كتب الدكتور جورج نجم: "في عالمٍ تُقاس فيه الرؤية — وبالتالي الشهرة والصورة والسمعة — في كل ثانية، يصبح صمت المؤسّسة والعلامة التجارية بمثابة غيابٍ مُكلفٍ جدّاً. وهذا الغياب قد يعكس نقصاً في الرؤية الاستراتيجية، أو تخلّفا عن مواكبة إيقاع التسويق الحديث، أو أحياناً انعدام للجرأة موروثة من عقودٍ من التحفّظ الاتصالي.
تفرض الاستراتيجية المعروفة بـ"Always On" أي دائماً في وضع التشغيل، أو "تواصلاً لا ينطفئ" — نفسها اليوم كرافعة رئيسية لخلق القيمة. فبعيداً من كونها مجرد نزعةٍ رقمية، تستند هذه المقاربة إلى أبحاثٍ علمية رصينة نُشرت في المجلة العلميّة المرموقة جداً. Journal of Marketingوقد أثبتت هذه الدراسة أنّ التكرار والاستمرارية في التواصل الرقمي، خصوصاً عبر المنصات الاجتماعية، يؤثّران بشكلٍ مباشر في الأداء المالي للمؤسسات. إنّها صدمة علمية حقيقية لعالم الأعمال: البحث الأكاديمي يؤكّد ما كان يدركه الممارسون بالفطرة — الكلمة، حين تستمر، تخلق القيمة.
من الحضور إلى الأداء
في دراسةٍ رائدة أعدّها Lacka ، Boyd، Ibikunle، وKannan (2022) تم تحليل الأنشطة الرقمية لشركاتٍ أميركية كبرى. وجاءت النتائج واضحة: العلامات التي تنشر بانتظام — وأحياناً مراتٍ عدّة في اليوم الواحد،"Always On" تشهد ارتفاعاً في قيمتها السوقية وتثبيتا لاستقرارها المالي. هذا السلوك يقلّص ما يسميه الباحثون "عدم تماثل المعلومات"، فيجعل العلامة أكثر وضوحاً وتوقّعاً، وبالتالي أكثر جدارة بالثقة. إنّ العلاقة بين الظهور والأداء تتجاوز إذن مجرّد الشهرة: ففي اقتصاد الانتباه، تُبنى الثقة على الاستمرارية.
حين تُلهم السياسة علم التسويق
تجلّت هذه المقاربة ربّما من دون توجّه نظري في تجربة الرئيس الأميركي دونالد ترامب. خلال حملاته الانتخابية، اعتمد ترامب استراتيجية "تغريدٍ مكثّف" بلغت حدّ التغريدة كل ساعة تقريباً. انتقده البعض واصفين أسلوبه بـ"إسهال التغريدات"، غير أن هذه الحضور الرقمي الطاغي مكّنه من كسر الحصار الإعلامي، وفرض أجندته الخاصة، وصياغة الرأي العام مباشرةً. في المقابل، التزمت كمالا هاريس، التي نُصحت بالاتزان والتّحفظ، صمتاً استراتيجياً قاتلاً. والنتيجة: عاد ترامب إلى البيت الأبيض بانتصارٍ مليء بالدروس. العبرة التسويقية واضحة: من يملأ الفضاء السردي ينتصر في معركة الصورة والإدراك.
العلامة ككائنٍ حي
أثبت Kumar وشركاه (2016) أن "المحتوى الذي تُنتجه العلامة نفسها — firm- generated content / FGC — يرفع الولاء والتفضيل، شرط أن يكون منتظماً ومتسقاً". بمعنى آخر، العلامة التي تتحدث باستمرار تبني علاقةً، وتعزّز شرعيتها، وتلهم الثقة. وأكّد Meire وشركاه (2019) أن "أداء المحتوى يعتمد بقدرٍ متساوٍ على انتظامه كما على ملاءمته". فالعلامات التي تحافظ على وتيرةٍ ثابتة، ولو من خلال "ميكرو-محتويات"، تبقى حاضرة في الوعي العام وهي الظاهرة المعروفة باسم علميّاً بـ top-of-mind salience".
السمعة في الزمن الآني
يذكّر Rust وشركاه (2021) بأن "السمعة لم تعد تُبنى ببطء، بل تتشكل لحظياً". أيام قليلة فقط من الصمت قد تخلق فراغاً معلوماتياً تملؤه فوراً علاماتٌ أخرى منافسة. وعلى العكس، فإن العلامة "Always On"، الحاضرة دوماً في السمع والبصر، ترسّخ حضوراً بنيوياً شبه دائم.
أمثلة من عالم البنوك والرفاه والعلامات المعروفة ب «الهادئة»
بعد عقودٍ من التحفّظ، اعتمدت مؤسسات ماليّة عريقة مثل American Express، JPMorgan، BNP Paribas، HSBC نهج النشر المستمر. لم تعد غايتها "التواصل" بالمعنى الكلاسيكي للكلمة، بل "تنشيط العلاقة": الطمأنة، الإعلام، وتأنيس الصورة. الأمر نفسه ينطبق في عالم الرّفاه والفخامة: علامات كُبرى مثل Hermès، Louis Vuitton، Cartier، Chanel تنشر الآن بانتظام بعد صمتٍ مؤسساتي طويل وتحفّظ تاريخي معروف. وشمل التحوّل أيضاً علاماتٍ توصف بـ"الهادئة (Heckler & Koch) ، والأسلحة (Beretta) Lockheed Martin ، Airbus والدفاع والطيران، Samsonite السفر، Victorinox الأدوات، Montblanc الكتابة، Maserati السيارات الفاخرة، Rolex الساعات الراقية، إضافة إلى التكتلات الآسيوية المتعددة النشاطات مثل Yamaha، Mitsubishi، Hyundai. حتى المصنعون الصينيون الجدد كـ BYD وJetour تبنّوا هذا المنحى، لا بدافع الموضة، بل لأن الحوار الرقمي أصبح أداةً لإدارة الهوية المؤسسية.
نحو ثقافة التواصل المستمر
إنّ اعتماد استراتيجية "Always On" ليس "إفراطاً في التواصل"، بل هو رفضٌ للخوف وللغياب. وهو يستلزم بنيةً رقمية مرنة، وصوتاً متّزناً، وقدرة على التنويع بين الخطابات المؤسسية والإنسانية والعاطفية والتراثية. ختاماً، لم تعد المسألة المطروحة: "هل يجب أن ننشر؟" بل أصبحت: «هل يمكننا تحمّل كلفة الصمت؟"