مازال بعض كتاب الدراما العربية يعتمدون على تحقير المرأة كوسيلة لإضفاء الطابع الكوميدي على أعمالهم، متجاهلين التأثير العميق لهذا النهج في ترسيخ الصور النمطية وتعزيز النظرة الدونية تجاه النساء في المجتمع، وهو ما يبرز في مسلسل "أم أربعة وأربعين" للكاتبة هبة مشاري حمادة والمخرج الليث حجو الذي يعرض حالياً في منصة "شاهد".
ولا تقتصر مثل هذه الكوميديا الرخيصة على الشاشة فحسب، بل تمتد لتصبح جزءاً من الثقافة العامة القائمة على تطبيع إهانة واستحقار المرأة، في وقت تخوض فيه النساء معركة مستمرة لنيل حقوقهن الأساسية وتحقيق قدر من التقدير والإنصاف في المجتمع. ويجسد المسلسل الرمضاني الجديد مثالاً واضحاً على ذلك، حيث يبدأ ببرومو مصمم بأسلوب وثائقي يحاكي قناة "ناشيونال جيوغرافيك" العالمية مع تعديل طفيف على الاسم ليصبح "ناشيون غرافيك".يبدأ البرومو بالتعريف بأقوى الكائنات في الغابة، مسلطاً الضوء على عالم الحشرات، وتحديداً حشرة أم أربعة وأربعين، متسائلاً عن طبيعة هذا الكائن المعقد، قبل أن يستعرض لقطات لكل واحدة من بطلات العمل، مقرونة بصفة تنسب إلى الحشرة. وينتهي البرومو بتعليق ساخر من الرواي: "مع اعتذارنا لويكيبيديا، فإن التعريف الأدق لأمّ أربعة وأربعين هو كل أنثى تجاوزت سن الرابعة والأربعين".والحال أن تشبيه النساء بالحشرات ليس مجرد نكتة عابرة، بل هو امتداد لخطاب تحقيري متجذر في التاريخ والثقافة. لطالما استخدمت هذه التشبيهات لإقصاء المرأة والنيل من مكانتها، فمنذ العصور القديمة ارتبطت النساء بالعناكب، في استلهام من الأساطير الإغريقية، حيث تجسد أسطورة "أراكني" هذا التصور، إذ كانت امرأة بارعة في النسيج، تحدت الآلهة أثينا في مسابقة للحياكة وتفوقت عليها، ما أثار غضب أثينا التي عاقبتها بتحويلها إلى عنكبوت.تعكس هذه الأسطورة الخوف من النساء الموهوبات والمستقلات، حيث جُرّدت أراكني من إنسانيتها وصُوّرت ككائن متعجرف يستحق العقاب، واستمر هذا التشبيه حتى اليوم، إذ يستخدم مصطلح "الأرملة السوداء" في الإشارة إلى النساء الماكرات اللواتي يتهمن بإيقاع الرجال في الفخاخ العاطفية، تماماً كما تفعل العنكبوت التي تحمل الاسم نفسه عند اصطياد فرائسها، في تأكيد على استمرار الصورة النمطية التي تربط قوة المرأة واستقلاليتها بالخداع والمكر.وتلعب الاستعارات اللغوية دوراً خطيراً في تشكيل الصور النمطية، خصوصاً عندما توظف في المسلسلات الكوميدية والإعلانات، لتصبح جزءاً من الوعي الجماعي، مؤثرة في الجمهور إذا لم تقابل بنقد كاف.وتشبيه النساء بالحشرات في مسلسل يجمع نجمات بارزات من العالم العربي، مثل سمية الخشاب وجومانة مراد وفاطمة الصفي وهدى الخطيب، ربما يتحول إلى أداة للتنمر ضد النساء اللواتي تجاوزن الـ44 من عمرهن، لأن هذه السخرية لا تبقى على الشاشة، بل تمتد إلى الواقع، حيث تعزز النظرة الدونية للمرأة وتبرر التنمر ضدها بذريعة المزاح.وعندما يعاد إنتاج هذه التشبيهات باستمرار، فإنها تجعل الخطاب التمييزي يبدو طبيعياً، ما يؤثر على مكانة النساء في المجتمع، فيما لا يمكن اعتبار السخرية من النساء عبر التشبيهات المسيئة مادة كوميدية بريئة، بل انعكاساً لخطاب تمييزي يسهم في تطبيع الإهانة وتقليل شأن المرأة في الوعي الجماعي.وعندما تتبنى الدراما مثل هذه الصور النمطية، فإنها لا تكتفي بعكس الواقع، بل تساهم في إعادة إنتاجه وترسيخه. لذلك، لا بد من وعي نقدي يرفض هذا النهج، ويدعو إلى تقديم أعمال فنية ترتقي بالمجتمع بدلاً من تعزيز التحيزات الجندرية.والكوميديا الحقيقية ليست في السخرية من الآخرين، بل في قدرتها على إضحاك الناس من دون إقصاء أو إهانة، وهذا ما يجب أن يسعى إليه صناع الدراما إن كانوا جادين في مسؤوليتهم تجاه الجمهور والمجتمع.