لم يكن سرًّا أنّ تسمية نوّاف سلام كرئيس مكلّف بتشكيل الحكومة أثارت حفيظة ما يُعرف محلياً بلوبي المصارف. ربما نتج ذلك عن الخشية من مضي البلاد بسلّة الإصلاحات المتّفق عليها أساساً مع صندوق النقد الدولي منذ العام 2022، والتي لم تُنفّذ بفعل تواطؤ "الدولة العميقة" ضد الحلول التي لا تتناسب مع مصالح النخب الماليّة النافذة. ولم يكن مطمئنًا لهذه النخبة أن يأتي رئيس حكومة جديد، من خارج التركيبة المعتادة، مدفوعًا بزخم دولي، وفي مرحلة الحاجة لمساعدات الإعمار. وكما هو معلوم، لن يكون متوقعًا أن تتمكن أي حكومة مقبلة من المضي بمسار إعادة الإعمار، من دون إنجاز سلّة الإصلاحات الماليّة الشاملة، التي ينتظرها المجتمع الدولي.
في هذا السياق بالتحديد، جاءت الهجمة الإعلاميّة ضد سلام، من على المنصّات التي اعتادت على ترويج السرديّات "المصرفيّة" نفسها منذ سنوات. استعادت كل هذه المنصّات شبح علاقة نوّاف سلام بالمجموعات التغييريّة، كما استعادت التحذير من مخططات "تفليس المصارف" أو "رفع السريّة المصرفيّة". في تلك الهجمات الإعلاميّة، اختلط سعي بعض الأحزاب للضغط على سلام وتعزيز حصّتها الوزاريّة، مع خشية بعض النخب المصرفيّة من استحقاق التعامل مع تداعيات الانهيار المالي. فكانت الأجواء الضاغطة التي رافقت عمليّة التشكيل طوال الأيام الماضية.الـMTV والصحناويفي هذه الهجمة، لعب المنبر الإعلامي الشهير "صار الوقت" دور البطولة، فتحوّل منذ الأسبوع الماضي إلى منصّة نيران قاسية موجهة ضد سلام. استنكرت MTV عبر البرامج إقصاء المرشحين على الانتخابات النيابيّة المقبلة من التشكيلة الحكوميّة، كما استنكرت السعي لتوزير غير الحزبين. وكان ذلك مفهومًا في لحظةٍ اشتدّ فيها التفاوض بين الرئيس المكلّف والقوّات اللبنانيّة. غير أنّ البارز، إلى جانب هذه الهجمة، كان تصويب المحطة بشكلٍ متكرّر على خلفيّة سلام السياسيّة والإصلاحيّة، واحتمالات تبنّيه للحلول الماليّة المقترحة من صندوق النقد الدولي، والتي تُرعب بشكلٍ أساسي جمعيّة المصارف. هنا، عادت المحطة إلى نفس النبرة التي أشهرتها ضد كل ما اتفقت عليه حكومتا ميقاتي ودياب مع صندوق النقد الدولي.
يمكن أن نفهم كل هذه الحملة انطلاقًا من علاقة البرنامج نفسه مع داعميه. هنا، تكفي العودة إلى مقابلة الإعلامي وليد عبّود منذ تسعة أشهر، حين فسّر أسباب ابتعاده عن تلفزيون الـ "أم. تي. في."، بعد توقيع المحطّة عقدًا يعطي مارسيل غانم حصريّة البرامج السياسيّة المسائيّة على الهواء. كان وليد عبّود واضحًا: جاء غانم مع الـ Sponsor الخاص به، أي أنطون الصحناوي، الذي تولّى رعاية البرنامج وتمويله. وهكذا، بات الخطاب الاقتصادي الذي اعتمده البرنامج منذ بداية الأزمة متماهيًا مع الخطاب الذي اعتمدته سائر المنصّات الإلكترونيّة، المموّلة من الصحناوي نفسه، وخصوصًا حين ترتبط المسألة بالإصلاحات الماليّة والاقتصاديّة التي يتحفّظ إزاءها عادةً "لوبي المصارف".