2024- 07 - 19   |   بحث في الموقع  
logo عملية جديدة لحزب الله logo جيني كارينيان: أول قائدة للجيش الكندي...وخدمت في سوريا والعراق logo "وول ستريت جورنال" تندد بسجن مراسلها في روسيا logo "5000 مسيّرة وصاروخ"... إعلام إسرائيلي: سلاح الجو ليس مستعداً logo بلينكن: إيران على بعد أسبوع من إنتاج مواد لصنع سلاح نووي logo إثر مطالبة هاليفي بـ"صفقة فورية"... نتنياهو ينهي اجتماعاً معه logo الجيش الإسرائيلي يزعم إستهداف مستودعات أسلحة لحزب الله (فيديو) logo بصاروخ “جهاد”.. حزب الله يستهدف ثكنة إسرائيلية
"ناي الأندلسي" لياسين عدنان... تجربة حياتية تغنّي شعراً
2024-07-03 11:55:32

الأندلسي يغني بإحساس عال يستله من تجربة متنوعة، ويحوّل تفاصيل تلك التجربة إلى قصائد مشبعة بالحكمة، والصور السوريالية، والتأمل، ليصبها في لغة محلّقة تكون واضحة مباشرة أحياناً، ورمزية تفتح الروح على احتمالات تخص القارئ ذاته. فياسين عدنان في قصائده المطولة" ناي الأندلسي/ العائدون للنشر/ الأردن" بحاجة إلى قارئ يوازيه في سعة الأفق وغنى الوقائع، وتنوعها، حتى يمتلك المفاتيح الصحيحة لمتعة القراءة. وتحويل الوقائع، والمدن، والبيئة المتنوعة على هذه الأرض، الضوء والطائرات والبلدان، إلى شعر ممتع، عادة ما يفاجئ الذهن بعض الأحيان. هي واحدة من صفات هذا الديوان الضخم، خاصة وأن ذلك هو ما جعل للقصائد كلها تقريباً بصمة واحدة، وأجواء غير مختلة.

بنايه الأندلسي يغني ياسين عدنان للجسد والروح، للحب بين رملة وأخرى، للمطارات، للصداقات الغابرة. يغني للمدن وعشاقها، للشوارع آخر الليل، والحانات الثملة والضفادع في بركة منسية تحت ضوء القمر. والشاعر يمتلك، بلا شك، عينين طفوليتين تدهشهما تفاصيل الحياة كما لو أنهما تراها للمرة الأولى. ومن هنا تأتي دفقة الشعر وجماليته. وكما يحصل في العادة/ تتقدم طيور الموسيقى من بحيرة البجع/ فتسعفها الصنوج/ وتمالئها الراقصات/ تتقدم الموسيقى/ من سمك البحيرة/ ملفوفة في سيلوفان الأوتار. يتفحص كل شيء كي يصوغه جملا شعرية لها مغزى، ولها لغة تدهش في بعض مقاطعها لبراعة تركيبها وصياغتها. إنه يقارب ما هو بيئي وغير مدجن، من منظور فردي بحت، ليمنحه حكمة مستقاة من رحلة ذات تعذبت في عيشها، وغاصت عميقاً في لحم التجربة الإنسانية.
هكذا جاءت حساسيته الفائقة تلتمس حلاً روحياً تتناوشه كالغريق، مما يحيطها، المرأة والبحر والبحارة والسمك والغناء، وفوضى الذهن العارفة المصقولة بثقافة عصرها، مزاوجاً بين الأصول الفلاحية وحياة البحارة الذين تحدروا من أسلاف كانت الأرض لهم موئلاً وحضن أمان. يضع ياسين عدنان ذاته الشعرية بمواجهة ذلك العالم الذي لم يعد مطمئناً، فجاء مونولوجه الشخصي وهو يخاطب امرأة غائبة، عشقها يوماً ما، حاملاً للقلق الوجودي المتمثل بخيبات الحب والرجولة والحياة الأليفة: "لقد رأيت شفتيه تتسلقان أغصانك/ أنفاسه/ تطارد الفراشات/ في حديقة صدرك/ وأحسست نحاسه لزجاً/ بين أليافك". هذا القلق الوجودي، المحوّل شعرياً، يدفع خيال الشاعر للبحث عن معادل يوتوبي يجده في البحارة الذين تحدروا من فلاحين، يندغم في حياتهم حين يتحلقون في الليل حول الضوء البارد، البطيء، ويحفظ أغانيهم الحزينة، تلك التي لا تشبه أغاني الرعاة، وحكاياتهم عن الحيتان على رغم أنهم لا يصطادون غير الأسماك الصغيرة.
في مطار ميونخ الألماني تتحول الطائرة الهولندية إلى حوت أزرق نافق في جليد المدرج. والمسافرون يلوحون من بعيد كخواطر معدنية بلهاء. ياسين عدنان يقتنص اللقطة الشعرية المكتملة، بخيطها الحكائي، عبر لغة لها روح مشرقية، تنتسب إلى أفق الصورة الشعرية المرتكزة بقوة إلى جملة عربية رصينة، بعيدة من تفكك لغة الترجمة وتأثيراتها التي شاعت في قصيدة النثر العربية. هو شاعر من هذا العالم، يكون مرة في ساحة البيت الأبيض الأميركي، ومرة تحت سماء استوكهولم السويدية. مراكش وأمستردام. وسط رمال الصحاري يدون عجائبها، وفي فنادق للسياح والمسافرين. هو المغترب الأبدي والباحث عن مغزى لحياته لا في الكتب فقط بل في تواتر التجارب وأحكامها. والحياة تصير أحيانا رحلة في باص يسير ليلا بين باريس وبروكسل، والفتاة تنام على صدر الشاعر. وتصير رحلة بحرية على سطح مركب سكران. كما لا ينسى طيبة ذلك الشخص الإسكندنافي الذي عرفه في شوارع كوبنهاغن. يفرش ياسين الكلمات حوله مثل سجادة، ويتأمل في قصصها وصورها وأشكالها لكي يلملم قصيدة تهيمن على خيال القارئ وتمنحه رؤية صافية للوجود. هي إذاً الأنا الفردية في مواجهة العالم، الشعر المندلق جملاً تصوغ صوراً تمنح دلالات واعية، ومشغولة، في مواجهة الفوضى واللاطمأنينة والفائض، أي كل ما هو ليس شعرياً: النثري المنبثق من حركة الحياة، ومن طين الواقع بزوائده واستطالاته وتكراراته البعيدة من الصوغ الفني. إنها أنا لا يمكن ان يقال عنها، ومن خلال تماوجها في مجمل القصائد، إلا أنها أنا متألمة، جريحة، محبطة، تنشج ليل نهار، بصوت أكثر من عال: جثث كثيرة تنمو في بالي/ فأشرب بلا هوادة/ وأنام بعينين مفتوحتين/ على أنفاس المطاط/ أغرز مدينة الصمم العظيمة/ في لحم الأجراس/ وأكره الأصدقاء. وثمة شعرية شابة، منطقها الفني يحمل اختلال الواقع وعنف التجربة، لم تؤطر بإسقاطات المتوارث الثقيل الوطأة على ذاكرة الشاعر. شعرية اندمجت فيها تأثيرات الثقافة الغربية والشرقية، في شكل صحي ومتناسق، حيث ظلت القصيدة وفية لمادتها، سواء من طريق البيئة المحلية والذاكرة الشعبية، أو من طريق مسرد الأحداث المعروفة والأسماء الدائرة في سماء الثقافة العربية.
أنا تعيش مأساتها بقوة، والمأساة ناتجة من اصطدام هائل بين التصورات الساذجة للحياة، وبين الاختبار الشخصي، روحاً وجسداً. من خلال الفعل الشعري، لتحويل ما هو سردي واقعي إلى فن، فنار ذلك التجربة التي تزيل غشاوة التلقين، وما هو جاهز ومسبق له صفة الديمومة الكاذبة: قد قطعت براري العمر/ لاهثاً في الطريق إلى عام ألفين/ والآن/ بعد كل هذه الأخاديد التي حفرتها الأيام داخلي/ لم يحدث شيء. لم يحدث شيء. وسر التجربة تفضحه اللغة، وقد تخلصت من الإنشاء، والتزويق البلاغي، واحتفظت بماء الفكرة بين ثنايا الكلمات والجمل. هذا على رغم الإشارة إلى ثغرات تهويمية، كانت تفاجئ الذهن بسبب طول القصائد، وفلتان البؤرة أو ابتعادها في بعض الأحيان. الشعر لم يعد يحتمل الإطالة، بعد التفتت الهائل الذي يشغل دخيلة الإنسان المعاصر.
والقصائد بمجملها فيها روح ملحمية لفوضى الحياة الحاضرة، بسورياليتها المنفلتة، وكان الشاعر فيها راصداً حساساً، ورائياً غير محايد. إذ راح يظن أن المعرّي الذي كان ينفخ بجواره على النار لتصير برداً هو الذي كتب بالنار. وعبدالرحمن بن ملجم هو من اغتال السادات. لم يعد الشاعر يعرف الفارق بين الشاهق وسيارة نقل اللحوم، ولا عواء الذئبة والحب. ماؤك قاحل/ أيها الأندلسي/ ونارك خضراء. الأندلسي لا يغني فقط، بل يحترق أحيانا بنار زرقاء. اختلاط في المسميات والرموز، بعد أن أغلق العالم كتابه وانسحب إلى ضلال الأحاسيس. وكان الشعر يقرع طبول عزاء قد لا تكون مسموعة، إلا انه بذل المحــاولة على الأقل لتوضــيب تلك الفوضى.
وأنت تغادر قسوة الحياة أيها القارئ ستلتقي بالشعر في تنويعاته المنفلتة دون ضفاف أو أطر. ومن هنا تأتي، ربما، الفرادة. الفرادة البعيدة عن القطيع الشعري.



المدن



ملاحظة : نرجو ممن يرغب بإضافة تعليق، صياغته بلغة لائقة بعيدة عن القدح والذم والتحريض المختلف أو المسّ بالكرامات. إن كل ما ينشر من مقالات وأخبار ونشاطات وتعليقات، لا تعبر بأي شكل من الأشكال عن رأي الموقع الذي لا يتحمّل أي أعباء معنويّة أو ماديّة من جرّائها.


التعليقات

لارسال تعليق يرجى تعبئة الحقول الإلزامية التالية

الاسم الكامل: اختياري *الرسالة : مطلوب

 البريد الالكتروني : اختياري

 الدولة : اختياري

 عنوان الرسالة : اختياري

 



INN LEBANON

اشترك و أضف بريدك لتلقي الأخبار

تابعونا على مواقع التواصل الاجتماعية
INN LEBANON ALL RIGHTS RESERVED 2024
top