في الواقع الثقافي والسياسي والاجتماعي، كثيراً ما يصادف أنّ أصحاب الشعارات الكبيرة والطنانة، يفعلون الشيء ونقيضه في بعض الامتحانات الحياتية، الخاصّة والعامّة. يمجّدون الحريّة، لكنهم يمارسون القمع ويناصرون الديكتاتوريات والشموليات. ينشدون الإنسانية لكن يومياتهم فيها شيء من التوحش، يحاضرون في العفّة والتطهر ويغرقون في شبر ماء الفساد. يتظاهرون من أجل حقوق المرأة وضد العنف المنزليّ، ويمارسون التحرش في الكواليس. يطالبون بالشيوعية ويعبدون رأس المال وتسليع الأشياء. يؤيدون الثورات، لكنهم حريصون على تأبيد نظام الأسد. ينددون بالطائفية، لكنهم يحرسونها. ينبذون الأرتيست، ويبحثون عن لقاء بها.في العام 2004، وبينما احتفى العالم بمئوية بابلو نيرودا، اكتُشفت قصة ابنته "مالفا" التي ولدت بإعاقةٍ في وجهها، جعلت الأب "شاعر الإنسانية" يتجاهل وجودها تماماً.... بول إيلوار، الذي عُرف في العالم أجمع بقصيدته التي تتغنّى بالحرّيّة، وكان قد كتبها كردّ على الاحتلال الألماني، كتب قصيدة بعنوان "نشيد إلى ستالين"، صدرت العام 1950، وقد استهلّها قائلاً "ستالين في قلب البشر". أمور كثيرة جعلت الروائي ميلان كونديرا يقول: "بعد الحرب، تخلى بول إيلوار عن السريالية وأصبح أكبر داعية لما يمكن أن أسميه شاعرية الشمولية. غنى للأخوة والسلام والعدالة والغد الأفضل، غنى للرفاق وضد العزلة، من أجل الفرح وضد الكآبة، للبراءة وضد التهكم. عندما حكم حكام الجنة في عام 1950 على صديق إيلوار في براغ، السريالي زافيس كالاندرا، بالإعدام شنقًا، قمع إيلوار مشاعر الصداقة الشخصية من أجل المثل العليا-فوق الشخصية، وأعلن على الملأ موافقته على إعدام رفيقه. نفّذ الجلاد الحكم، بينما كان الشاعر يُغني. وليس الشاعر فقط. ففترة الإرهاب الستاليني بأكملها كانت فترة هذيان غنائي جمعي. لقد طوى النسيان هذا كله الآن، مع أنه الأساس. يحب الناس أن يقولوا: الثورة جميلة، والشر الوحيد الذي ينشأ عنها هو الرعب فقط. لكن هذا يجانب الصواب. فالشرّ مُتضمَّن بالفعل في الجمال، والجحيم موجود في الحلم بالجنة". وفي المقابل، لم ينجُ كونديرا نفسه من تُهَم العلاقة بالأنظمة الشمولية والوشايات السياسية.ونصل الى بيت القصيدة في مقالنا... فالأكاديمي البريطاني رفاييل كورماك، في كتابه "منتصف الليل في القاهرة"(الكتب خان- القاهرة)، يصوّر هدى شعراوي، الأيقونة النسوية المصرية، بطريقة سلبية. ويتعلق الأمر بعلاقة غرامية ربطت ابنها محمد، بالفنانة أو الأرتيست فاطمة سري، في العشرينيات من القرن الماضي، وزواجه العُرفي بها. أخفى محمد شعراوي زواجه عن عائلته وأصدقائه، إلا أنه سرعان ما هجر فاطمة فور ولادتها ابنتهما "ليلى". فقررت فاطمة بدورها اللجوء إلى المحكمة الشرعية، ونجحتْ في إجباره على التكفل بمصاريف النفقة أثناء فترة مرافعات القضية بين العامين 1926-1927.معركة فاطمة سري القانونية، التي استمرت حتى العام 1931، ستصبح إطاراً لعقود من قضايا الأبوة التالية، ولم تبق ملفات القضية في أدارج المَحاكم، بل أصبحت في صدر صفحات المجلات والصحف التي نشرتْ روايتها للأحداث، كمجلة "المسرح" الأسبوعية، التي تقول إن هدى شعراوي لم تكن موافقة على ارتباط ابنها بمطربة، وإنها على أغلب الظن هي التي سعت إلى التفرقة بين الزوجين.وقالت فاطمة سري: "مصر لم تر سيدة شرقية نشرت مذكراتها حول أي حادثة من الحوادث التي صادفتها في الحياة، أو فضحت بنفسها سرّاً من أسرّارها في الصحف، لذا سيكون عملي هذا جرأة في نظر البعض، والحقيقة أنه واجب أكرهتني عليه الظروف وتكاتف شاب غني وبعض رجال المحاماة المشهورين لهضم حقوقي وإهدار كرامتي وسلب ابنتي حقها في حمل اسم أبيها الشرعي، قالوا مغنية وأرتيست، هذا صحيح ابتعدت عن الفن وعن كل شيء أثناء زواجي، وعدت بعد النزاع، فكيف أقوم بتربية ابنتي حفيدة السيدة هدى شعراوي وقد تنكّر لها أبوها"؟..وهذا ما دفع الصحافة إلى متابعة قضية فاطمة. وأجرت زميلتها الفنانة والصحافية روز اليوسف، حواراً معها، اعترفت فيه فاطمة سري بأنها تود أن تظل ابنتها بعيدة من المسرح والتخت! وإذا لم تستطع ذلك، فلا مفر من أن تكسب عيشها من التخت بين الأنوار والنظرات والأقاويل. حاولت فاطمة سري في مذكراتها استعطاف وكسب السيدة هدى شعراوي إلى صفها، لكن "الغريب أنها هي التي طالبت ابنها محمد بإنكار هذا الزواج والابتعاد عني، وهي التي تملأ المحاضرات والصحف بكلماتها للمطالبة بحقوق المرأة".ولم يكن في نيّة رفاييل كورماك، الاستهانة بإنجازات امرأة من مصاف هدى شعرواي، التي لعبت دوراً رئيسياً في الحراك النسوي المصري وفي النضال ضد الاحتلال البريطاني 1920، الى جانب سياسة سعد زغلول. بعد عودة الوفد النسائي من مؤتمر روما في العام 1923، قامت كل من شعراوي ونبوية موسى وسيزا نبراوي، بخلع حجاب الوجه (النقاب) علانية، كحركة رمزية أمام "محطة مصر للقطارات" في القاهرة. إنجازات شعراوي والأخريات مدعاة للإعجاب، ولا يمكن إنكارها بأي حال من الأحوال. لكن كورماك أراد، في الوقت نفسه، أن يكشف كتابه جانباً آخر من الحركة النسوية في مصر تلك الفترة، وهو جانب غالبا ما يتم تجاهله، لأن الرأي العام ينظر إليه وكأنه يخص طبقات دونية أو منحلة أخلاقياً.يبين كورماك من خلال قصة المطربة فاطمة سري، أنّه خلف مظاهر الحياة البراقة تلك، لم تكن معيشة الفنانات المصريات في العشرينيات والثلاثينيات بالرونق الذي نتخيله. لكن ميزة فاطمة أنها اشتهرت بخوض معركة معقدة ضد والد طفلها، من أجل إثبات الأبوة، وثابرت حتى النهاية وصولاً إلى فوزها النهائي في المَحاكم، وبقي "نضالها" ناقصاً ومهمشاً. واستغل الكاتب مصطفى أمين، القضية، ليكتب قصة فيلم بعنوان "فاطمة"، يحكي القصة من أولها الى آخرها، وكان من بطولة أم كلثوم، وقام أنور وجدي بدور "النذل" محمد شعراوي، وإن عدّل الكاتب نهاية الحكاية ليجعلها سعيدة فتناسب جمهور سينما الأربعينيات الذي كان يحب أن النهايات السينمائية السعيدة.يسأل الروائي المصري الراحل، مكاوي سعيد: "هل كان فوز فاطمة سري بالقضية، وإثبات الزواج، "نصرة قوية" فعلاً؟! ويجيب: "للأسف لا، فقد هللت مجلات فنية لانتصار فاطمة سري، وأطلقت عليها لقب السيدة المصون "فاطمة هانم شعراوي"، فاستشاطت هدى شعراوي غضباً حتى أسكتت هذه المجلات (رغم أن هدى نفسها اتخذت اسم عائلة زوجها لإخفاء اسم والدها الذي كره الشعب!)، ودخلت البنت بقوة القانون إلى منزل الزعيمة في القصر رقم 2 شارع قصر النيل، واستقبلتها الجدّة الزعيمة بلهفة وحملتها واحتضنتها وبللت الدموع خديها! واعترفت بها أمام العالم كله، كما ذكرت الصحف آنذاك". ويتابع مكاوي سعيد: "أما الأم فاطمة سري بكل نجوميتها وجسارتها وما تحملته، مُنعت من الدخول ومن مصاحبة ابنتها إلى القصر، بناءً على الاتفاق الذي تم بين المتصارعين عقب حكم المحكمة، وانزوت في بيتها بلا عمل كحارس المقبرة الضرير المقْعد القعيد. وعكس لها القدر أغنيتها تماماً "بدل ما تسهر على القهوة.. تعالي نشوي أبو فروة.. بيتك مع عيلتك أولى يا حضرة.. من لعب الطاولة"، وقعدت هي في بيتها من دون خليل ولا ونيس ولا حتى لعب الدومينو! وعاشت الابنة في كنف جدّتها ووالدها محمد شعراوي، وزوجته منيرة هانم عاصم، وساهمت الزعيمة، نصيرة المرأة في المطالبة بالحق في التعلّم، في تعليم حفيدتها ليلى بالأقسام الداخلية! بخلاف شقيقاتها! وكانت ليلى تزور جدّتها الزعيمة على فترات! ولم يثبت أنها زارت والدتها، أما شقيقات ليلى من الأم منيرة هانم عاصم، فقد تعلمن فى مدرسة "الليسيه" وكن يبتن يومياً في القصر! وتفوقت وتخرجت ليلى في الجامعة الأميركية، وتزوجت من وكيل نيابة فى حفل كبير، لم تُدعَ إليه الأم فاطمة سري! وكأن العائلة المصونة لا تزال ترى زواج ابنها محمد بك شعراوي من مطربة، عاراً لا ينقضى بمرور الزمن!".
ويضيف الروائي: "الغريب أن فاطمة سري كانت سعيدة بهذا الوضع بعد كفاحها المرير، وراضية ببقاء الابنة في الجانب الآخر من النهر. وكل ذلك جعل بعض الاقلام المصرية تطلق على هدى شعراوي لقب أسوأ حماة في مصر".
ويضيف الروائي: "الغريب أن فاطمة سري كانت سعيدة بهذا الوضع بعد كفاحها المرير، وراضية ببقاء الابنة في الجانب الآخر من النهر. وكل ذلك جعل بعض الاقلام المصرية تطلق على هدى شعراوي لقب أسوأ حماة في مصر".
ملاحظة: نرجو ممن يرغب بإضافة تعليق، صياغته بلغة لائقة بعيدة عن القدح والذم والتحريض المختلف أو المسّ بالكرامات. إن كل ما ينشر من مقالات وأخبار ونشاطات وتعليقات، لا تعبر بأي شكل من الأشكال عن رأي الموقع الذي لا يتحمّل أي أعباء معنويّة أو ماديّة من جرّائها.
التعليقات
لارسال تعليق يرجى تعبئة الحقول الإلزامية التالية