من كورسك إلى غزة، جبهة واحدة للحرب بين الإمبراطورية وخصومها المتناثرين على أطلس ممتد من تايوان إلى فنزويلا، مروراً بجنوب لبنان وقلب طهران.ليس بالقوة وحدها تفرض الإمبراطورية سلطتها، فالحرب هي أداة واحدة من ضمن عدّتها، وأكثرها كلفة، وزمنها عابر ومؤقت، وتقتصر مكاناً على نطاق جغرافي بعينه. أما الهيبة، وهي أثر من آثار الحرب، فهي الأدنى كلفة، وأحياناً تكاد تكون مجانية، ومع هذا يمتد زمنها بعد الحرب ويطول، وتتمدد رقعتها لتشمل جغرافيا واسعة متجاوزة لحدود الحرب، حتى تتسع للعالم كله.اهتزت هيبة الإمبراطورية، أولاً من مركزها. حقبة دونالد ترامب المتخبطة، وصِدامات نهايتها، كانت منذرة بتآكل الديموقراطية الأميركية وكذا رسالتها الليبرالية إلى العالم. وفي مشهد اقتحام الكابيتول، تكثفت صور اجتياح البرابرة لروما، لكن هذه المرة يأتي البرابرة من داخل أسوارها لا من خارجها. الصيغة الانسحابية والابتزازية لسياسات ترامب الخارجية، أرّقت الحلفاء، خصوصاً في أوروبا، ووجد أعضاء الأطلسي ظهورهم مكشوفة، ربما للمرة الأولى منذ الحرب العالمية الثانية. أما العولمة، وهي الاسم الآخر للإمبراطورية الأميركية، فغدت هي ذاتها هدفاً لهجمات واشنطن.وإرجاع الأمور إلى نصابها، مع إزاحة ترامب من البيت الأبيض، لم يرمم الهيبة المشروخة، بل على العكس. في بداية عهد جو بايدن، كان الانسحاب الأميركي المذل من أفغانستان، ومشاهد الهرولة من مطار كابول، والأقرب إلى الهروب، فضائحية بكل المقاييس. بعد العراق، خسرت الامبراطورية حرباً أخرى في ميدان طرفيّ، مليارات الدولارات المهدرة ومئات الآلاف من الأرواح المزهوقة، وفي النهاية سلمت واشنطن البلاد لحكم طالبان بانسحاب من طرف واحد. بايدن، الامبراطور الطاعن في السن، بخطواته المتعثرة وتلعثمه، بدا وكأنه مجاز مفرط في مباشرته لشيخوخة الإمبراطورية وتحلل مركزها.لعل هذا كله كان من بين ما دفع بوتين للتجرؤ على غزوه الثاني لأوكرانيا. وجاء "طوفان الأقصى" وكأنه ضربة لقلب الإمبراطورية، وكأنه 11 أيلول آخر. حدود الأمبراطورية اخترقها البرابرة، وانهارت فجأة وبكل بيسر أمام ضحاياها الأكثر تهميشاً وضعفاً والأكثر تعرضاً للقمع وللحصار والتنكيل. القتلى والرهائن يحملون، إلى جانب جنسياتهم الإسرائيلية، جنسيات دول الحلف الامبراطوري. ما سقط ليوم واحد، كانت الحدود، أما ما تعرض للانهيار بشكل يصعب ترميمه هو هيبة التقنية العسكرية الفائقة ومناعة الإمبراطورية وحصانة وكلائها الإقليميين التي لطالما بدت مطلقة أو تكاد تكون مطلقة.الصراعات في الكونغرس بين الجمهوريين والديموقراطيين، حول دفعات الدعم المالي والعسكري لأوكرانيا، مع الانقسامات داخل الاتحاد الأوروبي حول الحرب الطويلة وطريقة إنهائها، تُرجمت على أنها بوادر مبكرة لانتصار جزئي لموسكو وهزيمة معنوية أخرى للإمبراطورية. وبالتوازي، لم تعزز الإبادة الجارية في غزة من هيبة الإمبراطورية، بل العكس، دانتها أخلاقياً ووضعت وكلاءها في لوائح مجرمي الحرب. فالقتل العشوائي وكرنفالات القسوة المفرطة، على الهواء مباشرة، عكست صورة لقوة هوجاء منفلتة تماماً، وحش إمبراطوري بلا قلب ولا عقل.الإ أن سلسلة الاغتيالات الإسرائيلية الأخيرة داخل غزة، وعبر الحدود في لبنان، وحتى في وسط طهران أثناء مراسم التنصيب الرئاسي الإيراني... كما كانت ضربات متتالية موجعة ومهينة لخصوم الإمبراطورية في المنطقة، فقد بدت أيضاً وكأنها استعادة لصورة إسرائيل القوية كلّية القدرة، والتي تصل أذرعها إلى كل مكان في الشرق الأوسط، بدقة عمليات جراحية مُحكمة. وبالمثل، في كورسيك، جاء الاختراق الأوكراني المذهل والمتواصل، ليقلب موازين الصورة، فروسيا نفسها أصبحت تحت الاحتلال الأوكراني، مثلما أوكرانيا تحت الاحتلال الروسي. تستعيد الإمبراطورية هيبتها، أو على الأقل قسطاً منها. في الحرب الأوكرانية، مازال الحسم بعيداً. أما غزة فقدر لها أن تكون موقعاً لصب جام الانتقام الإمبراطوري حتى آخر نقطة، لتصير خرائبها نصباً تذكارياً للهيبة المراد استعادتها وأكثر.
ملاحظة: نرجو ممن يرغب بإضافة تعليق، صياغته بلغة لائقة بعيدة عن القدح والذم والتحريض المختلف أو المسّ بالكرامات. إن كل ما ينشر من مقالات وأخبار ونشاطات وتعليقات، لا تعبر بأي شكل من الأشكال عن رأي الموقع الذي لا يتحمّل أي أعباء معنويّة أو ماديّة من جرّائها.
التعليقات
لارسال تعليق يرجى تعبئة الحقول الإلزامية التالية