طرطوس، مدينتي التي كانت يومًا ما رمزًا للهدوء، تحوّلت في الآونة الأخيرة مسرحاً للفوضى، بعد سقوط نظام بشار الأسد! هذا التحول لم يكن مجرد تغيير في المشهد السياسي، بل بات غزو الخوف لكلّ بيت. خوفٌ من الأصوات، من الجدران التي قد تتكلم، من الطرق غير الآمنة، ومنَ المستقبل المُبهم.
أجدني غارقة في شعورٍ قديم، النقص الذي خلّفهُ غياب أبي. غيابٌ من النوع الأقسى، رجل حاضرُ بجسده، غائبٌ بروحه. أبي اختار أن يكون غائباً، أنانياً، بينما أمي تكفلت بحمايتنا وبناء حصننا النفسي. كنت أنظر إلى مكانه الشاغر وأتساءل: كيف يمكن له أن يكون غريبًا لهذه الدرجة؟ غيابه أضافَ المزيد من القلق إلى حياتي، وكأنّ كل شيء حولي يعيد صياغة درس أنّ الأمن الذي أبحث عنه لن يأتي إلا من داخلي. فقدان الأمان لم يكن طارئاُ، بل وُلد معي، حملت بداخلي خوفاً من الغرباء لا أجد له تفسيراً.مازالت أمي حتى الآن عموداً في منزل تتلاعبُ به الرياح. أذكر كيف كانت تسهر معي الليالي بلا تذمر. عند الثالثة فجراً، عندما يهاجمني الجوع، تستيقظ بنصف عين وربع قدم، تكشفُ عن ثديها الجميل وتهدهدُ سريري كأنها تعلن انتصارها، تهمس للعالم بأن ابنتها جائعة، لتسقطَ كل الآلام و معها شهوة النوم، كي أرتاحَ أنا.في أحد الأيام، انكسرت الكنبة بسبب ثقل أحد ضيوف والدي، وهو رجل ضخم وكثير النوم. كان يحتلُ منزلنا وكأنه فندق، نهاية كل أسبوع. وتلك الكنبة كانت أكثر من مجرد قطعة أثاث، الملاذ الذي تجد فيه أمي راحتها بعد جهد يوم طويل، وعندما تحطمت، كأن جزءاً من أمي تحطم معها.لكن تحطم الكنبة لم يكن وحده ما أغضبني، بل وجود غرباء في منزلنا لا يجلبونَ سوى الفوضى والقلق! وأمي، التي أجبرت على استقبالهم لتتحمل صخب صالونٍ أدبي، فتستمع مضطرةً لترهات لا تنتهي. ورغم هذا، تعاملت بصبرٍ غير عادي، وابتلعت الإهانات المبطنة كونها لم تكمل تعليمها وتزوجت. تساءلتُ مراراً: كيف استطاعت احتمال هذا كله؟لكن المفارقة أنها لم تكن مجرّد متفرجة صامتة. هذه المرأة الذكية قررت أن تواجههم، فدخلت نقاشاتهم في الدين والسياسة، الفن والأدب. كانت تطرح الأسئلة لتستفز أفكارهم، فتقلب معتقداتهم الموروثة رأساً على عقب فيما أراقبها بشغف، وكيف يصفقُ الجميع لانتصاراتها عليهم. ومن تلك الغرفة التي شهدت حروبَ الفكر، كان ذكاؤها شعلة أضاءت لي طريقي اليوم وأنا أكتب. كل كلمة أضعها على الورق هي امتداد لها. فهي الجسر الذي عبرتُه إلى العالم. كبرتُ، وورثت موهبتها المخبأة التي حملَتها بين جدران المعتقلِ العائلي. وما زلت اليوم ألفُّ حول نفسي بحثاً عن الأمان، وأسأل نفسي باستمرار: هل سأجد مبرراً لغياب أبي؟ لعله أراد أن تنقلب الأدوار، فأصبح أنا المسؤولة، كأني أنا التي أنجبته! لكن مع مرور الوقت، لم أستطع الاحتفاظ بالمشاعر، فسقطت هويتي ومحبتي، سقطت صورته التي كانت معلقة على جدار قلبي. أنا الإبنة الثانية، التي استلقت في الشوارع تلعبُ "الغميضة" مع أبناء حارتها. لُقبت بالانتفاضة كوني كنت أجمع الحصى داخل علبة دخان "الشرق" لأرمي بها أي شخص يزعجني. كنت أبحث عن وسيلة للتعبير عن غضبي، عن جرحٍ لا يُشفى، من غياب الحماية التي من المفترض أن تمنحني إياها العائلة.الدور الذي حملته أمي كان ثقيلاً. لذا، عندما نضجتُ، قررتُ أن أبحث عن أبٍ آخر! أردتُ شخصًا يمكن اللجوء إليه، يحل عقدتي، يجعل من شَربَكات الأفكار في رأسي شيئاً بسيطاً، ككنزةٍ دافئة تحميني من البرد النفسي. وبدأت البحث فعلاً، حتى أصبح الأمر مرهقاً، لكن جاء المنتظر الذي شعرت بسببه أني لست وحيدة، فلم أعد أخشى البرد.كان رجلاً يتمتع بموهبة عظيمة، وهي الاستماع. أثار هذا الاهتمام بداخلي شعوراً عميقاً بالصدمة، حتى شككتُ في حقيقة وجوده! هل هو إنسان مثلي؟ أم جن؟ لكنه أثبت دائماً أنّه إنسان. بحتُ له بأغرب قصصي وحاولت تحليل نفسي معه، وساعدني في تحطيم أصنامي. كان يلملم التعب من حروفي، يهدهد ألمي، يعلمّني كيف أتنفس حينما يهاجمني الخوف. فأصبحتُ أعذرُ أبي أكثر، وفهمت أنه ربما لم تكن لديه القوة ليصبح أباً. لكني أيضاً عذرتُ نفسي واكتشفتُ كم امتلكتُ من صفات أمي، وكيف أن لحضور الأب البديل وحضورها، تأثيرٌ رائع أشبهُ بحركة جناح الفراشة التي تثير زلزالًا في مكان آخر.لكن، بعد سقوط النظام، وتوالي الأحداث في مدينتي، عاد الخوف ومعه هواجس الحماية وغياب السكينة. أصبحت طرطوس تشبهني كثيراً، وبدأت أمي تستفسر عن كلفة باب حديدي لمنزلنا حتى تشتري لي الأمان... مرة أخرى.