل الغناء عبر يوتيوب logo بالصورة: كمين في برج البراجنة يوقع بأحد المطلوبين logo إشكال بين سائق وركاب فان على خط العبدة – بيروت.. إليكم السبب logo لقاء عون- هيكل.. عرض نتائج زيارة السعودية ومؤتمر الأمن logo كهرباء لبنان تضبط التعديات وتحصّل المتأخرات
2026 بين إعادة رسم الشرق الأوسط وإدارة صراعاته
2026-02-18 09:53:18

كتب أنطوان العويط: هل يكون العام 2026 لحظةَ انعطافٍ كبرى في الشرق الأوسط نحو السلام، أم مجرّد حلقةٍ جديدة في مسارٍ طويل من إعادة تشكيل الخرائط وتبديل موازين القوى؟

في محاضرةٍ ألقاها قبل أسبوع السفير الأميركيّ لدى تركيا والمبعوث الخاص للرئيس الأميركيّ إلى سوريا طوم بارّاك، في معهد "ميلكن" في كاليفورنيا، عاد الحديث عن "شرق أوسط جديد" يُراد له أن يولد من رحم التحوّلات الجارية. فقد جدّد الانتقاد لاتفاقيّة سايكس - بيكو، واعتبر أنّ التدخلات الغربيّة منذ تلك اللحظة التأسيسيّة، وصولًا إلى وعد بلفور، لم تورث المنطقة سوى أزماتٍ متراكمة وحدودٍ قلقة وهوّياتٍ معلّقة.

تقوم الفرضيّة المطروحة من قبل بارّاك على أنّ الخلل بنيويّ، نشأ من رسم حدودٍ جمعت كياناتٍ متباينة في التاريخ والثقافة والبنية الاجتماعيّة ضمن دولٍ حديثة التكوين، فكان الاستقرار هشًّا والانتماء ملتبسًا. من هنا تبرز الدعوة إلى "السماح للمنطقة بأن تكون نفسها"، أي ترك توازناتها الداخليّة ومساراتها التاريخيّة تعيد تشكيل المجال السياسيّ بعيدًا عن القوالب التي فُرضت قبل قرن.

غير أنّ هذه الفكرة، على ما فيها من جاذبيةٍ نظريّة، تُخفي وراء بريقها أسئلةً شائكة، على مثال كيفيّة إعادة التوازنات من داخل البُنى ذاتها، من دون تفجيرها؟ وبأيّ كلفةٍ سياسيّةٍ وبأيّ صيغةٍ وبأيّ أثمان؟ ومن يملك حقّ إعادة النظر في خرائط المنطقة، المجتمعات نفسها وكيف، أم القوى الكبرى التي تتحدّث باسمها؟

إلى ذلك، تبرز مفارقة أميركيّة وتناقض ظاهريّ بين خطاب "خفض الأهميّة" تجاه هذه المنطقة في الاستراتيجيّة الجديدة لواشنطن، وبين الوقائع التي تشير إلى عودة مدجّجة بحاملات الطائرات والبوارج، وبالتحالفات والخطط، وبمجلس سلام عالميّ قد يطيح بالأمم المتّحدة وبمجلس الأمن. فكيف يمكن التوفيق بين هذه العودة وبين ما ورد في استراتيجيّة الأمن القوميّ الأميركيّة أواخر 2025، التي اعتبرت أنّ الشرق الأوسط لم يعد يحتلّ الموقع المركزيّ السابق في السياسة الخارجيّة؟

الواضح أنّه، في وقت رُفع شعار تقليص الانخراط، لا تبدو واشنطن في وارد الانسحاب، بل هي في صدد إعادة تعريف حضورها. فاستراتيجيّة إدارة الرئيس ترامب تقوم على خفض الكلفة وتعظيم العائد، مع نقل مركز الثقل إلى آسيا، حيث يتقدّم التنافس مع الصين إلى صدارة الأولويات.

مع ذلك، فإن تراجع "المركزيّة" لا يعني انتفاء "الضرورة"، فالشرق الأوسط لم يعد الغاية، بل أصبح وظيفةً ضمن صراع أوسع على شكل النظام الدوليّ ومن يقوده.

وبهذا المعنى، تبدو العودة الأميركيّة كأنّها في سياق إعادة تموضعٍ محسوبة، من خلال حضور عسكريّ يضبط الإيقاع ويحفزّ التوجّهات، وتحالفات تعيد توزيع الأعباء، وأطر سياسيّة قد تلتفّ على أدوار الأمم المتّحدة ومجلس الأمن.

إنّه انتقال من الهيمنة الثقيلة إلى الإدارة الذكيّة، ومن التدخّل المباشر إلى التحكّم عن بُعد.

جوهر المقاربة لا يتعلّق باحتلال الأرض، بل بإعادة هندسة التوازن. وهذا يتطلّب تحجيم نفوذ إيران، ودمج إسرائيل إقليميًّا، وصولًا إلى تطويق التمدّد الاقتصاديّ للصين في الخليج.

في هذا الإطار، وإذا سلّمنا جدلًا بأنّ واشنطن قد تنجح، في نهاية المطاف، في "إعادة إيران إلى إيران" عبر ضبط برنامجها النوويّ والبالستيّ، وتقليم أظافر شبكاتها الإقليميّة، والحدّ من قدرتها على توظيف الجغرافيا المذهبيّة والسياسيّة، فإنّ السؤال الأعمق يبقى: هل يكفي اختلالُ ميزان القوّة لصناعة استقرارٍ راسخ في منطقةٍ تتصادم فيها المشاريع وتتجاذبها هويّاتٌ متنازعة؟

هنا تتقدّم القضيّة الفلسطينيّة بوصفها العقدة المركزيّة. فهي ليست نزاعًا حدوديًّا فحسب، بل جرحًا سياسيًّا وأخلاقيًّا مفتوحًا في الوعي العربيّ والإسلاميّ، ومصدرًا دائمًا لشرعيّة الصراع. من دون أفقٍ عادلٍ وقابلٍ للحياة، سيبقى أي "شرق أوسط جديد" مشروعًا فوق هوّة. فكيف يمكن دمج إسرائيل إقليميًا وتوسيع مسار التطبيع العربيّ - الإسرائيليّ من دون تسوية مقنعة؟ وهل يمكن أن يتبلور هذا الأفق في ظل حكومات إسرائيليّة ترى في الحل النهائيّ تهديدًا أيديولوجيًا، بينما يتردّد الحديث عن إعادة إحياء مشروع إسرائيل الكبرى وتقويض مقوّمات الدولة الفلسطينيّة الموعودة لتصبح من دون أرض وشعب؟

ثمّة بعدٌ آخر لا يقلّ أهميّة، ويتّصل بالصين. فحتّى لو جرى تحجيم إيران، تواصل بكين تمدّدها الهادئ عبر الاقتصاد والبنى التحتيّة. حضورها العسكريّ في جيبوتي، واستثماراتها في الموانئ والطاقة ضمن مبادرة "الحزام والطريق"، يمنحانها موطئ قدم استراتيجيًّا على طرق التجارة العالميّة.

الولايات المتّحدة تدرك أنّ معركتها الأساسيّة في القرن الحادي والعشرين ليست في غزّة ولا بيروت ولا طهران، بل في بحر الصين الجنوبيّ والمحيط الهادئ. لذلك، تهدف إعادة ترتيب الشرق الأوسط أيضًا إلى تحرير الموارد لمواجهة بكين واحتواء صعودها.

لكلّ ذلك، قد لا يكون عام 2026 عام السلام، بل عام إعادة التموضع. قد تهدأ بعض الجبهات، وتُنسج ترتيبات أمنيّة واقتصاديّة جديدة، لكن جذور الصراع ستظل كامنة ما لم تُحسم أسئلته الكبرى. ومن دون تسوية شاملة وعادلة وقابلة للحياة، ستبقى خرائط النفوذ مؤقّتة، والتحالفات هشّة، قابلةً للاهتزاز مع أوّل اختبار.

الشرق الأوسط يدخل، إذن، مرحلة مخاضٍ استراتيجيّ. الولايات المتّحدة تعيد تعريف دورها من الهيمنة إلى الإدارة؛ إسرائيل تسعى إلى تكريس تفوّقها؛ إيران على تراجعها الواضح ووهنها لا تزال تتمسّك بعمقها الحيويّ؛ الصين تراقب وتستثمر بصبرٍ طويل. وبين هذه المشاريع المتقاطعة، يبدو عام 2026 محطّةً أخرى في قطار التحوّلات، لا نهايته.




وكالات



ملاحظة : نرجو ممن يرغب بإضافة تعليق، صياغته بلغة لائقة بعيدة عن القدح والذم والتحريض المختلف أو المسّ بالكرامات. إن كل ما ينشر من مقالات وأخبار ونشاطات وتعليقات، لا تعبر بأي شكل من الأشكال عن رأي الموقع الذي لا يتحمّل أي أعباء معنويّة أو ماديّة من جرّائها.


التعليقات

لارسال تعليق يرجى تعبئة الحقول الإلزامية التالية

الاسم الكامل: اختياري *الرسالة : مطلوب

 البريد الالكتروني : اختياري

 الدولة : اختياري

 عنوان الرسالة : اختياري

 



INN LEBANON

اشترك و أضف بريك لتلقي الأخبار

تابعونا على مواقع التواصل الاجتماعية
INN LEBAANON ALL RIGHTS RESERVED 2026
top