بداية الأسبوع ملبّدة بالإرباكات على صُعُد مختلفة؛ أمنياً، إرتفاع وتيرة التصعيد الإسرائيلي بسلسلة اعتداءات وتفجيرات للأبنية في القرى الأمامية، وغارات جوية استهدفت عدداً من المناطق الجنوبية. سياسياً، جمر تحت رماد المواقف السجالية المتصادمة والمحتدمة حول سلاح «حزب الله». وقضائياً، انتظار من جهة لما ستؤول إليه قضية «أبو عمر» وما يحوطها من التباسات وروايات، ومن جهة ثانية اعتراضات وتحرّكات احتجاجية حول جرعة التعيينات الأخيرة في الجمارك، وتساؤلات اعتراضية حول خطوة تعيين المدير العام الجديد للجمارك، التي وصفها المعترضون بأنّها ضربت الشعارات التي رفعتها الحكومة عن شفافية ونزاهة وكفاءة وإصلاح. يصاحب ذلك، استغراق شامل في حالة الترقّب للتطوّرات الإقليمية والدولية، في ظلّ الحديث المتنامي عن أنّ شرارة التوتير لم تنطفئ نهائياً، وأنّ الضربة العسكرية لإيران ما زالت خياراً مطروحاً على طاولة الرئيس الأميركي دونالد ترامب، الذي صرّح بالأمس بموقف لافت في مضمونه وتوقيته، إذ أبرزت وسائل الإعلام الأميركية والدولية قوله أمام رئيس وزراء النروج بأنّه لم يعُد يشعر بأنّه «ملزَم بالتفكير في السلام»، لأنّه لم يحصل على جائزة نوبل للسلام التي تعلنها لجنة نروجية.
ضربة… لا ضربة!
إقليمياً، غموض كامل، ولا شيء محسوماً بعد في ما خصّ الضربة الأميركية لإيران، فما هو ظاهر حالياً، هو السباق بين الحراك الديبلوماسي لخفض التوتر، والذي يندرج فيه ما أُعلن عن تبادل رسائل وإشارات مباشرة وغير مباشرة بين واشنطن وإيران، إلّا أنّ تقديرات الخبراء والمحلّلين، تُجمِع على أنّ احتمالات الضربة العسكرية ما زالت عالية جداً، وأنّ الرئيس ترامب لم يحسم خياره النهائي بصورة قاطعة بعد، وعلى ما يقول أحد المحلّلين: «ربما يكون الرئيس ترامب يتحيّن الظرف المناسب لاتخاذ قراره».
وبمعزل عن الدافع الذي جعل الرئيس الأميركي يتراجع عن الضربة التي كانت، وفق التقارير الاستخبارية والإعلامية، مقرَّرة الأسبوع الماضي، وبعض التقديرات ربطت هذا التراجع بتباين في الرأي داخل إدارة ترامب، وبخشية من تداعياتها الواسعة إقليمياً ودولياً، ومن احتمال أن تؤدّي الضربة إلى حرب شاملة وطويلة الأمد، إلّا أنّ مصادر غربية أكّدت أنّ «ترامب لم يتراجع عن الضربة، بل إنّه أرجأ قراره ربما لأيام، أو لأسابيع».
ووفق المصادر عينها، فإنّه «من الصعب احتواء الغليان القائم، فإيران بالنسبة إلى واشنطن تشكّل العقبة الأساس أمام مصالح الولايات المتحدة الأميركية وسياستها في المنطقة، والعقوبات على رغم من قساوتها، أثبتت أنّها غير قادرة على تحقيق الهدف المرجو منها، وتبعاً لذلك، فإنّ الضربة خيار نهائي بالنسبة إلى الرئيس الأميركي، سواء لإضعاف إيران وضرب قدراتها النووية والصاروخية، أو حتى إسقاط النظام واستبداله بنظام جديد موالٍ لواشنطن التي تعتبر أنّ عامل الوقت يلعب لمصلحة إيران، فمن دون توجيه «لكمة رادعة» لها، فإنّها ستتفلّت أكثر، وتعزّز قدراتها النووية والصاروخية أكثر، وتُنعِش أذرعتها في المنطقة، وتحديداً «حزب الله»، بما يفاقم الخطر على المصالح الأميركية في المنطقة، وعلى حلفاء واشنطن بصورة خاصة».
وفي هذا السياق، نقل موقع «أكسيوس» الأميركي عن مسؤولين أميركيّين قولهم: «إنّه على رغم من أنّ الرئيس ترامب أرجأ الضربة في الوقت الحالي، إلّا أنّ العملية العسكرية ضدّ إيران لا تزال مطروحة بقوّة، وثمة قرار آخر قد يُتخذ في غضون أسابيع».
يُشار في هذا السياق، إلى ما أعلن عنه الإعلام العبري بالأمس، من أنّ طائرة الحكومة الإسرائيلية، أقلعت بنتياهو إلى مكان مجهول للمرّة الثانية في أقل من أسبوع، علماً أنّ ثمة تقديرات مرتبطة بحركة هذه الطائرة الأسبوع الماضي، رجّحت أن تكون واشنطن، التي يزورها رئيس «الموساد» لبحث تطوّرات الملف الإيراني.
مجموعة إرباكات
داخلياً، يتقلّب المشهد الداخلي على صفيح إرباكات وضغوطات داخلية متعدّدة الأشكال والألوان السياسية والإقتصادية والأمنية، يتصدّرها الورم المتزايد في الخاصرة الجنوبية، الذي تفاقمه إعتداءات إسرائيلية وزّعت غاراتها الجوية التي زادت عن 14 غارة من الطيران الحربي، على مناطق واسعة، طالت مجرى نهر الليطاني بالقرب من خراج بلدتَي السريرة وبرعز، والمنطقة بين بلدتَي أنصار والزرارية، وعلى الوادي بين جرجوع واللويزة ومحيط نبع الطاسة، وعلى المنطقة الواقعة بين كفرملكي وبصليا، وعلى المحموديه في قضاء جزين.
وبرّرت إسرائيل هذه الغارات بأنّها استهدفت أهدافاً وبنى تحتية ومواقع إطلاق صواريخ وتخزين أسلحة تابعة لـ«حزب الله»، وتزامن ذلك مع استباحة شاملة للأجواء اللبنانية في الجنوب وصولاً إلى أجواء الضاحية الجنوبية.
وتتزامن هذه الإعتداءات، التي ازدادات وتيرتها في الأيام الأخيرة، مع «تعطيل» أو «تجميد» اجتماعات لجنة «الميكانيزم»، الذي أحاطته تكهّنات متعدّدة، ربطت عدم اجتماع اللجنة، تارةً بسبب إبعاد مورغان أورتاغوس عنها، وتارةً بالرفض الأميركي بتفعيل الحضور الفرنسي في اللجنة، وتارةً ثالثة بوجود رئيس اللجنة الجنرال الأميركي جوزف كليرفيلد في واشنطن.
وفي ظل عدم صدور أي توضيح من قِبل اللجنة حول تعطيل اجتماعاتها أو تجميدها، أبلغ مسؤول رفيع إلى «الجمهورية» قوله: «سبب عدم الإجتماع هو أنّ هناك مَن يطرح إجراء تعديل على تركيبة «الميكانيزم»، ليقتصر حضورها على المدنيِّين من دون العسكريِّين. وملامح هذا الطرح بدأت تتبدّى في الإجتماع ما قبل الأخير، حين جرى افتعال أزمة غير منتظرة، تبدّت في الدفع من قِبل بعض أطراف اللجنة، وتحديداً من قِبل إسرائيل، إلى إبعاد الفرنسيين خارج اللجنة».
وبحسب المسؤول الرفيع، «فإنّني لا أعتقد أنّ اللجنة قد تعطّلت، علماً أنّنا على رغم من التحفّظات الكثيرة على عمل «الميكانيزم»، فإنّنا متمسكون ببقائها كآلية مواكبة ومراقبة لاتفاق وقف الأعمال الحربية، علماً أنّ تعطيل اجتماعاتها، أو تعطيل دورها، ينطوي على إشارة شديدة السلبية، تفتح الباب على احتمالات وربما تداعيات صعبة».
واستدرك قائلاً: «لا أعتقد أنّ اللجنة ستتوقف عن الإجتماع، الأميركيّون يريدونها قبل أي طرف آخر. وبدورنا نحن متمسكون بها، ومن هنا، كنّا وما زلنا نؤكّد وجوب حصول تغيير في أدائها، ولاسيما لناحية القيام بالدور المناط بها حرفياً، والضغط على إسرائيل لوقف اعتداءاتها واستهدافاتها».
التأجيل وارد
على المقلب الداخلي الآخر، لا حديث جدّياً عن المرحلة الثانية من حصر السلاح شمال الليطاني، سوى بالسجالات المحتدمة بين «حزب الله» وخصومه في الداخل وخصوصاً في داخل الحكومة، وكذلك في ما تبدو أنّها «سجالات غير مباشرة» بين الحزب ومستويات رفيعة في الدولة. ووسط هذه الأجواء، شاعت أخبار في أوساط مختلفة في الساعات الأخيرة، عن زيارة لقائد الجيش العماد رودولف هيكل إلى واشنطن مطلع الشهر المقبل، ومهمّة الجيش في تنفيذ قرار الحكومة بحصر السلاح، في صلب جدول أعمال الزيارة.
وعلى خطٍ موازٍ، وفيما أكّدت مصادر لجنة المال والموازنة أنّ دراسة مشروع موازنة العام 2026 قد بلغ خواتيمه، رجّحت مصادر عين التينة عقد جلسة عامة للمجلس النيابي لإقرار الموازنة قبل نهاية الشهر الجاري.
وفي موازاة هذا الملف، يتأهّب الملف الإنتخابي للطغيان قريباً على المشهد الداخلي بصورة عامة، وبحسب معلومات موثوقة، فإنّ التحضيرات جارية لعقد جلسة تشريعية مرتبطة بالملف الإنتخابي حصراً، لإقرار مجموعة من التعديلات على القانون الإنتخابي النافذ، ولاسيما المواد المتلعقة بالبطاقة الإنتخابية والـ«ميغاسنتر»، ووقف العمل بالدائرة 16 المخصّصة للمغتربين.
وإذ جزمت مصادر مطلعة على الحراكات المرتبطة بالملف الإنتخابي بأنّ تصويت المغتربين لكل المجلس النيابي من أماكن إقامتهم في الخارج، بات خارج التداول، ومشروع الحكومة الذي أرسلته بصفة العجلة إلى المجلس لمنح المغتربين حق الإقتراع من أماكن إقامتهم، بات بحُكم غير الموجود.
ورداً على سؤال لـ«الجمهورية»، أكّد مرجع كبير أنّ الانتخابات ستجري حتماً، ولا يوجد أي توجّه لتمديد ولاية المجلس النيابي، إلّا أنّه أشار إلى احتمال إجراء تمديد تقني لا سياسي، مداه الأقصى شهران، فبدل أن تجري الإنتخابات في أيار، يمكن ان تجري في شهر تموز، وسبب هذا التأجيل هو إتاحة المجال للمغتربين الراغبين بالمشاركة في العملية الإنتخابية، بالسفر إلى لبنان، والمشاركة في الإقتراع.
في سياق متصل، جدّد رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون أمام زواره في القصر الجمهوري في بعبدا أمس، التأكيد على إصراره على إجراء الإنتخابات النيابية في مواعيدها. ودعا اللبنانيِّين إلى الإقتراع بكثافة، وانتخاب مَن يمثلهم وليس مَن يشتريهم بالمال، لأنّ مَن يشتريكم اليوم يبيعكم غداً، ومَن يحمل مشروعاً سياسياً واضحاً في خدمة الوطن، وليس مَن يُقدِّم خدمات آنية.
وأكّد «أنّ الانتخاب هو مسؤولية شخصية وفردية، وحق مقدّس لكل مواطن، وعليه أن يمارسه بضمير حي ووعي وطني».
حرص سعودي
من جهة ثانية، أبدى السفير السعودي في لبنان وليد البخاري «حِرص السعودية على أمن واستقرار لبنان، والوقوف إلى جانب الدولة ومؤسساتها وشعبها، ولن تتخلّى عن دعمها ودورها الأخوي تجاه أشقائها».
كلام البخاري جاء بعد زيارته دار الفتوى، ولقائه مفتي الجمهورية الشيخ عبد اللطيف دريان. وفي بيان عن اللقاء أنّه: «تخلّله تأكيد دعم الجيش اللبناني ودوره في حصر السلاح وانتشاره في الجنوب الذي يعزّز سيادة الدولة على كامل أراضيها، ويشكّل ضمانة وحصانة أمنية وعسكرية وحيدة لحماية حدود الوطن، وانتشاره يُعيد الثقة بالدولة ويُشعر المواطن بالطمأنينة وبالاستقرار ويسرّع في إعادة الإعمار بمساعدة دولية». كما جرى التشديد على «أنّ خلاص لبنان ونهوضه لا يكونان إلّا بحصر السلاح نهائياً من كامل الأراضي اللبنانية وحصره بيَد الدولة واستكمال الإصلاحات ودعم العهد والحكومة والإسراع في تنفيذ بيانها الوزاري وإنجاز الاستحقاقات بمواعيدها والإلتزام بالدستور واتفاق الطائف وتعزيز وحدة اللبنانيِّين».
وأمل دريان بـ«التوصّل إلى تسوية سياسية وأمنية»، مقدّراً «عمل اللجنة الخماسية ومساعيها وجهودها المميّزة لمساعدة لبنان وخروجه من أزماته، وتجنيبه مخاطر توسّع العدوان الإسرائيلي على أراضيه».