فاجأ مجلس السلام الذي سيقوده الرئيس الأمريكي دونالد ترامب المسؤولين في بعض الدول المدعوة، وقال عدد منهم إنهم شعروا بأنهم مضطرون إلى المشاركة بدلا من المخاطرة بإغضاب الرئيس الأمريكي.
واستطلعت رويترز آراء 16 من قادة العالم، بمن فيهم سياسيون ومندوبون من دول عربية ودول من أمريكا اللاتينية وأوروبا في الاجتماع السنوي للمنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس بسويسرا، وجاءت الردود متماثلة إلى حد كبير.
وقال مسؤولون من عدة مناطق في أحاديث خاصة إن الانضمام إلى المجلس الذي اقترحه ترامب يبدو أقرب لأن يكون إجباريا لا اختيار فيه، في الوقت الذي تدرس فيه الحكومات وتوازن بين مخاطر البقاء خارج المجلس وعدم اليقين الذي يترافق مع الانضمام إليه.
وساق أحد المندوبين الغربيين حالات التوتر مع ترامب، ومنها الرسوم الجمركية وإيران وفنزويلا وقطاع غزة وجرينلاند، كأمثلة على مدى صعوبة مقاومة المطالب الأمريكية.
وقال أحد المسؤولين العرب “من يقدر على قول ’لا’ لترامب؟”.
وقال مسؤول كبير في البيت الأبيض إن نحو 35 من قادة العالم تعهدوا حتى الآن بالانضمام إلى المجلس الذي أُعلن عنه الأسبوع الماضي عندما أرسل البيت الأبيض دعوات إلى نحو 60 حكومة، منها بريطانيا وروسيا والصين.
وأظهرت مسودة ميثاق المجلس الذي سيرأسه ترامب، واطلعت عليها رويترز، أنه يهدف لأن يكون “هيئة دولية أكثر مرونة وفعالية لبناء السلام”.
ومن المتوقع أن يسجل ترامب الأعضاء غدا الخميس على أقرب تقدير خلال حفل في منتجع دافوس الجبلي في سويسرا.
وكانت فكرة المجلس في الأصل تتعلق بخطة لإدارة وإعادة إعمار قطاع غزة المدمر بعد الحرب، إلا أن صلاحياته اتسعت، إذ قال ترامب إن المجلس، الذي يعتبره البعض منافسا للأمم المتحدة، قد يعمل على حل الأزمات العالمية، وهو الدور التقليدي الذي تضطلع به المنظمة الدولية.
وذكر ترامب في مؤتمر صحفي أمس الثلاثاء أنه معجب بالأمم المتحدة، لكنها “لم ترق قط إلى المستوى الذي تسمح به إمكاناتها”.
وأظهر ميثاق المجلس أن ترامب حدد أيضا سعرا لحصول الدول على مقعد فيه بقيمة مليار دولار.
* مناقشات حول الانضمام
قال بعض الزعماء الأوروبيين إنهم لا يشعرون بالارتياح لعناصر في مسودة ميثاق المجلس، لا سيما البنود التي تركز فيما يبدو سلطة اتخاذ القرار في يد ترامب.
وذكر أحد الدبلوماسيين الأوروبيين أنه على الرغم من أن الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي ستجري مشاورات فيما بينها، فإن أي قرار نهائي سيُتخذ في نهاية المطاف بشكل فردي بناء على المصالح الوطنية لكل دولة.
وأضاف أن هناك علامات استفهام كثيرة حول مبادرة ترامب، بما في ذلك المكان الذي سيُتخذ كمقر والوضع القانوني الذي سيتمتع به مجلس السلام.
ووصف الدبلوماسي العملية بأنها “كابوس” عالق في أوحال البيروقراطية، وقال إن قواعد الميثاق الموضوعة بإحكام بشأن إقالة رئيس مجلس السلام مصممة فيما يبدو لإبقاء ترامب في هذا المنصب مدى الحياة.
ولا يمكن للرئيس أن يستقيل إلا طواعية أو أن يعزله المجلس التنفيذي بالإجماع على أساس انعدام القدرة على أداء المهام.
ورفضت عدة دول أوروبية الانضمام.
وقالت فرنسا إن الرئيس إيمانويل ماكرون يعتزم رفض الدعوة. وقال وزير الخارجية جان نويل بارو إن ميثاق المجلس لا يتوافق مع التزامات فرنسا الدولية، لا سيما عضويتها في الأمم المتحدة.
ورفضت النرويج والسويد أيضا، في حين قالت إيطاليا وألمانيا إنهما لا تزالان تدرسان الأمر. وقال مسؤولون في الاتحاد الأوروبي إن المناقشات جارية بين الدول الأعضاء، دون الإعلان عن أي قرار بعد.
وتوخت بريطانيا نهجا أكثر حذرا.
وقال رئيس الوزراء كير ستارمر إن بريطانيا تناقش الاقتراح مع حلفائها، لكنه لم يصل إلى حد تأييده.
* المجلس انعكاس لطموحات ترامب العالمية
قال مراقبو السياسة الخارجية إن المبادرة محاولة من ترامب لترسيخ نفوذه.
وقال بول سالم من معهد الشرق الأوسط “(وقر) في ذهن ترامب، أنه هو الرئيس، سواء كان الأمر متعلقا بغزة أو بفنزويلا أو بأي مكان آخر”، مضيفا “قد يكون مجلس السلام هذا هو وسيلته في إدارة مجال النفوذ الأمريكي”.
وذكر أن الغموض الذي يكتنف اختصاص المجلس يتماشى مع نهج ترامب في السلطة، عبر إبقاء التفاصيل مبهمة والنوايا غير واضحة لتعظيم النفوذ.
وأضاف سالم “ليس هذا أسلوبه فحسب، بل استراتيجيته أيضا، فهو لا يريد أن يعرف الناس مسبقا بما يعتزم فعله كقوة عظمى”.
ويقول حلفاء ترامب، بما في ذلك بعض من دول أمريكا اللاتينية والدول العربية، إن المبادرة تتناسب مع استراتيجيته الأوسع نطاقا المتمثلة في استعراض قوة الولايات المتحدة واستخدام نفوذها لتشكيل النتائج في الخارج.
وقالت تركيا، التي انضمت هي والسعودية، إنها تعتبر المجلس تطورا قيما على الرغم من أي “أوجه قصور” محتملة.
وقال وزير الخارجية التركي هاكان فيدان لوسائل الإعلام التركية “إذا كان سيوفر لغزة مثقال ذرة من الفائدة، وإذا كان سينقذ حياة شخص واحد في أفريقيا، فإن رئيسنا (رجب طيب أردوغان) ينظر إلى هذا الأمر بإيجابية كبيرة”.
ويقول منتقدون إن هذا الأمر يجعل الحكومات تتوجس خوفا من العقاب.
ورد ترامب على ماكرون لرفضه الانضمام وهدد بإجراءات تجارية عقابية، قائلا “سأفرض رسوما جمركية تبلغ 200 بالمئة على النبيذ والشمبانيا من بلاده، وسينضم، لكنه (ماكرون) ليس ملزما بالانضمام”.