لا أعرف رقماً دقيقاً للقمة العربية الطارئة التي التأمت في القاهرة، قبل أيام، فقد نسيت الأرقام منذ القمة العربية الأولى في القاهرة والتي التأمت لأول مرة عام 1964، بدعوة من الرئيس المصري الراحل جمال عبد الناصر، بهدف التصدي لخطط اسرائيلية لسرقة مياه نهر الأردن، لكنني أعرف أن ملفاً واحداً هيمن على غالبية ملفات القمم العربية العادية منها والطارئة، هذا الملف عنوانه كان من كلمة واحدة "فلسطين".
تعددت القمم لكن جداول أعمالها ظلت تتداول تطورات ساخنة أو ملتهبة أو حتى متفجرة، دون أن تسنح لها فرصة حقيقية لتداول هادئ لخطط أو رؤى عربية، تطرح استراتيجية متكاملة، أو تناقش مدى التطور في إنجاز مراحلها، كانت القمم العربية في أغلبها تتعامل مع ما هو طارئ بأكثر مما تتناول ما هو أصيل أو مقيم، ولا أكاد أذكر من بين عشرات القمم العربية، سوى قمتين وضعتا عناوين استراتيجية تحمل روية عربية لمستقبل ما، الأولى كانت قمة الخرطوم التي انعقدت في 29 آب/أغسطس 1967، بعد أسابيع فقط من حرب حزيران/يونيو، التي انتهت بهزيمة ثقيلة للعرب، وجاءت قمة الخرطوم لترفع شعار اللاءات الثلاثة (لا مفاوضات مع إسرائيل..لا صلح مع إسرائيل..لا إعتراف بإسرائيل)، وكلنا يعرف الآن ما آل إليه مصير لاءات الخرطوم الثلاثة.
أما القمة الثانية، فهي قمة بيروت العربية التي انعقدت في 27 آذار/مارس 2002، بعد شهور من هجمات أيلول/سبتمبر في نيويورك وواشنطن، حين انفلت عقال القوة الأميركية باتجاه الانتقام من المسلمين والعرب متسائلاً: "لماذا يكرهوننا؟!". وقتها أراد العرب في قمة بيروت أن ينفوا عن أنفسهم شبهة كراهية الغرب، وأن يطرحوا رؤيتهم كطلاب سلام، حملت عنوان مشروع السلام العربي، والذي طرحه سمو ولي العهد السعودي (آنذاك)، الملك عبدالله بن عبد العزيز، بشأن تطبيع العلاقات العربية- الإسرائيلية شريطة انسحاب إسرائيل الى حدود الرابع من حزيران 1967.
فيما عدا ذلك، ظلت القمم العربية وأغلبها طارئ يتعامل مع طارئ مثله، بما في ذلك قمة القاهرة الطارئة التي التأمت قبل أيام، للتعامل مع طارئ مثلها جسدته رغبة الرئيس الأميركي دونالد ترامب بالسيطرة على قطاع غزة وترحيل سكانه، وتحويله الى "ريفييرا فرنسية" شرقي المتوسط.
ملفات طارئة، تستدعي قمماً طارئة، لكن الحصاد في أغلب الأحوال ضئيل جداً أو حتى معدوم، غير أن القمة الأخيرة التي التأمت في القاهرة، بدت أكثر واقعية، وتحلت سواء في جدول أعمالها، أو في بيانها الختامي، بروح عملية، فعنوان القمة هو "قمة فلسطين"، وكأنما اسم فلسطين يستصرخ الضمير العالمي من تحت أنقاض غزة: "الحقونا"! أما جدول أعمال القمة، فهو لأول مرة عبارة عن "خطة".. آه والله، خطة مصرية، تبناها عرب قمة الرياض الأخوية، وقمة القاهرة الطارئة، فأصبحت خطة عربية، تشتمل لأول مرة على أولويات عمل وتكاليف وجدول زمني مضغوط.
الهدف الرئيسي للخطة هو "إعادة إعمار غزة خلال فترة لا تتجاوز الخمس سنوات دون تهجير سكانها ولو بصفة مؤقته".
تنجح الخطط إذا توفرت لها الإرادة، والتمويل، والوقت، وهي عناصر يمكن توفيرها أو حشدها، وقد تناولتها الخطة المصرية "تقنياً"، لكن أكثر عناصر الخطة تعقيداً، هي أنه يتعين الإجابة مسبقاً عن سؤال يتعلق بمصير حركة حماس، وبحجم دورها في عملية إعادة الإعمار، ويستدعي السؤال بشأن مستقبل حماس ودورها، سؤالاً أعمق وأصعب حول مصير سلاح حماس، وهل ستقبل الحركة بنزع سلاحها، أو تسليمه لطرف دولي او إقليمي لمدة عشر سنوات، على سبيل المثال، يتعين أن يتم خلالها انجاز مشروع حل الدولتين الذي ارتضاه المجتمع الدولي، ثم عادت الولايات المتحدة وإسرائيل إلى إنكاره وتحدي فرصه في النجاح.
رفض ترامب للخطة المصرية التي تبنتها القمة العربية، وتتبناها لاحقاً قمة إسلامية –تضم 57 دولة - استند إلى اعتبارها خطة حسنة النية، لكنها غير كافية من وجهة نظر ترامب. وأظن أن تركيز عرب الحل والعقد، على آليات تطبيق الخطة على الأرض، خصوصاً استبعاد أي دور لحركة حماس في مستقبل إدارة قطاع غزة، وكذلك تخلي الحركة عن سلاحها، ولو لفترة مؤقتة لا تتجاوز العشر سنوات، يجري خلالها تأهيل غزة أرضا وبشراً لإدارة ذاتها ضمن وحدة اقليمية فلسطينية تشمل الضفة الغربية والقدس الشرقية.
أي جهد يستهدف نجاح الخطة ينبغي أن يبدأ بمناقشة اليوم التالي بعد إنجاز خطط إعادة الإعمار، التي لا يمكن أن تنجح دون ضمانات حقيقية، بأنه لا حرب بعد اليوم، وبأن السلام ربما بات الممكن الوحيد.
الطريق الى إعادة الإعمار في غزة، لن يكون مفروشاً بالورود، فإسرائيل ترى أن وجود ترامب في البيت الأبيض هو فرصة لا ينبغي تفويتها لإنجاز مشروعها للسيطرة على فلسطين التاريخية، وترامب نفسه يرى أن حلم إسرائيل مشروع، وهو الذي قال قبل أيام من تسلم مهام الرئاسة، إنه نظر إلى الخارطة فوجد أن إسرائيل صغيرة جداً، مقارناً بين قلم يحمله (يمثل إسرائيل) والمكتب الذي يجلس عليه (يمثل العالم)، وأنه لا بد من "تكبير" حجم إسرائيل.
بالشكل الراهن، فإن فرص التصدي لخطة ترامب، قائمة، وكبيرة، لكنها تحتاج إلى مهارة كسب الوقت، وبراعة تسويق الأفكار.