إنّ من يريد أن يؤرّخ للتحوّلات المجتمعيّة والفنّيّة في لبنان والعالم العربيّ إبّان العقد الأخير لا يسعه أن يغضّ الطرف عن «مشروع ليلى» على الرغم من الالتباسات التي تحيط بهذه الظاهرة، أو ربّما بسبب هذه الالتباسات: تعاطف قلّ نظيره مع فرقة غنائيّة لبنانيّة من خارج الكلاسيكيّات الشعريّة والموسيقيّة في مصر، أمّ الدنيا والعقل العربيّ الأكبر، تلته اعتقالات. منع لحفلات في الأردنّ بحجّة الإساءة إلى الذوق العامّ. بعدئذ، وقبيل ثورة 17 تشرين اللاعنفيّة في لبنان، دخول للمؤسّسة الدينيّة المسيحيّة على خطّ الحؤول دون مشاركة الفرقة في مهرجانات جبيل بحجّة الإساءة إلى الرموز الدينيّة، وذلك في تحالف موضوعيّ أخرق بين السلطتين الدينيّة والسياسيّة.لا يمكن اختزال حماس جيل بأسره من الشباب العربيّ لهذه الفرقة بأنّها، من حيث بروفايل مَن ينتمي إليها وبالنظر إلى مضامين بعض أغانيها، تقبض على ناصية الدفاع بالفنّ عن مجتمع «الميم». طبعاً لا يمكن الاستهانة بهذا الجانب. فالفرقة نقلت قضيّة المثليّة الجنسيّة من الزواريب الخلفيّة لمجتمعات لا تزال مسألة الجنس المكبوت فيها تصيبها بالتشنّج، إلى الفضاء العامّ بواسطة خشبة الغناء. وهذا في ذاته أمر على جانب كبير من الأهمّيّة.. ومن الخطورة. لكنّ هذا البعد، على أهمّيّته، لا يستنفد الظاهرة، بل يحملنا إلى ما هو أبعد. فظاهرة «مشروع ليلى» لا يمكن الإحاطة بها ما لم نضعها في سياق ثورات الربيع العربيّ التي خلخلت المفاهيم التقليديّة لمجتمعات واقعة سياسيّاً واقتصاديّاً في مأزق ذاتها: من الذكوريّة المفرطة وجور الحكّام وحلفائهم في المؤسّسة الدينيّة مروراً بالتحجّر العقليّ في التعاطي مع مسائل الشأن العامّ وصولاُ إلى قضيّة الحرّيّة الفكريّة والاجتماعيّة بكلّ مندرجاتها. بكلّ بساطة، ظاهرة «مشروع ليلى» هي تعبير عن الاصطخاب والتموّر في المجتمعات العربيّة. وهي محاولة للبحث عن لغة جديدة تخاطب هموم جيل جديد من خارج صندوق الموسيقى العربيّة الكلاسيكيّة واللغة العاطفيّة المفرطة لمعظم الفيديو-كليبات الغنائيّة المسجّلة. بهذا المعنى، هي تقع في خطّ الظواهر الفنّيّة التي تسائل المسلّمات وتستولد القفزات التي تقوم بها المجتمعات حين تضع ثقافتها الماضية تحت مجهر النقد وتحرّك المياه الراكدة في قعر الاقتناعات الموروثة.حين حاول المفكّر والأستاذ الجامعيّ أومبرتو إيكو أن يتفحّص السبب الذي حمله على إسباغ عنوان «اسم الوردة» على روايته الشهيرة، راح يستعرض رمزيّة الوردة في الثقافة الغربيّة، بكلّ ما تنطوي عليه من محمولات، من غير أن يزوّد القارئ بجواب نهائيّ وشافٍ. ترى ما هي الدلالات التي كانت الفرقة تومئ إليها حين أطلقت على مشروعها هذا الإسم الغريب؟ في الثقافة العربيّة، تأخذنا ليلى إلى الحبّ في إطلاقيّته، إذ تحيلنا على الحبّ المكسور الذي يفضي إلى الجنون، وعلى الجنون الذي ينبثق منه الشعر. والشعر في الوجدان العربيّ هو المكان الذي تتكثّف فيه الرؤيويّة النبويّة والجماليّات البلاغيّة معاُ، وهو كذلك صنو الحرّيّة، لأنّ الإبداع الشعريّ والفنّيّ لا قواعد له. ومن ثمّ، حين مُنع حفل «مشروع ليلى» في الأردنّ وفي لبنان بحجّة تشويه الذائقة الشعبيّة تارةً ومساءلة التابوهات الدينيّة طوراً، كان هناك ما هو أعمق من التصدّي لفرقة موسيقيّة قائدها يجاهر بمثليّته الجنسيّة. فما كان على المحكّ هو الحرّيّة، والحرّيّة فقط، تقابلها تهويمات السلطة السياسيّة والدينيّة المتباهية بقدرتها الكاذبة على أن ترسم حدوداً للإنتاج الفنّيّ والجماليّ، وأنّ تملي على ليلى ومجنونها مسارات التحرّك في فضاءات الثقافة العربيّة.بانفراط عقد «مشروع ليلى»، الذي قرأنا عنه في الأيّام الماضية، ترتحل ليلى إلى مكان سرّيّ في الصحراء تخبّئ فيه لفائف قصائدها في جرار خزفيّة أقوى من الزمن، وذلك في انتظار أن تدقّ ساعة خروج هذه القصائد واستعادتها في مناخات أخرى وتحت شموس أخرى. لكنّ هذا لا يستتبع أنّ المشروع قد سقط. فالحرّيّة، التي لا تتجزّأ، هي المشروع الوحيد العصيّ على السقوط، وهي القضيّة الوحيدة التي تستحقّ أن نعمل لها ومن أجلها بلا كلل. بتوقّف «مشروع ليلى»، تسافر ليلى إلى الصحراء، موطنها الأصليّ، وتبقي لنا المشروع، مشروع الحرّيّة، «زهرةً ناريّةً» بين أصابعنا ممنوع عليها أن تذبل…
ملاحظة: نرجو ممن يرغب بإضافة تعليق، صياغته بلغة لائقة بعيدة عن القدح والذم والتحريض المختلف أو المسّ بالكرامات. إن كل ما ينشر من مقالات وأخبار ونشاطات وتعليقات، لا تعبر بأي شكل من الأشكال عن رأي الموقع الذي لا يتحمّل أي أعباء معنويّة أو ماديّة من جرّائها.
التعليقات
لارسال تعليق يرجى تعبئة الحقول الإلزامية التالية


