كتب طارق أبو زينب في صحيفة "نداء الوطن":
في منعطف سياسيّ مفصليّ يعيد تحديد موقع سوريا على خريطة الإقليم والعالم بعد سنوات من الحرب والفوضى، أدلى الرئيس السوري أحمد الشرع بتصريح لافت أمام وفد إعلامي عربي وخليجي رفيع المستوى، حمل رسائل واضحة ومباشرة إلى الداخل والخارج. أعلن الشرع رفضه القاطع أيَّ ارتباط بتيارات الإسلام السياسي، وعلى رأسها تنظيم "الإخوان المسلمين" والتنظيمات الجهادية، مؤكدًا أنه لا يمثل امتدادًا لموجة "الربيع العربي"، وأشار أيضًا إلى أنّ جميع الأيديولوجيات القومية والإسلامية في المنطقة قد فشلت. ويأتي هذا الموقف بالتزامن مع إعلان وزارة الخزانة الأميركية رفع العقوبات عن سوريا، فاتحًا الباب أمام مرحلة سياسية وديبلوماسية جديدة قد تعيد رسم أولويات الدولة ومساراتها على الصعيدين الإقليمي والدولي.
ومن المتوقّع أن يلقي الرئيس الشرع في شهر أيلول كلمة أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك، ليصبح أوّل رئيس سوري يخاطب الأمم المتحدة منذ عام 1967، ما يعكس الأهميّة الدولية المتنامية لسوريا في هذا التوقيت الحرج.
في خطوة إضافية، دعا مستشاره الإعلامي أحمد موفق زيدان جماعة "الإخوان المسلمين" إلى حلّ نفسها، في مؤشر واضح على أنّ مرحلة ما بعد الحرب لم تعد تحتمل أعباء سياسية وأمنية تهدّد استقرار البلاد، ويضع الإسلام السياسي في سوريا أمام لحظة الحقيقة التاريخية.
تمسّك "الإخوان" بالماضي يضرّ بسوريا، كما أوضح زيدان، الذي اعتبر أنّ التمسّك بالهيكل التنظيميّ التقليديّ للجماعة يبعدها عن السياق الوطني الجديد ويحدّ من قدرتها على التأثير الإيجابي. وأضاف أنّ غالبية كوادر الجماعة متقدّمون في السنّ، وأنّ الفجوة العمرية بينهم وبين الشارع السوري، إضافةً إلى القطيعة الطويلة، تجعلهم غير قادرين على التجدّد أو المساهمة الفعلية في بناء الدولة. ورغم أن الخطوة أثارت مخاوف لدى المعارضة العلمانية والقومية، إلّا أن تصريحاته الأخيرة بدّدت تلك المخاوف، إذ دعا صراحة إلى إنهاء وجود الإخوان، معتبرًا أن حلّ التنظيم اليوم سيخدم البلد الذي هو رأسمالنا جميعًا ومقصدنا كلّنا .
مأزق "الإخوان" والتشبيه بالديناصورات
شبّه زيدان وضع الجماعة بالديناصورات التي عجزت عن التأقلم مع الظروف الجديدة فانقرضت. فالتنظيم، بحسب رأيه، محكوم بالاندثار إذا أصرّ على التشبّث بكيانه التاريخي، خصوصًا أنّ أنظمة إقليمية ودولية لم تعد تتساهل مع الأيديولوجيات العابرة للحدود. وحتى في تجاربها خارج سوريا، لم تتردّد الجماعة في تبديل اسمها وواجهاتها السياسية، لكنّ الهدف الثابت كان السلطة لا المصلحة الوطنية.
الإخوان" بين الوصاية على الدولة والهشاشة السياسية
بحسب مصادر ديبلوماسية سورية، لا يزال العقل الإخواني أسير نزعة الوصاية على الدولة، في صيغة تشبه ما يُعرف في إيران بـ "مجمع تشخيص مصلحة النظام"، أي هيمنة فكرية وتنظيمية تجعل الدولة أسيرة أجندة الجماعة. هذا الطموح السلطوي، الذي يتناقض مع أبسط قواعد التعدّدية، حوّل التنظيم إلى "دولة داخل الدولة"، تدير دولاب مصالح ضخمًا يصعب التفريط فيه، وهو ما يفسّر رفضه فكرة الحلّ أو التخلي عن بنيته التي حافظ عليها لعقود.
سوريا الجديدة لا تتّسع للكيانات الموازية
وبحسب مراقبين، لم تعُد سوريا الجديدة تتّسع لكيانات موازية تتنازع على الحكم، خصوصًا أنّ سجلّ "الإخوان" مثقل بمحاولات زعزعة الاستقرار ومناوشة الأنظمة السابقة. الإدارة الحالية برئاسة أحمد الشرع تبدو حازمة، إذ لن تقبل بأيّ شراكة تُضعف هيبة الدولة أو تعيد إنتاج الهشاشة السياسية والأمنية التي عاشتها البلاد سابقًا.
"الإخوان" بين الأردن ولبنان: خيوط الامتداد الإقليمي
تشير مصادر سورية حقوقية، إلى أنّ "الإخوان السوريين" لطالما ارتبطوا بالتنظيم الدولي، ما أتاح لهم شبكة دعم سياسية ومالية عابرة للحدود. العلاقة مع "إخوان الأردن" كانت الأكثر رسوخًا، بحكم الجغرافيا واللجوء التاريخي لقياديين سوريين إلى عمان منذ الثمانينات، حيث شكّلوا مع نظرائهم الأردنيين جبهة متقاربة في الطرح السياسي والتنظيمي. أما في لبنان، فاقتصرت الصلات على تنسيق محدود مع "الجماعة الإسلامية"، من دون أن يرقى إلى مستوى التحالف البنيوي، ما جعل حضور الإخوان أقرب إلى التعاطف السياسي منه إلى شراكة فعلية. ومع ذلك، ظلّ هذا الامتداد الإقليمي جزءًا من إشكالية الجماعة في سوريا، إذ غذّى مخاوف من ولاء خارجي على حساب الهوية الوطنية السورية.
عودة "الإخوان" وغربتهم عن الواقع
وتضيف المصادر أنّ العودة بعد نصف قرن من الغياب جعلت الإخوان غرباء عن مجتمع تغيّر جذريًا. فقد ظلّوا أسرى خطاب تقليدي يتجاهل التحوّلات الكبرى ويتعامى عن موجة رفض عربية وغربية متصاعدة ضد التنظيم. خياراتهم محدودة ومكلفة: إما الانصياع لمقتضيات الواقع وحلّ أنفسهم، أو الاستمرار في العناد، ما يؤدي حتمًا إلى مزيد من التآكل والعزلة وربما الصدام المباشر مع الدولة السورية الجديدة.
رسالة "الإخوان" إلى إيران وتحوّل الموقف
بحسب مصدر رفيع المستوى مقرّب من الحكومة السورية صرّح بأنه رغم محاولات "الإخوان المسلمين" الظهور بصيغ جديدة، فإنّ هذه المناورة لا تكفي لتجاوز أزمتهم، إذ بات الرأي العام في سوريا ومعظم الدول العربية ميّالًا إلى القطيعة مع مشاريع الإسلام السياسي بعد تجاربهم السابقة من أعباء وانقسامات. وفي حزيران 2025، بعث القائم بأعمال المرشد العام، الدكتور صلاح عبد الحق، رسالة إلى المرشد الإيراني علي خامنئي أعلن فيها دعم الجماعة الكامل للجمهورية الإسلامية الإيرانية، في انعطافة مثيرة للجدل عكست ارتهان "الإخوان" لمحاور إقليمية على حساب أولويات الداخل السوري.
الأخطر بحسب مراقبين، هو صمت أجنحة "الإخوان" في بعض الدول، وخاصة تنظيم الإخوان في لندن، الذي اكتفى بدور المتفرّج، ما حمّل الجماعة كلفة سياسية وأخلاقية إضافية، ورسّخ الانطباع بأنّ القيادة عاجزة عن امتلاك قرار مستقلّ، لتظهر "الإخوان" في موقع التابع لا الفاعل.
بداية نهاية صفحة "الإخوان" في سوريا
من هنا، يبدو أنّ موقف الشرع ودعوة مستشاره أحمد زيدان متّسقان مع مسار إقليمي ودولي يرى في "الإخوان" عبئًا أكبر من كونهم حلًا. هي لحظة الحقيقة بالنسبة إلى الجماعة: سوريا الجديدة تتجه نحو إغلاق صفحة الإخوان إلى غير رجعة، مع رسالة واضحة لكلّ القوى السياسية بأن لا مكان للكيانات الموازية في الدولة الحديثة.