مجزرة في الضاحية الجنوبية لبيروت، وعمليات اغتيال كبيرة تطال قادة محور المقاومة ما بين بيروت وطهران، واستهداف إسرائيل لأكثر من 400 مقاتل لحزب الله.. هي كلها عناوين تعبّر عن أزمتنا "اللبنانية" الإنسانية والسياسية في مواجهة نظام احتلال وإبادة.
منذ السابع من تشرين الأوّل، سلّطت الأحداث الأخيرة الضوء على واقع مرير، في ما يخص التوازنات العسكريّة والقرارات المتصلة بالدفاع والسلم والحرب. ينتظر اللبنانيّون في معظم الأحيان المستجدات الاقليمية من تصريحات غالبًا ما يكون مصدرها إسرائيل وإيران، لمعرفة مصيرهم والإجابة على السؤال "هل ستندلع حرب تدمر لبنان أو ما بقي منه؟" في مثل هذه الحالة، لا قيمة للمؤسسات الدستوريّة التي يفترض أن تمثّل الإرادة الشعبيّة.
تكثر الأسئلة ومعها التحليلات وتتنوّع خلاصتها، ولكن يبقى الجيش اللبناني الجهة المفترض منها دستورياً وعلمياً ومنطقياً، الدفاع عن الشعب والأرض والتصدي لأي اعتداء على سيادتنا وفق قانون الدفاع الوطني. إذ بحسب هذا القانون، يقوم الجيش بثلاث مهمات: دفاعيّة، أمنيّة، وإنمائيّة. وتهدف هذه المهمات إلى الدفاع عن الوطن، والمحافظة على السيادة وعلى سلطة الدولة، وحماية الدستور، وحفظ الأمن والاستقرار، والمساهمة في تأمين الاستقرار الاجتماعي والتنمية.
قد تبدو هذه المقاربة سخيفة وساذجة، أو واضحة الجواب، من نمط "جيشنا ضعيف"، "غير قادر"، أو "غير مستعد". فيبقى حزب الله الجهة الوحيدة المقاتلة في وجه آلة القتل هذه، بينما الدولة ومؤسساتها وجيشها غير معنيين بالجانب المتعلّق بالدفاع، أو حتّى موقع البلاد في المعادلات الإستراتيجيّة والإقليميّة.
هنا، نعود إلى حجة حزب الله الأساسية، الحجة التي تفسّر هذه الظاهرة، أي ظاهرة جيش لا يدافع عن وطنه. وأمام هذه الحجّة، قد يكون مفيدًا وضع تلك الحالة في سياق التطور التاريخي للدولة اللبنانية والنظام الحاكم.في النظام الذي لم يبنِ جيشه يومًايصادف عيد جيشنا في الأول من آب، وهو التاريخ الذي وُضع فيه الجيش تحت سلطة الحكومة اللبنانية. ولكن يروي التاريخ أن نواة الجيش اللبناني بدأت تتشكّل في عهد المتصرفية في منتصف القرن التاسع عشر، حيث خاضت تلك النواة آنذاك معارك ضد العثمانيين. أي أنّ الجيش انطلق أولاً كجيش مقاومة، حتى لو في ظروف محددة.
منذ استقلال لبنان، ووصولاً إلى الحرب الأهلية، اتصفت حالة الجيش بـ"التواضع". فغاب الاستثمار الجدّي بمؤسساته خوفا من صعود قوته، في مرحلة تنامت فيها خطورة الانقلابات العسكرية، ومعها الخوف من طغيان طائفة على أخرى مستعملةً الجيش.
ولكن الحقبة التي تعنينا بالذات، والتي هي نواة النظام الحالي وصيغة الحكم السائدة، هي حقبة "ما بعد الحرب الأهلية"، والتي كان رهانها الاقتصادي الأساسي: "السلام" وفقًا لرؤية الحريريّة السياسيّة. شهدت فترة التسعينات، مع انهيار الاتحاد السوفياتي وطرح نظرية "نهاية التاريخ" (انتصار "الغرب" و"النموذج الرأسمالي")، اتفاقيات سلام عديدة ومؤتمرات دولية للسلام العربي-الإسرائيلي في أوسلو ومدريد، وهو ما أوحى بصعود بوادر الاستقرار الأمني في المنطقة.
ذهبت الحريرية باتجاه الاقتصاد المبني على الخدمات والسياحة، الذي يقوم أولًا على رهان "السلام" للازدهار. وترافق هذا الاتجاه الاقتصادي مع توجه دفاعي وعسكري بعدم وضع الجيش أو التطور العسكري على سلم الأولويات، في محاولات إعادة بناء الدولة ومؤسساتها.
عامل آخر ساهم في تهميش المؤسسة العسكرية ضمن أولويات الحكومات، هو الوجود السوري في لبنان، الذي حسم أغلب القضايا الأمنية والمخابراتية حتى انسحابه في العام 2005. طغيان الوصاية السوريّة على لبنان لم يتناسب مطلقًا مع الرهان على مؤسسة عسكريّة قادرة على فرض السيادة الوطنيّة على الأراضي اللبنانيّة. بل على العكس تمامًا، كان ضعف لبنان ذريعة هذه الوصاية، وكانت الوصاية تفترض أساسًا وجود دولة غير قادرة على فرض إرادتها.
ظهر حزب الله الوريث الطبيعي للأدوار الامنية والعسكرية في لبنان، وتحديداً في جنوب لبنان. وحتّى حرب تمّوز 2006، لم يكن الجيش اللبناني قادرًا حتى على التوجّه إلى الجنوب، في ظاهرة جرى تبريرها بالخوف من استهدافه، لكنّ أسبابها الفعليّة كمنت في الرغبة بإبعاد المؤسسة العسكريّة عن قرار السلم والحرب.
وبذلك، كان ثمّة إجماع على تهميش الدور الدفاعي للدولة، من أقطاب مراحل ما بعد الحرب الأهليّة: الوصاية السوريّة، الشيعيّة السياسيّة المتنامية النفوذ، والحريريّة السياسيّة حتّى العام 2005.سردية حزب الله: أين لبنان وجيشه من منطقة تشتعل فيها الحرب؟الجدير بالذكر أيضاً أن لبنان، بضعف دولته، ليس جزءاً من أي تحالفات استراتيجية أو إقليمية تمكّنه من تعزيز دور جيشه وإمكانياته الميدانية. إبعاد الدولة عن قرار السلم والحرب والدفاع، ترافق مع إبعادها عن إمكانيّة اتخاذ توجّه إستراتيجي على مستوى السياسة الخارجيّة. وبهذا المعنى، باتت هامشيّة السياسة الخارجيّة للدولة مجرّد عامل مساعد على تهميشها في الدور الدفاعي.
وفي سياق الأزمة الاقتصادية المستمرة وغياب المساعي لحل اقتصادي وإعادة بناء مؤسسات، ظلّ التقشف عنوان السياسات النقديّة والماليّة القائمة على احتجاز أموال الحكومة بعد جباية الضرائب، فيما ينتظر الجيش المساعدات العينية من قطر والولايات المتحدة. بهذا الشكل، لم تكن أولويّة هذه السياسات القيام بمؤسسات الدولة أصلًا، بما فيها الجيش اللبناني.
واليوم يعيد التاريخ نفسه في الخيارات التي يواجهها لبنان وجنوبه. وقد يكون أفضل ملخّص لهذه الحالة هي كلمة رئيس الحكومة نجيب ميقاتي ردّا على سؤالٍ لصحافية إن كان قرار السلم والحرب بيده، فأجابها ساخراً "أنتِ في لبنان أم في جزر كوراساو؟ فلنكن واقعيين، قرار السلم والحرب بيد الحكومة اللبنانية؟ أين أنت؟ وين قاعدة؟"
فوق ذلك، خرجت الخارجية اللبنانية نهار الثلاثاء عن صمتها، من خلال كلمة وزير الخارجية عبدالله بوحبيب لـ"رويترز": "نأمل في رد متناسب من حزب الله تجنباً للتصعيد ووقف موجة القتل هذه". كأنه يقول إن التصعيد سيؤدي إلى وقف إطلاق نار، وكأن دعم الحكومة، أو تطبيعها الكامل لسياسة حزب الله واستسلامها له، هي المخرج من آلة الموت التي يواجهها لبنان. وهكذا تكون الحكومة قد أدلت بواجباتها الإغاثية والإنسانية للمتضررين في الجنوب. ويتساءل البعض إن كان تمسّك الحكومة بالقرار 1701 يعني دعمه للتصعيد.
هكذا يجدر القول أنّ الجيش في حالته الرهنة هو وليد واقع سياسي وسياق تاريخي متعدد الأبعاد. وفي غياب المساعي لبناء الدولة والمؤسسات والإسراع في تطبيق حل للأزمة الاقتصادية، سيبقى الجيش، كسائر مؤسسات الدولة، عاجزا عن القيام بوظيفته الدستورية.
يتبنى حزب الله سردية تفيد بأن الجيش اللبناني ضعيف بسبب الضغوط الأميركية التي تمنع تطوير قدراته. ومع ذلك، فإن المسؤولية تقع على عاتق من يرفض تطوير الموارد اللازمة لتجهيز الجيش، خصوصاً من رفضوا تمرير قوانين الكابيتال كونترول وإعادة هيكلة المصارف، وغيرها من الخطوات التي كان يحتاجها الاقتصاد للخروج من أزمته وتمكين الدولة من النهوض بمؤسساتها. وتعتمد سردية حزب الله على افتراض ضعف الجيش الأبدي وإدامته، وهو ما يقوم به الحزب نفسه –مع سائر قوى المنظومة- عبر منع السياسات التي تبني دولة ذات اقتصاد متطور، مما يعزز من قدرات الجيش التكنولوجية.سردية ذات تداعيات مدمّرة وفاتورة باهظةومع ذلك، يبقى أهل الجنوب تحت رحمة حلول وصفقات إقليمية يديرها حزب الله تحت قائمة أولوياته، التي لا تتركّز على حماية لبنان، بقدر ما تتركّز على السيطرة عليه. ومع كل ما يمر به الجنوب، يبقى حزب الله الرافض لأي حل اقتصادي أو سياسي، والمعرقل لمحاولات بناء الدولة واسترجاع دور المؤسسات، مسبباً لانشقاق عامودي في المجتمع بين: من "لا يريد الحرب"، لأنّه يريد أن تمتلك الدولة بسيادتها وجيشها قرار الحرب. ومن "لا يريد الحرب أيضاً"، لكنه يعيش يومياً تحت القصف، وتحت حكم حزب ليس من أولوياته حماية الناس وردع الهجمات وبناء الملاجئ والقيام بوظائف الجهاز الحديث في التصدي للحروب والأزمات.
أولويته هي مشروعه الإقليمي ضمن موقعه في محور الممانعة. ومن يخوض معركة "تحرر وطني لبناني" في وجه عدو مثل إسرائيل، ويواجه كل هذه المعارضة لسياساته وخياراته على الجبهة، يفترض أن يراجع بالحد الأدنى سرديته القائمة على تطبيع "الضعف الأبدي" لهذا الجيش. في الواقع، نحن اليوم نعيش الضعف الموضوعي كمجتمعٍ يسيطر عليه نظامٌ يوزع الأدوار بين سلطة تنفيذية عاجزة وغير قادرة حتى على التفاوض من جهة، وجهاز عسكري لا يستطيع أن يتنافس مع دولة احتلال جمعت عدد من الميليشيات الصهيونية في سنة 1948 بهدف تشكيل دولة مؤسسات، وهي نفسها إسرائيل "الدولة" التي هجّرت الفلسطينيين على مراحل وانتصرت على أكثر من دولة عربية في 1967.
بعد عيد الجيش، نعيد ونذكر بالحاجة إلى دولة قادرة، بجيشها ومؤسساتها ومواردها المجتمعية، على حماية الناس والتصدي لأي عدوان. ونذكر الحاجة إلى صيغة سياسة دفاعية وخارجية تحمي سيادة شعبه وسلامته من الإجرام والقصف، وتقدم التعويضات للمتضررين. وإن كان هذا الواقع بعيداً نظراً لهزيمتنا الموضوعية اليوم، علينا أن ننطلق من نقطةٍ ما، وعنوانها في حالتنا الحالية "النقد الذاتي بعد الهزيمة".
ملاحظة: نرجو ممن يرغب بإضافة تعليق، صياغته بلغة لائقة بعيدة عن القدح والذم والتحريض المختلف أو المسّ بالكرامات. إن كل ما ينشر من مقالات وأخبار ونشاطات وتعليقات، لا تعبر بأي شكل من الأشكال عن رأي الموقع الذي لا يتحمّل أي أعباء معنويّة أو ماديّة من جرّائها.
التعليقات
لارسال تعليق يرجى تعبئة الحقول الإلزامية التالية