2026-11-01
بث مباشر
إعلان
عاجل سلام يعقد اجتماعاً طارئاً غداً للبحث في حالات التسمّم الغذائي   •   ريال مدريد يواصل سلسلة انتصاراته بفوزه 3-صفر على راسينج سانتاندير   •   ترامب يتوجه إلى أيوا وكانساس وسط تنافس على أغلبية مجلس الشيوخ   •   في هذه المناطق… الجيش نفّذ تدابير لحفظ الأمن   •   الحريري في ذكرى ميلاد والده: كان صاحب رؤية للبنان   •   رجي من البحرين: لبنان ماضٍ في حصر السلاح بيد الدولة   •   مطر في ذكرى ميلاد رفيق الحريري: رمز الحرية والسيادة في لبنان   •   السعودية تحبط هجوماً حوثياً والتحالف ينفذ عملية عسكرية نوعية   •  
المتفرقات

أولمبياد باريس.. الكيتش العالي

ال

المدن

28 تموز 2024

أولمبياد باريس.. الكيتش العالي
إعلان
تصف الصحف البريطانية حفل افتتاح أولمبياد باريس بالكيتش مرة وبالكيتش العالي مرة أخرى. لو نحينا فرضية الغيرة التاريخية الطويلة بين ضفتي المانش (أو القنال الإنكليزي كما يسمى في بريطانيا)، فالكيتش، وبالأخص الموصوف بالعالي لم يعد شتيمة ولا معايرة بذوق هابط، بل وصف لأسلوب فني مراوغ، ويتطلب حشد من المهارات والحساسيات. ولعل الكيتش العالي هو الأسلوب المتأخر لهذا العصر، أو بشكل أدق هو سمته الجمالية. ولو أطلقنا العنان لبعض المبالغة، هو الفن العالي الوحيد الباقي. الحفل الامبراطوري الباهظ التكلفة، المبهر والشامل والمتناغم والمعقد، والمبالغ في بهرجته عمداً، والمبالغ في اعتداده بنفسه، والطويل أكثر من اللازم من دون أن يفقد متعته، إن تأملناه مقطّعاً ومفككاً إلى عناصره الأولية، فلعله لن يتجاوز سلسلة من الكليشيهات السياحية. الفارق هو أن المدينة باريس بذاتها، تتحوّل إلى بطاقة بريدية مبهرجة، صورة عن نفسها من أسفلت ومبان وهياكل معدنية ونهر وضفتين وعارضين وجمهور، وبالصدفة الإلهية قوى الطبيعة ممثلة في مطر، غزير جداً. يحشد العرض كل الأيقونات الرفيعة والتنميطات الشائعة عما يمكن أن تمثله فرنسا السياحية والسياسية. فالافتتاحية كل افتتاحية هي إعلان سياحي/ سياسي مبجل للدولة المضيفة، الكرواسون ولوحة الموناليزا ومراكب تطفو على صفحة نهر السين اللامعة وغيرها، كلها هناك. السياحي، في ابتلاعه كل شيء في الحيز العام المعاصر، يصعب فصله عن السياسي وعن الثقافي وعن أي من مناحي الحياة الأخرى. مبدأ السياحة هو تحويل اليومي الممارس في اللحظة ومعه التاريخي المادي منه والمتخيل، إلى فرجة، إلى بضاعة معايشة قابلة للترويج وللاستهلاك وللتلذّذ. اليوم تحل الدعاية السياحية محل البروباغندا، أو في أفضل الأحوال يصعب التمييز بينهما. لا يحرمنا العرض من شيء، إنها فرنسا بروست والعنف الثوري، فرنسا المتنوعة عرقياً والقابلة لكل تلونات الميول والهويات الجنسيات والمتباهية بها (وإن لا تزال ترفض أن تلبس لاعباتها الحجاب). لا يعنينا هنا إن كان العرض يمثل فرنسا حقاً أم لا، فرنسا الضواحي المهمشة وفرنسا التي تصوت لليمين المتطرف.. كل هذا لا يعنينا هنا، ما يهمنا هو الكيتش العالي وسحره الفعّال. مع كل هذه الكليشيات المنتزعة من كتالوغ إرشاد سياحي والمضاف إليها بضع فقرات مبتذلة من كتاب تاريخ مدرسي، كان سيكون العرض غير قابل للاحتمال، لولا الكيتش العالي. يتميز الكيتش العالي عن الكيتش بأنه واعٍ بنفسه، يعي ركاكة الكتيش وابتذاله، بل ويستثمرها ويضخمها لتتحول إلى أداة إبهار. تتماهى جماليات الكيتش العالي مع الأسلوب المتأخر لعصرنا، أي النسخ المتسلسل المفرط، تدوير الكلاسيكي والأيقوني، وإعادة إنتاجه وتشويهه وتضخيمه عشرات ومئات بل وألوف المرات. الكيتش متباهٍ بنفسه، فخور بركاكته، العالي منه لعوب يسخر من نفسه، يقول بطريقة غير مقصودة إن لا جديد تحت الشمس، كل ما هو جديد هو صورة معالجة من الأقدم، تنويع عليها. الكيتش العالي كرنفال من الألوان والأضواء، ساحة كبيرة لألعاب السيرك وفن الكباريه، ربما أوضح ما يقوله لنا العرض أن فن الكباريه فرنسي، فرنسي جداً، بل هو جوهرة الفنون الفرنسية. مشهد لوحة العشاء الأخير، المعالج بكيتش عالٍ أقرب إلى أسلوب الباروديا، هو أكثر ما أثار اللغط لدى المحافظين وأقصى اليمين حول العالم. لا تهكم هنا من الدين، بل سخرية من الأيقونة ومن الأيقنة، مجرد إعادة إنتاج لأيقونات هزلية بروح معاصرة، متهكمة ملتبسة ومشوشة وصادمة للذوق المتحفظ. ثمة شيء حزين في الكيتش العالي، ففي خضم لهوه وإفراطه تتبدى عدمية دافعها اليائس، ليس لدينا أيقونات للحاضر ولا أيقونات للغد، كل ما هنالك هو التكرار واللعب والتسلية العابرة. في ذروة العرض الدرامية، حين تصدح سيلين ديون العائدة من احتجاب طويل ومرض، بصوت الأسطورة الراحلة إديث بياف، نلمح حنيناً إلى الماضي وإلى وزمن الأيقونات. لكن كل هذا انتهى.
ملاحظة: نرجو ممن يرغب بإضافة تعليق، صياغته بلغة لائقة بعيدة عن القدح والذم والتحريض المختلف أو المسّ بالكرامات. إن كل ما ينشر من مقالات وأخبار ونشاطات وتعليقات، لا تعبر بأي شكل من الأشكال عن رأي الموقع الذي لا يتحمّل أي أعباء معنويّة أو ماديّة من جرّائها.

التعليقات

لارسال تعليق يرجى تعبئة الحقول الإلزامية التالية

مقالات ذات صلة