وجه مفتي الجمهورية اللبنانية الشيخ عبد اللطيف دريان رسالة، لمناسبة حلول شهر رمضان ، قال فيها :
أيها المسلمون ، أيها اللبنانيون :شهر رمضان هذا العام ، ليس ككل الأعوام ، بل ربما لم يشهد المواطنون اللبنانيون ضيقا شديدا في معايشهم وتحركاتهم مثلما يشهدون هذه الأيام، سواء في رمضان وغير رمضان . إنه زمان الانهيار الشامل في كل المجالات ، يحل علينا شهر رمضان هذا العام ، والبلاد والعباد في أزمات متراكمة ، يختلط فيها الاقتصادي بالمالي والمعيشي والصحي والاجتماعي ، ويلقي ذلك كله على عواتقنا نحن أهل الدين والإيمان ، مسؤوليات خاصة ، على اختلاف القدرات والأحوال . إنه اختبار كبير وشاق وصعب ، للإيمان والثبات والصبر والأخلاق ، والعلاقات الإنسانية ، والثقة برحمة الله.
أيها المسلمون ، أيها اللبنانيون :لدينا الكارثتان اللتان نعرفهما : الاحتلال والجرائم في الجنوب، وسقوط المباني، ومقتل الناس بطرابلس ، والمباني الآيلة للسقوط في مناطق عدة من عاصمتنا بيروت.
في الجنوب اللبناني بلدات وقرى الشريط الحدودي مدمرة بالكامل وهجر أهلها ، ويمنع العدو الصهيوني أهل هذه البلدات والقرى من إعادة بنائها والعودة إليها ، حتى أن هذا العدو مازال يمعن بعدوانه رغم التوصل إلى اتفاق وقف إطلاق النار، ونحن نناشد الدولة ممارسة ضغوطها الدولية لوقف العدوان الصهيوني المتمادي ، تمهيدا لبناء ما هدمته الحرب ، وعودة الأهالي إلى قراهم وبلداتهم .
وعلى أي حال هذا بلاء رافقنا منذ الأربعينيات ، منذ القرن الماضي ، ولم نستطع أن نجد له حلا .
أما مباني طرابلس المهدمة ، والنفوس المهدورة فهي ذنبنا وحدنا، ومسؤوليتنا وحدنا.
فسوء التقدير يتمثل بعدم الوعي، وعدم اتخاذ القرار . وأما سوء التدبير فالمقصود به مخالفة الحكمة التي تعني التبصر في العواقب، واتخاذ الإجراءات بمعالجة مشكلات السكان ، والطلب منهم أن يغادروا، والقيام- مثلا بورشات عابرة – للإصلاح والحيلولة دون الكوارث.
لا ينبغي الاستخفاف ولا تحميل المسؤولية للغير أو لعجز السكان وفقرهم ومسكنتهم وقلة حيلتهم .
طرابلس بالذات ، ومنذ زمن ، تحتاج إلى يقظة وعناية ورعاية ومسؤولية ، ومن سكان المدينة وجمعياتها كما من المسؤولين بالمدينة والدولة . فلا تنسوا أنه هلك من الطرابلسيين وجوارهم العشرات ، والعشرات في البحار ، وهم يحاولون الهرب من مدينة البؤس والتعب!
الجميع ينتظر الآن كيف يتصرف المسؤولون ، ويتصرف وجهاء الطرابلسيين ، فنسأل الله في شهر رمضان أن يهبهم البصر والبصيرة وصحة التقدير والتدبير.
ولا بقوتنا التنبيه إلى المباني الآيلة والمهددة بالسقوط في مناطق عدة من عاصمتنا بيروت ، وعلى الجهات المختصة القيام سريعا بمسؤلياتها وواجباتها حتى لا نقع بمآسي وكوارث “.
واستطرد المفتي دريان :”أيها الإخوة المواطنون :لقد استبشرنا خيرا بإنهاء الفراغ في سدة الرئاسة الأولى وبخطاب القسم ومضامينه ، وبتشكيل حكومة العهد الأولى وبيانها الوزاري ، واللبنانيون يأملون أن يعيشوا هم وأبناؤهم في وطن بأمان وسلام واستقرار ، وتتحقق فيه العدالة والأنصاف والتواق بين جميع مكوناته ، ومراعاة التوازن المطلوب في كل مؤسسات الدولة ، حتى لا يشعر أي مكون أنه مغبون أو مهمش” .
نحن وجميع اللبنانيين نتطلع إلى وطننا لنعيش فيه ، تسوده العدالة والإنصاف والرحمة والإنسانية ،يسمع قيه كل حريص على كرامة الإنسان ، صرخات أهالي السجناء والموقوفين ظلما وافتراء ، وبالأخص (الإسلاميين) ويطالبون بإقرار قانون العفو العام الشامل بحق هؤلاء الذين ظلموا باتهامات ومحاكمات وأحكام جائرة .
لقد آن الأوان لرفع الظلم وتحقيق العدالة ، وستبقى هذه القضية (قضية عدالة) ،وستبقى دار الفتوى في الجمهورية اللبنانية مؤتمنة عليها” .
أيها المسلمون ، أيها الإخوة المواطنون : رغم كثرة المصائب الناجمة عن ضآلة العزيمة ، والإحجام عن تحمل المسؤولية ، فالذي نرجوه أن يكون شهر رمضان – كما كان من أقدم العصور – باعثا على الكرم والخير وعلو الهمة ، وصنع الجديد والجليل والمتقدم . الظروف الصعبة تقتضي منا التضامن والعمل بالمعروف . نحن ننتظر مئات الملايين من الدولارات وأكثر للمنكوبين في طرابلس ، ونتوقع زكوات وتبرعات لصناديق الزكاة ولمشروعات الخير والبر ، وبيوت العجزة والأيتام والمعوقين ، والمستشفيات المجانية والمستوصفات، لن يتركنا إخواننا وأشقاؤنا، وسنظل في ركب الخير والعطاء الذي تعودناه في رمضان وغير رمضان. نحن اللبنانيين لا نتنادى بالدين والأخلاق وحسب ، بل نتنادى بالمروؤة والوطنية . لبنان يحتاج إلى كل أبنائه . حل زمان الدولة منذ عقود ، لكن الآن هو زمن التحقق ، ولدينا إحساس قوي بأن أهل الدولة ، اليوم، على قدر المسؤولية رغم تكاتف الصعاب”.
وختم المفتي دريان :أيها الإخوة المؤمنون : “رمضان شهر الرحمة والمغفرة ، وشهر أداء الواجب تجاه النفس وتجاه المجتمع . أسأل الله لكم التوفيق في أداء الفرض ، وصنع المعروف، والتأهل لفضائل الحاضر والمستقبل.اللهم إننا ندعوك سبحانك مع قدوم شهر رمضان ، شهر الرحمة وعمل الخير واستجابة الدعاء ، أن تجبر ضعفنا ، وترحمنا من أهوال الفتن والأزمات ، وأن تهب أوطاننا السلم والأمن والأمان ، وأن تخرجنا من هذه المحن المستعصية ، وأن تهب وطننا السكينة والطمأننة ، إنك يا رب العالمين حكيم قدير.