يتيمة وبساقٍ مبتورة باتت "في الجنة"، كما تقول، تتجول الطفلة مريم أحمد على كرسيها المتحرك في أروقة "مجمع الثمامة" في الدوحة للجرحى والعائلات التي تم إجلاؤها من قطاع غزة، وعلى وجهها نظرة استغراب.
وأُجليت مريم (6 سنوات) من القطاع المحاصر إلى العاصمة القطرية في شباط/فبراير الماضي، بعدما دُمّر منزلها بغارة إسرائيلية أودت بوالديها وشقيقها الأصغر وتركتها مبتورة الساق اليمنى. تجلس على كرسيها المتحرك الجديد وتروي ببراءة ما تذكره من الأحداث، مع حالة نكران في البداية: "كنت أذهب إلى المدرسة وقدمت امتحانات جيدة. كنت سعيدة. أحب غزة".وأضافت مريم: "طلعت علينا الزنّانة (المسيّرة) قصفتنا ووجدت نفسي تحت السرير. انصبت وخرج دم من فمي وعيني وأذني وكانت الشظايا في كل جسمي". لكنها سرعان ما رفعت فستانها الملون المنقوش بالزهور لتظهر ساقها المبتورة من فوق الركبة قائلة "رِجلي في الجنة، مع ماما وبابا"، حسبما نقلت وكالة "فرانس برس".مريم، واحدة من ألفي غزّي مقيم في المجمع الواقع جنوبي العاصمة القطرية، مع عائلاتهم، ممن هم في حاجة طبية ماسة ويسعون الآن للتكيف مع حياة جديدة بعيداً من الحرب المدمرة المتواصلة منذ عشرة أشهر في القطاع المحاصر.وسافرت مريم إلى قطر من غزة، عبر مصر، مع خالتها، الناجية الوحيدة من العائلة، فاطمة فرج الله (20 عاماً) التي تقول أن الطفلة الآن "أفضل نفسياً"، لكن ذكرى ذلك الصباح مازالت تطاردهما، حين دمر صاروخان المنزل الذي تقاسمتاه يوماً.وروت فاطمة بابتسامة مرتبكة وهي تفرك يداً بالأخرى، وقع ذلك اليوم: "عند الساعة التاسعة صباحاً، تعرض منزلنا لقصف بصاروخين على الغرفة حيث إخوتي وأولادهم. خرجت من الغرفة فرأيت محمد شقيق مريم مضرجاً بالدماء. الأشلاء على الجدران. في البداية وضعوا مريم جنب الشهداء، لم تكن تتحرك ولا صوت لها. فجأة سمعت صوتاً يقول خالتي".مريم، كما تقول خالتها، طفلة أنابيب انتظر أهلها عشر سنوات لإنجابها، ومكثت شهرين في المستشفى في قطر، وتلقت معظم علاجها في "مستشفى حمد" العام في الدوحة، وتطلبت حالتها ثلاث عمليات جراحية لإكمال بتر ساقها.وكان تكيف مريم مع الحياة في الإمارة، مربكاً في كثير من الأحيان، بحسب فاطمة التي أوضحت أنها "في الليل تطرح أسئلة كثيرة". وحتى بالنسبة للخالة، فإن التغيير الجذري في أسلوب الحياة بعد ما يقارب أربعة أشهر في قطر، ربما يكون ثقيلاً.وتساءلت فاطمة: "هنا كل شيء موجود. لماذا غزة ليست كالدول الأخرى؟ لماذا هي محتلة؟ هي بلد صغير، لا تحتاج لذلك كله".وفي أواخر حزيران/يونيو الماضي، أعلن المفوض العام لوكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين "أونروا"، فيليب لازاريني، أن الحرب الدائرة في قطاع غزة تؤدي إلى فقدان 10 أطفال بالمعدل ساقاً أو ساقين كل يوم، ما يعني أن نحو ألفي طفل فقدوا أطرافاً حتى ذلك التاريخ.ويدير موسى محمد، رئيس قسم التعليم الخاص في "مؤسسة حمد الطبية"، عيادات العلاج الجماعي داخل "مجمع الثمامة" التي تتولى معالجة 190 طفلاً مسجلاً تتراوح أعمارهم بين ثلاث وست سنوات. وأوضح أن الجلسات، التي تشبه ظاهرياً فصول الحضانة، تشكل "ركيزة مهمة" لإعادة التأهيل وتشمل العلاج بالفن والتواصل الاجتماعي، إضافة إلى السماح لفريقه بالاتصال بالعائلات وإرسال تقارير للمتخصصين الطبيين ذوي الصلة بتطور الحالات.وقال محمد أنه قبل ثلاثة أشهر، كان الأطفال عرضة لنوبات عنيفة ولم يكن بإمكانهم الجلوس ساكنين، وكان بعضهم "يضربون الأبواب ويضربون الناس ويضربون الأطفال إلى جانبهم". وكان التقدم شاقاً، لكن محمد أشار إلى أن "سلوكهم تغير من العدوانية ورفض الروتين الذي نحاول بناءه. والآن يريدون الحضور كل يوم". واكمل: "هذا يمنحني مزيداً من الثقة في أن النتائج تتحسن".مع حلول الغسق، عندما تغرب الشمس الحارقة عن المباني السكنية البيضاء ذات الطابع الرسمي في المجمع، وتبرد حرارة الصيف القطري، يغامر السكان بالخروج، علماً أن ذلك المشروع السكني، الذي بني في الأصل كمكان لإقامة مشجعي كأس العالم 2022 في قطر، بات الآن مقراً لألف شخص تم إجلاؤهم، 300 منهم مبتورو الأطراف.ويعني ذلك أن هناك كثيرين ممن فقدوا أطرافهم، من بين أولئك الذين يلتقون في الشارع، أو يتوجهون إلى المسجد أو يلعبون مع الأصدقاء مع أفول ضوء النهار. ومنهم كريم الشياح (10 سنوات)، الذي يستقل دراجته الهوائية في محيط المجمع بسهولة على الرغم من فقدانه ساقه اليسرى.وداخل الشقة التي يقطنها مع والدته وأخيه الصغير، يجلس كريم على كنبة رمادية اللون، ويلف ساقه اليسرى المبتورة على رجله اليمنى، ويشاهد عبر "يوتيوب" مقتطفات فيديوهات من "تيك توك" لألعاب حربية وعسكرية. يقول كريم: "كانت الأمور طيبة. كنا نلهو في الخارج. فقصفوا مطعماً قربنا وتطايرت الشظايا. اختبأت داخل برميل وأصابتني شظية". وأوضحت والدته صابرين الشياح أن الإصابة "غيرت شخصية كريم" لأنه "عانى البتر في ظل شح مواد تخدير ومسكنات في غزة".وأضافت صابرين: "صار عصبياً أكثر، أحياناً كان يحبس نفسه في الغرفة"، ومع القدوم إلى قطر عرض "فوراً على طبيب نفسي والآن بات أفضل. للأمانة التعامل مع الأطفال هنا إيجابي جداً، يتكفلون بالعلاج والمتابعة".وقال كريم: "حياتي لم تعد طبيعية. عندما ألعب بالدراجة الهوائية، أحتاج حبلاً لأربط رجلي بالدواسة. أشتاق لأصحابي، هم سبعة. وأحدهم استشهد". ورغم ذلك، أوضح: "هنا نحن مرتاحون، يهتمون بنا ويجعلوننا نلعب. لكنني أتمنى أن أعود إلى غزة إذا توقفت الحرب".
وأُجليت مريم (6 سنوات) من القطاع المحاصر إلى العاصمة القطرية في شباط/فبراير الماضي، بعدما دُمّر منزلها بغارة إسرائيلية أودت بوالديها وشقيقها الأصغر وتركتها مبتورة الساق اليمنى. تجلس على كرسيها المتحرك الجديد وتروي ببراءة ما تذكره من الأحداث، مع حالة نكران في البداية: "كنت أذهب إلى المدرسة وقدمت امتحانات جيدة. كنت سعيدة. أحب غزة".وأضافت مريم: "طلعت علينا الزنّانة (المسيّرة) قصفتنا ووجدت نفسي تحت السرير. انصبت وخرج دم من فمي وعيني وأذني وكانت الشظايا في كل جسمي". لكنها سرعان ما رفعت فستانها الملون المنقوش بالزهور لتظهر ساقها المبتورة من فوق الركبة قائلة "رِجلي في الجنة، مع ماما وبابا"، حسبما نقلت وكالة "فرانس برس".مريم، واحدة من ألفي غزّي مقيم في المجمع الواقع جنوبي العاصمة القطرية، مع عائلاتهم، ممن هم في حاجة طبية ماسة ويسعون الآن للتكيف مع حياة جديدة بعيداً من الحرب المدمرة المتواصلة منذ عشرة أشهر في القطاع المحاصر.وسافرت مريم إلى قطر من غزة، عبر مصر، مع خالتها، الناجية الوحيدة من العائلة، فاطمة فرج الله (20 عاماً) التي تقول أن الطفلة الآن "أفضل نفسياً"، لكن ذكرى ذلك الصباح مازالت تطاردهما، حين دمر صاروخان المنزل الذي تقاسمتاه يوماً.وروت فاطمة بابتسامة مرتبكة وهي تفرك يداً بالأخرى، وقع ذلك اليوم: "عند الساعة التاسعة صباحاً، تعرض منزلنا لقصف بصاروخين على الغرفة حيث إخوتي وأولادهم. خرجت من الغرفة فرأيت محمد شقيق مريم مضرجاً بالدماء. الأشلاء على الجدران. في البداية وضعوا مريم جنب الشهداء، لم تكن تتحرك ولا صوت لها. فجأة سمعت صوتاً يقول خالتي".مريم، كما تقول خالتها، طفلة أنابيب انتظر أهلها عشر سنوات لإنجابها، ومكثت شهرين في المستشفى في قطر، وتلقت معظم علاجها في "مستشفى حمد" العام في الدوحة، وتطلبت حالتها ثلاث عمليات جراحية لإكمال بتر ساقها.وكان تكيف مريم مع الحياة في الإمارة، مربكاً في كثير من الأحيان، بحسب فاطمة التي أوضحت أنها "في الليل تطرح أسئلة كثيرة". وحتى بالنسبة للخالة، فإن التغيير الجذري في أسلوب الحياة بعد ما يقارب أربعة أشهر في قطر، ربما يكون ثقيلاً.وتساءلت فاطمة: "هنا كل شيء موجود. لماذا غزة ليست كالدول الأخرى؟ لماذا هي محتلة؟ هي بلد صغير، لا تحتاج لذلك كله".وفي أواخر حزيران/يونيو الماضي، أعلن المفوض العام لوكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين "أونروا"، فيليب لازاريني، أن الحرب الدائرة في قطاع غزة تؤدي إلى فقدان 10 أطفال بالمعدل ساقاً أو ساقين كل يوم، ما يعني أن نحو ألفي طفل فقدوا أطرافاً حتى ذلك التاريخ.ويدير موسى محمد، رئيس قسم التعليم الخاص في "مؤسسة حمد الطبية"، عيادات العلاج الجماعي داخل "مجمع الثمامة" التي تتولى معالجة 190 طفلاً مسجلاً تتراوح أعمارهم بين ثلاث وست سنوات. وأوضح أن الجلسات، التي تشبه ظاهرياً فصول الحضانة، تشكل "ركيزة مهمة" لإعادة التأهيل وتشمل العلاج بالفن والتواصل الاجتماعي، إضافة إلى السماح لفريقه بالاتصال بالعائلات وإرسال تقارير للمتخصصين الطبيين ذوي الصلة بتطور الحالات.وقال محمد أنه قبل ثلاثة أشهر، كان الأطفال عرضة لنوبات عنيفة ولم يكن بإمكانهم الجلوس ساكنين، وكان بعضهم "يضربون الأبواب ويضربون الناس ويضربون الأطفال إلى جانبهم". وكان التقدم شاقاً، لكن محمد أشار إلى أن "سلوكهم تغير من العدوانية ورفض الروتين الذي نحاول بناءه. والآن يريدون الحضور كل يوم". واكمل: "هذا يمنحني مزيداً من الثقة في أن النتائج تتحسن".مع حلول الغسق، عندما تغرب الشمس الحارقة عن المباني السكنية البيضاء ذات الطابع الرسمي في المجمع، وتبرد حرارة الصيف القطري، يغامر السكان بالخروج، علماً أن ذلك المشروع السكني، الذي بني في الأصل كمكان لإقامة مشجعي كأس العالم 2022 في قطر، بات الآن مقراً لألف شخص تم إجلاؤهم، 300 منهم مبتورو الأطراف.ويعني ذلك أن هناك كثيرين ممن فقدوا أطرافهم، من بين أولئك الذين يلتقون في الشارع، أو يتوجهون إلى المسجد أو يلعبون مع الأصدقاء مع أفول ضوء النهار. ومنهم كريم الشياح (10 سنوات)، الذي يستقل دراجته الهوائية في محيط المجمع بسهولة على الرغم من فقدانه ساقه اليسرى.وداخل الشقة التي يقطنها مع والدته وأخيه الصغير، يجلس كريم على كنبة رمادية اللون، ويلف ساقه اليسرى المبتورة على رجله اليمنى، ويشاهد عبر "يوتيوب" مقتطفات فيديوهات من "تيك توك" لألعاب حربية وعسكرية. يقول كريم: "كانت الأمور طيبة. كنا نلهو في الخارج. فقصفوا مطعماً قربنا وتطايرت الشظايا. اختبأت داخل برميل وأصابتني شظية". وأوضحت والدته صابرين الشياح أن الإصابة "غيرت شخصية كريم" لأنه "عانى البتر في ظل شح مواد تخدير ومسكنات في غزة".وأضافت صابرين: "صار عصبياً أكثر، أحياناً كان يحبس نفسه في الغرفة"، ومع القدوم إلى قطر عرض "فوراً على طبيب نفسي والآن بات أفضل. للأمانة التعامل مع الأطفال هنا إيجابي جداً، يتكفلون بالعلاج والمتابعة".وقال كريم: "حياتي لم تعد طبيعية. عندما ألعب بالدراجة الهوائية، أحتاج حبلاً لأربط رجلي بالدواسة. أشتاق لأصحابي، هم سبعة. وأحدهم استشهد". ورغم ذلك، أوضح: "هنا نحن مرتاحون، يهتمون بنا ويجعلوننا نلعب. لكنني أتمنى أن أعود إلى غزة إذا توقفت الحرب".
ملاحظة: نرجو ممن يرغب بإضافة تعليق، صياغته بلغة لائقة بعيدة عن القدح والذم والتحريض المختلف أو المسّ بالكرامات. إن كل ما ينشر من مقالات وأخبار ونشاطات وتعليقات، لا تعبر بأي شكل من الأشكال عن رأي الموقع الذي لا يتحمّل أي أعباء معنويّة أو ماديّة من جرّائها.
التعليقات
لارسال تعليق يرجى تعبئة الحقول الإلزامية التالية