2026- 02 - 03   |   بحث في الموقع  
logo بيان جديد من “الجيش”.. ماذا فيه؟ logo توقيف الملثّم الذي “اقتحم صيدلية” في البترون logo كشف خفايا تجارة المخدرات في الهرمل.. الجيش يدهم ويضبط أسلحة logo نقابة المالكين: تعطيل لجان الدعم أضرّ بالمالكين وليس بالمستأجرين logo الأسهم الأوروبية ترتفع إلى مستوى قياسي مع استقرار أسواق السلع logo إيرباص تواجه تحديات في سلاسل التوريد وسط ارتفاع الطلب على الطائرات logo الرئيس سلام يرحب بمبادرة أردنية لاجتماع بين سوريا ولبنان والأردن مخصص للطاقة logo لماذا تقوم إسرائيل برش مواد كيميائية في جنوب لبنان؟
فتح.. نهاية الحركة وتحول التحرّر إلى إدارة!.. بقلم: د. ماري قرطام
2026-02-03 04:58:54

لا تنتهي الحركات التحررية حين تهزم عسكريًا، ولا حين تقمع سياسيا، بل حين تفقد قدرتها على إنتاج شرعيتها من داخلها.

في تلك اللحظة، لا تختفي الحركة فجأة، بل تستمر شكليا بعد أن تفرغ من مضمونها السياسي.

الاسم يبقى، الهياكل تبقى، الخطاب يبقى، لكن ما يختفي هو ما يجعلها حركة أصلًا: السياسة بوصفها فعلًا داخليًا، وصراعًا مشروعًا، وقدرة على إعادة إنتاج القيادة والمشروع.

ما جرى في الانتخابات التنظيمية الأخيرة لحركة فتح في شمال لبنان يندرج في هذا السياق تحديدًا. ليس بوصفه خلافًا تنظيميًا، ولا حادثة محلية عابرة، بل كواقعة كاشفة عن تحول بنيوي أعمق: تحول الحركة من إطار تحرري قائم على التفويض والمساءلة، إلى جهاز إداري يُدار بمنطق السلطة والاستقرار. فآخر انتخابات قيادة إقليم “فتح – لبنان” جرت خلال المؤتمر التنظيمي السابع لإقليم لبنان في تشرين الأول 2025، بحضور ممثل خاص عن الرئيس الفلسطيني وممثلين رسميين، وتم انتخاب قيادة جديدة للإقليم من 15 عضوًا.

لكن الملاحظة الجوهرية هنا، حسب ما كشفت تقارير موثوقة على مواقع الأخبار، أن التمثيل الشعبي الحقيقي في بعض المناطق لم يحترم، أو تم تجاوزه لصالح تعيينات مركزية تحمل دلالات سياسية أكثر من كونها انعكاسا للقاعدة التنظيمية. هذه النقطة تحديدا هي نفس ما أفاد به الناشطون في الشمال عندما نشرت بعض المصادر أن هناك تغييرات جرت وتعيينات تمت بدل نتائج انتخابات محلية فعلية، ما يؤثر مباشرة على الشرعية المحلية لحركة فتح في تلك المناطق.

في الشمال، جرى اقتراع فعلي. دعيت القاعدة التنظيمية، شارك الكادر، وأُنجزت العملية وفق الأصول المعتمدة. النتيجة كانت واضحة ومعلنة رسميًا. في هذه اللحظة، كانت فتح لا تزال تعمل كحركة: قاعدة تفوض، وقيادة يفترض أن تمثل هذا التفويض. لكن هذه اللحظة لم تكتمل. ما تلاها لم يكن نقاشا في النتيجة، ولا طعنا بالإجراءات، بل إلغاء مباشرا لمفاعيل الاقتراع عبر تعيين صادر عن القيادة المركزية، بذريعة واحدة مقتضبة: “مصلحة الحركة”.

هنا تكمن القطيعة. فالانتخابات لم تفشل، بل أُفرغت من معناها. حين يجرى الاقتراع ثم تلغى نتائجه، لا تكون المشكلة تقنية ولا إجرائية، بل سياسية بامتياز. يفصل التفويض عن القرار، وتتحول الانتخابات من آلية لإنتاج السلطة داخل التنظيم إلى طقس شكلي لا أثر له. بهذا المعنى، لا نكون أمام خلل داخلي، بل أمام كسر صريح للعقد التنظيمي الذي يربط القاعدة بالقيادة.

الأخطر في هذه الواقعة ليس القرار بحد ذاته، بل سهولته. لم تقدم تبريرات قانونية، ولم تفتح مسارات مراجعة، ولم تبذل حتى محاولة لتغليف الإلغاء تنظيميا. القانون الداخلي لم يخالف سرا، بل علق علنا. وما ثبت هذا التعليق لم يكن القوة، بل الصمت: غياب الاعتراض، غياب النقاش، غياب المساءلة. الصمت هنا ليس حيادا، بل آلية حكم. إنه ما يحول الإلغاء إلى سابقة، والسابقة إلى قاعدة غير مكتوبة.

مفارقة السلطة والحركة: حضور السلطة على حساب الحركة

المشكلة الجوهرية ليست فقط داخل فتح نفسها، بل في امتزاج السلطة التنظيمية بالسلطة الرسمية على مستوى التمثيل الفلسطيني في لبنان. تمثيل الرئيس محمود عباس عبر ممثليه، مثل ياسر عباس في المؤتمرات اللبنانية، يعطي الانطباع بأن قيادة فتح باتت تتقاطع مع أدوار الدولة الفلسطينية الرسمية في لبنان.

هذا التعاطي يمكن قراءته كـ خلط بين الوظيفة التنظيمية وعلاقات السلطة الرسمية، مما يضغط على الحركة لتتحول من إطار نضالي مستقل إلى جهاز إقطاعي سياسي: تقوم بهياكلها المركزية بتعيين القيادات بدل احترام إرادة القواعد. هذه اللحظة تتجاوز الشمال بوصفه منطقة. إنها لحظة مفصلية لأنها تكشف تحول فتح من حركة سياسية إلى جهاز إداري.

كثيرا ما يقال إن فتح اختلطت بالسلطة، وإن استقلاليتها تآكلت منذ سنوات. هذا توصيف صحيح، لكنه لم يعد كافيا لفهم ما يحدث اليوم. الجديد والأخطر هو أن الحركة لم تعد تحترم قانونها الداخلي حتى بوصفه مرجعية شكلية. ما جرى في انتخابات الشمال يشكل سابقة نوعية، لأنه للمرة الأولى يلغى اقتراع صريح من دون محاولة تبرير تنظيمي، ومن دون أن يترتب على ذلك أي كلفة سياسية داخلية.

بهذا المعنى، لا نكون أمام أزمة قيادة، ولا أمام صراع أجنحة، بل أمام نهاية نموذج. نموذج الحركة التي كانت ترى في التنظيم أداة تحرر، لا أداة إدارة.

ما يجري اليوم هو انتقال مكتمل من منطق الحركة إلى منطق الحزب الإداري، حيث تصبح الانتخابات وسيلة ضبط لا تغيير، والعضوية حالة طاعة لا مشاركة، والمشروع التحرري خطابا يدار لا أفقا ينتج.

التحول إلى حزب لا يعني بالضرورة ديمقراطية داخلية، بل غالبا العكس. الحزب، بخلاف الحركة، يعمل داخل أفق الاستمرارية، لا القطيعة. يفاوض، يدير، ويكيف نفسه مع موازين القوى القائمة. حين تسلك الحركة هذا المسار، لا تفقد فقط راديكاليتها، بل تفقد قدرتها على مساءلة ذاتها. وهنا يصبح التنظيم عبئا على السياسة بدل أن يكون أداة لها.

فقد انطفأت شعلة فتح في آخر انطلاقة لها وهذه ليست استعارة عاطفية ولا رثاءً متأخرًا. الشعلة التي انطفأت ليست التاريخ، ولا الرمزية، ولا الذاكرة النضالية. إنها القدرة على إنتاج شرعية من الداخل. حين تطفأ هذه القدرة، تستمر البنية، لكن تنتهي الحركة بوصفها حركة. وهذا الانطفاء نهائي، لا لأنه لا يمكن نظريا إصلاح فتح، بل لأن شروط الإصلاح نفسها: القانون، الانتخابات، المساءلة، قد ألغيت عمليا.

ما تبقى بعد ذلك هو اسم بلا سياسة، وتنظيم بلا تفويض، وسلطة بلا حركة. هذا مصير فتح كحركة تحرر تختار الحكم على حساب السياسة، والاستمرارية على حساب التحرر. في هذا المعنى، لا تكون نهاية الحركة خيانة، بل نتيجة. نتيجة منطقية حين تفوز الحركة، ثم تعيد تشكيل نفسها كي تصبح صالحة للحكم، ولو كان الثمن هو إنهاء ذاتها بوصفها حركة تحرر. المفارقة ان فتح لم تفذ ومخيمات اللاجئين الفلسطينيين خير دليل على ذلك.

فما يحدث داخل حركة فتح اليوم لا يمكن قراءته بوصفه أزمة تنظيمية داخلية فحسب، ولا حتى كتحول حزبي مألوف في مسار الحركات السياسية. نحن أمام لحظة أعمق وأخطر: انهيار منظومة الشرعية التنظيمية لحركة تاريخية، وانعكاس هذا الانهيار مباشرة على المخيمات الفلسطينية في لبنان بوصفها فضاءات اجتماعية – سياسية هشة، حيث التنظيم السياسي لم يكن ترفا، بل أحد شروط الاستقرار النسبي.

ما بعد فتح : نزع التمثيل عن اللاجئين الفلسطينيين في لبنان

السؤال المركزي لم يعد: ما مصير فتح كتنظيم، بل: من يمثّل اللاجئين الفلسطينيين في لبنان حين تفقد فتح شرعيتها التمثيلية؟ وهنا تكمن الخطورة الأعمق، التي تتجاوز سيناريوهات الفراغ أو التفكك أو الزبائنية.

فاللاجئون الفلسطينيون في لبنان ليسوا مواطنين في السلطة الفلسطينية، ولا يخضعون سياسيًا أو قانونيًا لمؤسساتها. ومع ذلك، تعاد اليوم صياغة فتح بوصفها ذراعا سلطويا متناغمًا مع منطق السلطة الفلسطينية، لا بوصفها حركة لجوء أو تحرر. هذا التحول لا يعني فقط أفول حركة تاريخية، بل نزع الخصوصية السياسية للاجئين الفلسطينيين في لبنان.

تاريخيا، حملت فتح تناقضا بنيويا: كانت حركة تحرر تعمل من خارج الدولة، وتمثل شعبا في حالة لجوء، ولم يكتمل مشروعه التحرري بعد. هذه الخصائص كانت مصدر شرعيتها داخل المخيمات. حين تجرد الحركة من هذه الخصائص، وتعاد صياغتها كحزب سلطوي يعمل بمنطق السلطة الفلسطينية، يصبح اللاجئون خارج معادلة التمثيل.

وجود مبعوثين رئاسيين، وتغليب منطق التعيين، وربط القرار التنظيمي بأولويات السلطة، لا يعزز تمثيل اللاجئين، بل يسرع عملية تجريد فتح نفسها من بعدها اللجوئي والتحرري. هنا لا تعود الحركة وسيطا سياسيا بين اللاجئين والسلطات، بل تتحول إلى أداة ضبط وتنظيم إداري، تتناغم من جهة مع مصالح السلطة الفلسطينية، ومن جهة أخرى مع مقاربات الدولة اللبنانية القائمة على الاستقرار الأمني لا على الحقوق.

نهاية فتح كحركة لجوء وتحرر

بهذا المعنى، لا نكون أمام نهاية فتح كتنظيم فحسب، بل أمام نهاية فتح بوصفها حركة لجوء وتحرر. تحويلها إلى حزب سلطوي منزوع الخصوصية، يعمل ضمن أفق السلطة لا التحرر، يعني إغلاق أحد آخر الفضاءات التي كانت تعبر ولو جزئيا عن خصوصية المخيمات كفضاء سياسي.

الخطر هنا ليس الفوضى، بل إعادة إنتاج نظام بلا تمثيل: سلطة موجودة، أمن مدار، مجتمع لا يمثل سياسيا. وهذا أخطر من الفراغ، لأن الفراغ قد يفتح إمكانات، أما نزع التمثيل فيغلق السياسة ذاتها. في هذا السياق، تتحول المخيمات من فضاءات نضال غير مكتمل إلى فضاءات إدارة دائمة، ويختزل اللاجئون إلى “ملف” أمني – اجتماعي، لا إلى فاعلين سياسيين لهم قضية لم تحسم بعد.

خاتمة..

 حين تنزع السياسة عن اللجوء

الحديث عن انطفاء فتح ليس رثاءً، بل توصيفا لقطيعة تاريخية. فتح، بصيغتها الراهنة، لم تعد موجودة تمثيليا ولا شرعيا بين اللاجئين الفلسطينيين في لبنان. لم تعد حركة لجوء، ولا حركة تحرر، بل سلطة حزبية بلا مجتمع، تعمل في انسجام متزايد مع منطق السلطة الفلسطينية ومع مقاربات الدولة اللبنانية في إدارة المخيمات.

المفارقة الأخطر أن هذا التحول يحدث في لحظة لم يكتمل فيها المشروع التحرري الفلسطيني أصلا. أي أن الحركة التي ولدت لتحرير شعب في حالة لجوء، تجرد اليوم من خصائصها التحررية واللجوئية، وتحول إلى أداة سلطة، فيما اللاجئون الذين لا يتبعون لهذه السلطة يتركون بلا تمثيل سياسي شرعي.

السؤال الحقيقي اليوم ليس كيف تصلح فتح، بل: كيف يمكن إعادة بناء تمثيل سياسي للاجئين الفلسطينيين في لبنان خارج منطق السلطة، وخارج تحويل الحركة التاريخية إلى حزب سلطوي منزوع السياسة؟

فالخطر الأكبر ليس الفراغ، بل إنهاء السياسة باسم الاستقرار، وإنهاء الحركة باسم السلطة، وإنهاء اللجوء بوصفه قضية سياسية لم تحسم بعد.

الكاتبة: الدكتورة ماري قرطام

باحثة مشاركة في المركز الفرنسي للشرق الأدنى..






ملاحظة : نرجو ممن يرغب بإضافة تعليق، صياغته بلغة لائقة بعيدة عن القدح والذم والتحريض المختلف أو المسّ بالكرامات. إن كل ما ينشر من مقالات وأخبار ونشاطات وتعليقات، لا تعبر بأي شكل من الأشكال عن رأي الموقع الذي لا يتحمّل أي أعباء معنويّة أو ماديّة من جرّائها.


التعليقات

لارسال تعليق يرجى تعبئة الحقول الإلزامية التالية

الاسم الكامل: اختياري *الرسالة : مطلوب

 البريد الالكتروني : اختياري

 الدولة : اختياري

 عنوان الرسالة : اختياري

 



INN LEBANON

اشترك و أضف بريك لتلقي الأخبار

تابعونا على مواقع التواصل الاجتماعية
INN LEBAANON ALL RIGHTS RESERVED 2026
top