"يا ذا العطايا ذا الوفا"...دارت الكلمات داخل رأسي وكنت على وشك بسط ساعِديّ نحو اليمين ثم الأعلى محرّكةً معصمَيّ بانسياب، لأعود وأضمّ يديّ إلى صدري، أميل برأسي قليلاً بينما أدور حول نفسي، المطر يبلّلني، ونقرات قدمّي تتصاعد، ومعها المياه المنسكبة على الرصيف.حصل ذلك حين هطل المطر فجأة، وكنت في أمسّ الحاجة إلى لحظات كهذه تعود بحواسي إلى سنواتٍ مضت، حين كان المطر يأخذ إلى الموسيقى، والموسيقى تأخذ إلى الرقص، والرقص يأخذ إلى سعادة صافية، من دون اكتراث ااحتمالات نزلات البرد أو بلل الشعر والملابس.كلام رومانسيّ "تسعينيّاتي" بامتياز...بدأت الحكاية في أواخر تسعينيات القرن الماضي، 1998 على وجه التحديد، السنة الأحب إلى قلبي، إذ انفتحتُ فيها على الحبّ والتمرد والقراءة والموسيقى والصداقة. انخرطتُ في صداقات صار عمرها اليوم 26 سنة، ولم تنجح الحرب ولا القارات الثلاث التي توزعنا عليها في قطع وصالنا الّذي رمّمناه، وها هو معافى ومستمرّ 365 يوماً في السنة، 24 ساعة في اليوم.في تلك السنة أُدرجت نشاطات مدرسية غير إلزامية، لكنها قد تفضي إلى نيل علامة أو اثنتين في المجموع العام لامتحان الشهادة الثانوية، أو هذا ما كانوا يوهموننا به لكي ننتسب، في سنٍّ أكثر ما كان يشغلنا فيه هو الاستسلام لدفق المشاعر الجديدة التي تفور في دواخلنا.انقسمنا حينها. اختارت ثلاثٌ مِنّا الفرقة النحاسية، وثلاثٌ فضّلن رقص السماح، وكنتُ منهنّ. لم أكن قد سمعت سابقاً بهذا النوع من الرقص، رغم أني كنت آلفه عبر شاشة التلفاز السوري الرسمي مرافقاً لأغنيات فيروز في مهرجان بصرى الشام، لكني لم أكن أعرف اسمه ولا تاريخه أو ارتباطه بالقدود والموشّحات."يا ذا الرضا يا ذا السخا"حين أطلعتُ عائلتي على خياري هذا، أبدى أبي إعجابه الشديد بالفكرة، وصار بعد كلّ درس يسألني عن الموشّح الّذي سمعناه وتدربنا عليه. فيشرح لي أن هذا المقام حجاز كار، أو رصد أو بيات. ويروي حدوتة صغيرة يحفظها أو ربّما يختلقها حول كلّ مقطوعة (يخطر لي الآن أنّ حبّ القصّ نما داخلي في تلك الأيام). وهذا ما أضاف إلى تلك الدروس متعة خاصّة، وجعلني أقرب من والدي في سنٍّ يباعد بين الأبناء وأولياء أمورهم. (يخطر لي أيضًا أنني في الكتابة أحاول مجاراة الرّقص وبراعته في تمرير الحكايا).لم يقع اختيار المدرّب عليّ لأكون من الراقصات اللواتي سيصعدن خشبة المسرح، ولم أنل علامةً إضافية، كلّ ما حصلت عليه هو هذا الشعور الذي أكتب عنه اليوم، لكنّه لطالما اعتمر في داخلي كلّما سمعت لحناً يحرّك جسدي بشكل يحاكي ذلك الرقص.قرأت مرّة جملة تصف ما أفكر فيه حول الرّقص عموماً، ورقص السّماح خصوصاً: "الرّقص فنّ زائل[1]"، بمعنى أنّه فنّ عابر، لأننا لا نستطيع أن نعيد الرّقصة ذاتها مرّتين، وأن "الزوال" أو التلاشي هو قيمة جمالية للرقص.يرتبط رقص السماح باسم الفنان الحلبي عمر البطش، الذي اجتهد في تعليمه وتطويره، فيما قلّة من الناس -ومنهم زميلات في الفرقة- يعرفون أن هذا الفنّ خرج، وفق مصادر عديدة، من مدينة منبج السورية على يد الشيخ عقيل المنبجي.في الحقيقة ليسَ نَسب السماح إلى منبج هو ما كان غائباً عن كُثُر منّا، بل منبج في حدّ ذاتها وغيرها من المدن والقرى السورية التي كانت مهمّشة لصالح مركزية المدن الكبرى. بدأ كثير منّا يألفها بعد الثورة والحرب والمآسي التي طاولتها، وكان آخرها قبل أسابيع قليلة: انفجار سيارة في مدينة منبج.الضحايا كنّ من النساء العاملات في الزراعة. قرأت الخبر مثل أي إنسان، وحزنت مثلما على الإنسان أن يحزن. قرأت الخبر مثل أي سوريّ، وحزنت مثلما على أي سوريّ أن يحزن. قرأت الخبر مثل أيّ امرأة، وحزنت مثلما على أيّ امرأة أن تحزن."إسقِ العطاش تكرمافالعقل طاش من الظما"أسلاف تلك النسوة غنّوا، تضرّعوا ورقصوا قبل مئات السنين، حين ضرب الجفاف أرضهم. استجابت السماء، الأشجار شبّت، والحياة استمرّت.يقول عدنان بن ذريل في بحثه "الموسيقى في سوريا"، إن "السماح من الشعب وإليه ومن الحياة وإليها، وإن في شعبية هذا الرقص المرن ومحليته: إنسانيته وقوته وخلوده"."يا ذا العطايا ذا الوفايا ذا الرضايا ذا السخاإسق العطاش تكرمافالعقل طاش من الظما"[2]ها أنا أرى أولئك النسوة بيننا يعقدن حلقات رقص. المناديل في كفوفهنّ، يبسطن سواعدهنّ نحو اليمين ثم الأعلى محرّكات معاصمهنّ بانسياب، ثم يضممن أيديهن نحو صدورهن، يمِلن برؤوسهن قليلاً، بينما يدُرن ويدُرن ويدُرن.._______________________
[1] The Philosophy of Dance
Aili W. Bresnahan
University of Dayton
[2] فاصل إسق العطاش