أثار إعلان لاعبة المبارزة المصرية، ندى حافظ، مشاركتها في أولمبياد باريس وهي حامل في الشهر السابع، الكثير من الجدل محلياً. وعلى نطاق أوسع، اجتذبت المباراة الأولى للملاكمة الجزائرية إيمان خليف، والتشكيك في "أهليتها الجنسية"، جدلاً عالمياً تحورت أشكاله إلى حد توظيفه في الدعاية والدعاية المضادة في الانتخابات الرئاسية الأميركية، بل وبين معسكري الحرب شبه العالمية في أوكرانيا.القاسم المشترك بين القضيتين، بين ندى وإيمان، هو الاختلاف الظاهري بينهما. تُلام الأولى على "تمام" وظائفها الأنثوية البيولوجية، أي الحَمل، فكيف لها أن تشارك في المنافسات وتهدد سلامة الجنين! أو كيف لها أن تشارك ولا تكون في كامل لياقتها للفوز بسبب حملها! أما الثانية، فعلى العكس من ذلك، تصبح مثاراً لحملة صَيد ساحرات كوكبية، بسبب "نقصان" تلك الأنوثة أو عدم وضوحها. وفي الحالتين، تكون الأنوثة معضلة بيولوجية، تصبح فيها أجساد النساء ساحة حرب معولمة. والحال إن الألعاب الأولمبية، لا سيما في نسختها الحديثة، تتأسس على فكرة بسيطة، وهي فكرة غير معلنة بالضرورة، مفادها أن الدول-القومية هي وريثة الآلهة. هكذا تهبط صراعات الأرباب الإغريق الإثني عشر من قمة جبل الأولمب إلى أرض العالم الفاني، وتصبح الرياضة امتداداً للسياسة بوسائل أخرى (كما أن السياسة امتداد للحرب، أو كما في مقولة معكوسة الحرب امتداد للسياسة). بوضوح، نرى هذا في تعدّد الرياضات القتالية، وبعضها حربي تماماً مثل المبارزة والرماية والقوس، وتغليف المنافسة باستعارات الهزيمة والنصر وطقوس رفع العلَم وعزف الأناشيد الوطنية. الأولمبياد مجاز لحرب عالمية مدجنة، حرب الكل ضد الكل، ومجاز للخوف منها ولتفريغ طاقاتها المكبوتة، أو ربما هي تثبيت للحرب الصامتة الدائرة التي لا تتوقف أبداً وتأكيد تراتبية نظامها الدولي. في هذا السياق، ليس من المفاجئ أن تكون لُعبتا ندى وإيمان، أي المبارزة بالسيف والملاكمة، لعبتين قتاليتين، وإحداهما دموية، بالمعنى الحرفي وليس من باب البلاغة.تفترض الحروب الأولمبية حقيقة أولية جازمة، هي أنّ أجساد الرياضيين ملكية عامة مؤمَّمة. وبالضرورة، فإن جسد ندى حافظ يؤمَّم مرتين، مرة لأنها منتجة للحياة، وبالتالي يفرض مجتمعها على جسدها ولايته، مثل أي امرأة أخرى تحمل أو تكون مُهيئة للحَمل، فيقرر نيابة عنها المسموح وغير المسموح، وذلك بحجة حماية حياة الجنين وصحته. وثانياً، يؤمم جسدها باعتبارها رياضية تمثل بلدها، وبالتالي يضحى بخصوصية جسدها وفرديته لصالح الوطن. في هذه الحالة، تغدو وظيفة الأمومة المبجلة والمرغوبة، عثرة أمام مهمتها الأولمبية. تُلام ندى مرتين، وتُدان مرتين، مرة لأنها أمّ غير صالحة ومرة لأنها رياضية مهزومة. وفي عين الرأي العام، يوضع جسدها على منضدة السلطة الفيزيولوجية، ليُفتي الأطباء في وسائل الإعلام في شأن أهليتها للمنافسة وليحكموا على أخلاقية مشاركتها في المنافسات في شهرها السابع.
(إيمان خليف)وكما أن الجيوش، إلى جانب الأيديولوجيات الوطنية والدينية وغيرها من النظريات الكبرى، هي ماكينات لإنتاج أجساد مؤهلة للموت ببطولية أو للموت جماعياً وبالجُملة بلا حساب، حتى تكون أجساداً نافعة وفعالة في لعبة الحرب، سواء في حياتها أو موتها، فإن الرياضة على المعيار نفسه هي منافسة تخوضها الدول القومية لإنتاج الأجساد المثالية، أو بصيغة أدق إنتاج الأجساد الفائقة، القادرة على حصد النصر المتوّج برفع أعلام الكبرياء القومي وعزف أناشيدها.وفي حرب الأجساد تلك، تحضر السلطة الحيوية في صورها الأكثر وضوحاً ومركزية، للتصنيف والقياس والضبط. وفي هذا السياق، يصبح التصنيف وفقاً للأوزان في بعض الرياضات، والتمييز بين الذكور والإناث في منافسات منفصلة، والفصل بين الأجساد القياسية والأجساد المعوقة، عملية فيزيولوجية-قانونية ذات طابع المعيارية، تسعى لضمان تكافؤ الفرص بين المتنافسين. لكن في هذه المساواة المُدّعاة، تثبيتاً للثنائيات القائمة، ذكر/أنثى، وسليم/معطوب، وتعمية على حقيقة أن الفرص ليست متساوية إطلاقاً منذ البداية، بين دول الشمال ودول الجنوب، لا في الإمكانات ولا التقنيات ولا الفنيات، ولا في النفوذ السياسي على المؤسسات الرياضية الدولية. شاركت إيمان خليف في العشرات من منافسات الملاكمة الإقليمية والدولية، بوصفها امرأة. هُزمت أيضاً تسع مرات في تصفيات تلك البطولات من غريمات نساء. اللغط الدائر يعود إلى استبعادها من بطولة العالم، السنة الماضية، وهي البطولة التي سبق لإيمان أن تنافست فيها من دون عقبات. ولا يُعدّ اختبار مستوى التيستوستيرون، المعروف بهرمون الذكورة، والذي أوقفها بسببه الاتحاد الدولي للملاكمة، معياراً متفقاً عليه لتحديد الجنس، حيث قد يكون لدى العديد من النساء مستويات عالية منه. ولذلك اعتبرت اللجنة الأولومبية، المنظمة للأولمبياد حالياً، قرار الاستبعاد السابق تعسفياً. لا يؤمَّم جسد الرياضية الأولمبية فقط، بل يُعولَم أيضاً. ففي عالمنا المعاصر، تتضمن كل صيغة وطنية إطاراً معولماً بالضرورة. يُفرد جسد إيمان عارياً على طاولة الفحص الطبي للصراعات الإيديولوجية والسياسية الدولية، فتغدو نتائج تحليلات دمها وأعضائها التناسلية موضوعاً للتعليقات والشجب والهجوم من رئيسة الوزراء الإيطالية، وإيلون ماسك، ومؤلفة "هاري بوتر" جي كي رولينغ، ومؤيدي دونالد ترامب وجريدة "ديلي ميل". تتعرض إيمان لقسوة فادحة وعنف معنوي على مستوى كوكبي، لأسباب عديدة. أولها، لأن مسألة الجنس، وكما ذهبت النظريات النسوية منذ وقت طويل، هي مسألة تتميز بالسيولة والتخوم المتداخلة وعدم التحدد، وليست مسألة إما/أو كما يظن الكثيرون، حتى بالحسابات الفيزيولوجية. والحال أن جسد إيمان عالق في شبكة الصراعات الدولية، بين روسيا من جانب، والغرب من جانب آخر. فالاتحاد الدولي الملاكمة، الذي يترأسه المسؤول الحكومي الروسي عمر كريملف، قامت اللجنة الأولمبية الدولية بتجميده، وكادت تستبعد رياضة الملاكمة كلياً من منافسات أولمبياد باريس. وعلاوة على اتهامات الفساد التي وجهتها اللجنة الأولمبية إلى الاتحاد الدولي للملاكمة، فإن إحدى نقاط الخلاف هو عدم تجميد الاتحاد الدولي لعضوية روسيا وبلاروسيا، بل وعملياً نقل معظم عملياته إلى موسكو. في النهاية، حسمت اللجنة الأولمبية المسألة بالقول أن إيمان امرأة، لأنها تحمل جواز سفر يقول إنها امرأة. هكذا ببساطة، يعيد ذلك التصريح جسدها إلى ولاية الدولة-الأمة، كمسألة إدارية ومسألة أوراق ثبوتية.
(إيمان خليف)وكما أن الجيوش، إلى جانب الأيديولوجيات الوطنية والدينية وغيرها من النظريات الكبرى، هي ماكينات لإنتاج أجساد مؤهلة للموت ببطولية أو للموت جماعياً وبالجُملة بلا حساب، حتى تكون أجساداً نافعة وفعالة في لعبة الحرب، سواء في حياتها أو موتها، فإن الرياضة على المعيار نفسه هي منافسة تخوضها الدول القومية لإنتاج الأجساد المثالية، أو بصيغة أدق إنتاج الأجساد الفائقة، القادرة على حصد النصر المتوّج برفع أعلام الكبرياء القومي وعزف أناشيدها.وفي حرب الأجساد تلك، تحضر السلطة الحيوية في صورها الأكثر وضوحاً ومركزية، للتصنيف والقياس والضبط. وفي هذا السياق، يصبح التصنيف وفقاً للأوزان في بعض الرياضات، والتمييز بين الذكور والإناث في منافسات منفصلة، والفصل بين الأجساد القياسية والأجساد المعوقة، عملية فيزيولوجية-قانونية ذات طابع المعيارية، تسعى لضمان تكافؤ الفرص بين المتنافسين. لكن في هذه المساواة المُدّعاة، تثبيتاً للثنائيات القائمة، ذكر/أنثى، وسليم/معطوب، وتعمية على حقيقة أن الفرص ليست متساوية إطلاقاً منذ البداية، بين دول الشمال ودول الجنوب، لا في الإمكانات ولا التقنيات ولا الفنيات، ولا في النفوذ السياسي على المؤسسات الرياضية الدولية. شاركت إيمان خليف في العشرات من منافسات الملاكمة الإقليمية والدولية، بوصفها امرأة. هُزمت أيضاً تسع مرات في تصفيات تلك البطولات من غريمات نساء. اللغط الدائر يعود إلى استبعادها من بطولة العالم، السنة الماضية، وهي البطولة التي سبق لإيمان أن تنافست فيها من دون عقبات. ولا يُعدّ اختبار مستوى التيستوستيرون، المعروف بهرمون الذكورة، والذي أوقفها بسببه الاتحاد الدولي للملاكمة، معياراً متفقاً عليه لتحديد الجنس، حيث قد يكون لدى العديد من النساء مستويات عالية منه. ولذلك اعتبرت اللجنة الأولومبية، المنظمة للأولمبياد حالياً، قرار الاستبعاد السابق تعسفياً. لا يؤمَّم جسد الرياضية الأولمبية فقط، بل يُعولَم أيضاً. ففي عالمنا المعاصر، تتضمن كل صيغة وطنية إطاراً معولماً بالضرورة. يُفرد جسد إيمان عارياً على طاولة الفحص الطبي للصراعات الإيديولوجية والسياسية الدولية، فتغدو نتائج تحليلات دمها وأعضائها التناسلية موضوعاً للتعليقات والشجب والهجوم من رئيسة الوزراء الإيطالية، وإيلون ماسك، ومؤلفة "هاري بوتر" جي كي رولينغ، ومؤيدي دونالد ترامب وجريدة "ديلي ميل". تتعرض إيمان لقسوة فادحة وعنف معنوي على مستوى كوكبي، لأسباب عديدة. أولها، لأن مسألة الجنس، وكما ذهبت النظريات النسوية منذ وقت طويل، هي مسألة تتميز بالسيولة والتخوم المتداخلة وعدم التحدد، وليست مسألة إما/أو كما يظن الكثيرون، حتى بالحسابات الفيزيولوجية. والحال أن جسد إيمان عالق في شبكة الصراعات الدولية، بين روسيا من جانب، والغرب من جانب آخر. فالاتحاد الدولي الملاكمة، الذي يترأسه المسؤول الحكومي الروسي عمر كريملف، قامت اللجنة الأولمبية الدولية بتجميده، وكادت تستبعد رياضة الملاكمة كلياً من منافسات أولمبياد باريس. وعلاوة على اتهامات الفساد التي وجهتها اللجنة الأولمبية إلى الاتحاد الدولي للملاكمة، فإن إحدى نقاط الخلاف هو عدم تجميد الاتحاد الدولي لعضوية روسيا وبلاروسيا، بل وعملياً نقل معظم عملياته إلى موسكو. في النهاية، حسمت اللجنة الأولمبية المسألة بالقول أن إيمان امرأة، لأنها تحمل جواز سفر يقول إنها امرأة. هكذا ببساطة، يعيد ذلك التصريح جسدها إلى ولاية الدولة-الأمة، كمسألة إدارية ومسألة أوراق ثبوتية.
ملاحظة: نرجو ممن يرغب بإضافة تعليق، صياغته بلغة لائقة بعيدة عن القدح والذم والتحريض المختلف أو المسّ بالكرامات. إن كل ما ينشر من مقالات وأخبار ونشاطات وتعليقات، لا تعبر بأي شكل من الأشكال عن رأي الموقع الذي لا يتحمّل أي أعباء معنويّة أو ماديّة من جرّائها.
التعليقات
لارسال تعليق يرجى تعبئة الحقول الإلزامية التالية