2026-11-05
بث مباشر
إعلان
عاجل
الفنية

رحيل الشاعر سامي مهدي... أحد روّاد جيل الستينيات العراقي

وك

وكالات

02 ايلول 2022

رحيل الشاعر سامي مهدي... أحد روّاد جيل الستينيات العراقي
إعلان
توفي الشاعر والناقد العراقي سامي مهدي عن عمر ناهز 82 عاما. وعمل الشاعر الراحل في الصحافة، وتولى رئاسة تحرير صحف ومجلات، من بينها "المثقف العربي"، و"الأقلام"، وشغل منصب المدير العام لدائرة الشؤون الثقافية في وزارة الثقافة العراقية.
وأصدر مهدي أول دواوينه الشعرية في ستينيات القرن الماضي بعنوان "رماد الفجيعة"، وتوالت بعدها إصداراته الشعرية التي قاربت العشرين، ومنها "أسفار الملك العاشق"، و"بريد القارات"، و"مراثي الألف السابع وقصائد أخرى"، و"أوراق الزوال" وغيرها.وأصدر في حقل الدراسات الأدبية والنقدية كتباً، من بينها "الثقافة العربية من الشفاهية إلى الكتابة"، و"المجلات العراقية الريادية ودورها في تحديث الأدب والفن"، و"تجربة توفيق صايغ الشعرية ومرجعياتها الفكرية والفنية"، وصدرت له أيضا مختارات من الشعر الفرنسي والإسباني، بينها ترجماته للشاعرين الفرنسيين جاك بريفير وهنري ميشو، فيما كان مديراً للمركز الثقافي العراقي في باريس في السبعينيات من القرن الماضي.ويعتبر الشاعر الراحل أن لجيله (جيل الستينيات) بصمته الخاصة في الشعر العراقي، حيث طور آفاق وتقنيات الشعر الحديث، ودوّن ذكرياته وانطباعاته عن ذلك الجيل في كتابه "الموجة الصاخبة.. شعر الستينيات في العراق" كشهادة شخصية. وعرف الشاعر بعلاقته المتوترة مع بعض الشعراء والنقاد العراقيين والعرب بسبب مواقفه السياسية، إلى جانب نقده الحاد لبعض التجارب الشعرية. كتب معتزي رشدي: كيف حصل سامي مهدي على ساعة الشهيد الخالد سلام عادل؟ هل اشتراها من سوق الهرج؟ أأهداها إليه جلاد من جلادي شباط الأسود؟: اليكم هذه المعلومة المرعبة، من مقالة للعزيز عبد الكريم كاصد وجدتها منشورة في موقع الحوار المتمدن في ذكرى رحيل طيب الذكر ممدوح عدوان.أضاف رشدي: كان ممدوح، وعلي الجنديّ الصديق الحميم الآخر، من المدعوّين الدائمين إلى المربد. ما إن يصلا إلى البصرة حتى يتصلا بي لنسهر معا في أحد منتدياتها، رغم الرقابة المحكمة من قبل السلطة، ودعواتها الباذخة، وتدليلها الفائض لهما، باعتبارهما رفيقين سابقين، ولكن ما أبعدهما عن مثل هذه الدعوى، ورغم ذكائهما الشديد في التخلص من شرك الدعوات، لم يفلتا من خيط أو خيطين من الشرك، فكثيراً ما يأتيان وبرفقتهما إما مخبر أو شاعر سلطويّ، ففي مرة كان مخبرهما دكتوراً كشفا عن هويته ما إن وصلا، ولكننا سرعان ما نسينا أن ثمة رقيباً بيننا، بل أن الرقيب سرعان ما نسي دوره واستعاد إنسانيته معنا، وأخذ يهتز طرباً لنكاتنا وضحكنا المتواصل. ومرة جاء معهم الشاعر البعثي سامي مهدي وقد فاجأنا بمعلومة سمجة لا ندري ما موضعها من جلستنا إذ أخبرنا أنه حصل على ساعة الشهيد سلام عادل سكرتير الحزب الشيوعي العراقي من جلاديه!!".كتب الروائي علي بدر: للمرة الأولى التي شاهدت فيها سامي مهدي حقيقة، أي من لحم ودم كان في غاليري للرسم. لم تكن له هيئة شاعر له اهتمامات ميتافيزيقية: أصلع تماماً، يرتدي السفاري الكاكي، وبدين بدانة مفرطة، هذا قبل أن يصدر صدام حسين قرار تخسيس موظفي الدولة فيشمله القرار ليظهر فيما بعد بنصف ما كان عليه وإن بقي أقرب للبدانة منه لشخص عادي طوال حياته، بل بقيت ملابسه وهيئته أقرب لتجار الجملة في سخرية واضحة من الشاعر كرافان ابن اخت الشاعر أوسكار وايلد وهو يصف الشعراء القريبين دوماً من السلطة، حيث لا ينتمون إلى النخبة التي ترتدي ملابس مميزة تميزها عن العامة سواء بالاكسسوارات أو بالازياء الغريبة، كما هو حال النخبة المثقفة المنشقة في الغرب. لم يكن شاعراً قريبا من السلطة فقط إنما شاعر سلطة، صحيح هو لم يكتب الشعر السياسي، بل إن موضوعة الحرية لم تقلقه، موضوعة بطش السلطة لم تقلقه كان موضوعة الوجود بحسب شعره هي التي تقلقه، فكرة الزوال 1979 التي كرس لها ديوانا كاملاً، الاغتراب كما في ديوانه سعادة عوليس 1987، أو غموض الكائن التي سادت جميع شعره، وهو في واقع الأمر لم يكن شاعراً رديئاً ولكن شعره يفتقر للجذوة، يفتقر للروح، شعره مكتوب ببراعة لكنه مصنوع. لم يكن شعر تجربة مأساوية كما هو شعر فوزي كريم، أو شعر ثورة كما هو شعر فاضل العزاوي، أو شعر دراما هائلة كما هو شعر سركون بولص، أو شعر ملحمة معاصرة كما هو شعر حسب الشيخ جعفر. هو شعر مكتب مبرد ومخدوم خدمة جيدة، شعر موظفين أدمنوا الخدمة، شاعر يراقب الكون دون أن يتدخل في تفاصيله، شاعر يعرف أكثر منا، شاعر واضح، ولكن وضوحه يغري فهو يتعالى علينا بلغته ورموزه، الشاعر مدير، بقي طوال حياته مديراً، مدير المركز الثقافي العراقي في باريس، مدير دائرة الشؤون الثقافية، مدير تحرير، هو مدير حتى في شعره، هو يدير الشعر أكثر مما يكتبه، قصائده مقادة وموضوعة ومسيرة حسب رؤية المدير وأيديولوجيته، لم يشك ولا لحظة واحدة حتى وفاته لا بالأيديولوجية ولا بتطبيقاتها التي انتهت به لاجئا من دون راتب، كما أنه لم تكن لديه ولا حتى أزمة ضمير إزاء الشعراء من جيله الذي انتهوا منفيين او مسجونين أو مقتولين فهو كشاعر أو كمثقف أبعد ما يكون عن التعاطف. كما أنه لم يكن مدرسة كاملة في الشعر له تلامذته ومقلدوه ومريدوه مثل سعدي يوسف، لقد عجز أن يجد شاعرا واحدا يتبعه، ولم نجد شاعراً واحداً نقول إن شعره تقليد واضح لشعر سامي مهدي.أضاف بدر: لم يكن سامي مهدي شاعرا ذكياً فقط إنما كان ناقدا مفكراً أيضاً. قاد مسيرة هائلة في تبخيس بضاعة كل الشعراء من الأجيال السابقة والاجيال اللاحقة، فالسياب لم يكن مجدداً، ونازك الملائكة مقلدة لشعر إدغار ألان بو محافظة ومترددة، والبريكان شاعر يجدد في قوالب قديمة، والبياتي جدد في أباريق مهشمة وتوقف. اشترك في بيان مجلة شعر 69، وقد قلد تجربة شعر اللبنانية بحذافيرها، حتى في اسم المجلة التي أضافوا لها 69، وأراد صناعة خصومة مع فاضل العزاوي شبيهة بخصومة آدونيس ويوسف الخال، وهو كناقد كان محترفاً، كتب أهم كتاب عن تجربة الشعراء اللبنانيين في مجلة شعر "أفق الحداثة وحداثة النمط"، بحث علمي دقيق وموثق على نحو لم يتمكن منه أي ناقد لا في العراق ولا في الوطن العربي ولكنه لم يتخل أيضا عن أيديولوجيته العروبية في اتهامهم بأنهم معادون للعروبة والإسلام كونهم من بيئات ثقافية هامشية تسعى للنيل من المركز العربي المسلم، واتخذ من نفس الذريعة في اتهام جماعة كركوك في كتابه الموجة الصاخبة، بأن أصول أكثرهم تركمانية وكردية، وجعل هذه المحددات هي الأساس في النظر لأي تجربة مجددة في الشعر العربي والثقافة العربية، وحتى في قراءته لشعر توفيق صايغ التي صدرت عن دار رياض الريس، فإن قال عن صايغ أنه صاحب مشروع شعري خاص به ومتميز من غيره، وأن الخطوط العامة لهذا المشروع كانت مرسومة في ذهنه منذ البداية، ومبنية على أساس أيديولوجي وديني واضح ومحدد، وهو أن يكون شاعراً سوريا مسيحياً، إذ كان له يومئذ مرجعيتان فكريتان حدّدتا هويته الثقافية، الأولى هي انتماؤه السياسي إلى الحزب السوري القومي الاجتماعي، والثانية هي انتماؤه الديني.. أي مسيحي.وقال الناقد علي عبد الأمير عجام: "شكراً سامي مهدي..
كان الشاعر والكاتب والصحافي الراحل سامي مهدي أميناً على معتقداته ومخلصاً للبعث ووفياً لسيده صدام.مبعث الشكر للرجل أنه كشف ليس في موته وحسب، بل حتى أثناء حياته، عن جوقة حاشدة من المثقفين العراقيين الكذبة، فهم هاجروا وصاروا لاجئين في كندا، استراليا وبريطانيا وأميركا كونهم "ضحايا" البعث وصدام لكنهم ظلوا يتزلفون مهدي وينافقونه ويسعدون بثنائه عليهم أو بكتابته مقدمة لكتبهم الشعرية.
إلى جانب هؤلاء ثمة من كان بمناسبة أو بغيرها "يثبرون الله وعباده" حول كونهم "معارضين" للنظام السابق وهم في داخل البلاد، لكنهم يفخرون بثناء مهدي (صوت صدام وضمير البعث) عليهم!
الرجل، سامي مهدي، صادق وأمين على معتقداته أما أنتم فحفنة كذابين سخيفة".وكتب الشاعر والاعلامي عقيل العلاق: رحل الشاعر والناقد سامي مهدي عن 82 عاما.. وهو من شعراء ونقاد الجيل الستيني وقدم دواوين شعرية باذخة بالجمال والاحساس الرقيق. كما قدم للمكتبة النقدية مجموعة مهمة من المؤلفات.
وحتى لا يتهمنا البعض من الأدباء باننا نستغل وفاة أي كاتب لننبري بتفكيك تاريخه السلبي واهمال الايجابي... فاننا نقر ونعترف بامكانيات الشاعر الراحل وانتقالاته المهمة بين الشعر والنقد وقد قرأنا له نتاجات رائعة تدلل على موهبته الادبية المتميزة.
الا ان للشاعر ايضا مواقف وسلوكيات وانتماءات فكرية لاسيما في الحقبة البعثية الممتدة من عام 1968 وحتى 2003 تقلّد فيها مناصب ادارية وصحافية وكان مقرباً للسلطة آنذاك وترأس صحف ومجلات حزب البعث.
وكان مع أدباء معروفين يشكلون الواجهة الثقافية والصحافية.. هذه الحقبة المظلمة من تاريخ العراق السياسي كانت تؤشر عليه وعلى غيره من أدباء السلطة وصحافييها بأنه جزء من المنظومة الحزبية التي أهانت المثقف العراقي الحقيقي وطاردته ونفته إلى عواصم بعيدة ليموت مغترباً مقهوراً هناك.ونشر الكاتب نامق عبد ذيب: تودّعكَ الكلمات والقصائد، يودّعكَ وطنك العراق الذي ما فارقتَه في محنته وتشرذمه، تودّعكَ بغداد، كرخُها ورصافتُها، بغداد التي دائماً في قلبكَ وروحك، وداعاً أبا نوّار وأنت عند مليكٍ كريم رحيمٍ بالأنقياءِ.منذ وعيتُ القصائد كان الشاعر سامي مهدي أمامي، أقرأ له وأتعلّم منه، أخذ منه جيلٌ كامل أسرارَ القصيدة وعظمة الشعر، كنتُ أظنُّ في مراهقتي الشعرية أن على القصيدة أن تكون طويلةً كما سمعتُ وقرأت ممن كانوا حولي، ولكنّي اكتشفت عند معرفتي به وبنصوصه أن الشعرَ عالمٌ آخر يختلف عما يفكّر به أولئك، فقرأت كلَّ مجموعاته الشعرية، وقرأت ما كان ينشره في صفحات الجرائد العراقية منذ سبعينات القرن الماضي، حتّى أنّني في مرحلة مبكّرة من كتابتي قلّدته بقصائد ما زلتُ أحتفظ بها، في بداية التسعينات رأيته للمرة الأولى في أحد المهرجانات فأهديته نسخةً من مجموعتي الشعرية الأولى.
بعد الاحتلال، وقبل مرحلة مواقع التواصل الاجتماعي افتقدته كثيراً، كنت أبحث في الإنترنيت عنه وعن أخباره وقصائده، أجد بعضها وأفتقد الكثير، ولكن في عام 2013 علمت من أصدقاء أن له صفحة على فيس بوك فسارعت بعمل صفحة لي وكان هو من أوائل من طلبتُ صداقتهم، ومنذ ذلك الحين صرت على تواصلٍ يوميٍّ تقريباً معه كما يتواصل هو مع كثيرين بالتعليق والمؤازرة دون تكبّرٍ أو ذاتية مفرطة، بل بأريحية عالية، ذلك أنه لم يضع نفسه في برجٍ عاجيّ شأن بعضهم ممن يمرون أمامي فأحسُّ بالاختناق إما بسبب منشوراتهم أو بسبب مواقفهم وآرائهم النابعة من أرواح ضيّقة، كان للشاعر الكبير سامي مهدي تواجد صباحي يكاد يكون يومياً، ينشر فيه قصائده وأفكاره ورؤيته للأحداث، وكنتُ أتابعه بحرص التلميذ يتلقّى من أستاذه ما يُبهج القلب ويُغني العقل، بل كنت أتواصل معه على الخاص في مختلف الشؤون، دعوته يوماً لزيارة مدينة الرمادي هو وزوجته الكريمة أم نوّار ضيفين على عائلتي لكنه اعتذر بكياسة كاملة بعدم استطاعته في الوقت الحاضر "فعسى الأيام أن تنجدنا في المستقبل"، في سنتي هجرتنا إلى تركيا كان حريصاً على مؤازرتي ويشجّعني على العودة في كثيرٍ من تعليقاته، وحين عرف بأن دارنا قد تعرّض للقصف والهدم كان يتابع أخباره بل أنه أخبرني بأنه رأى دارنا المهدّم في إحدى الفضائيات.
وكتب عواد علي: في زيارته إلى عمّان، رفقة حرمه السيدة الكاتبة ثبات نايف (أم نوار)، عام 2019 التقيت الشاعر الراحل سامي مهدي مرتين، مرةً في مقهى الفوانيس، ومرةً في مؤسسة عبد الحميد شومان، حيث كانت تستضيف الروائي والكاتب العراقي شاكر نوري في نشاط ثقافي.
بعد عودتهما إلى بغداد كتب الأستاذ سامي مهدي منشورين في صفحته بالفيسبوك، قال في الأول: "حين التقينا في عمّان، أهداني الصديق الروائي عواد علي روايتيه "جسر التفاحة"، و"حماقة ماركيز". وقد قرأت الأولى وأوشكت أن أكمل قراءة الثانية. آمل أن تتاح لي فرصة الكتابة عنهما خلال الأيام القادمة.
وقال في المنشور الثاني "من أجمل المناسبات التي وقعت لي في عمّان ذلك اللقاء الذي جمعني بالروائي المبدع والأكاديمي المثابر عواد علي.
لقد تكرر اللقاء أكثر من مرة، غمرنا الصديق عواد في كل مرة بنبله وكرمه وسماحته.
فله تحياتي وتحيات أم نوار".
وداعاً أبا نوار، شكّل رحيلك خسارةً كبيرةً للشعر العربي والثقافة العربية. كان الشعر عندك بالفعل "مزيجاً من الرؤية والحلم والذاكرة، وكانت كتابة القصيدة مزيجاً من الوعي واللاوعي"، كما قلت مرةً. كنتَ حريصاً على أن تكون قصيدتك نسيجاً دلالياً وإيقاعياً متشابكاً، ومنسجماً في تفاصيله، يفضي في نهايته إلى تشكيل كلي قابل للتأويل.ونشر الشاعر التونسي منصف الوهايبي: وداعا سامي مهدي.. أيّها الشاعر المعلّم/ هذا بعض ما كتبته عن تجربة سامي مهدي منذ ستّ سنوات..
أشرت في مقال سابق إلى صعوبة تحقيب الشعراء أو تصنيفهم إلى أجيال. وقد دأبنا كلّما تعلّق الأمر بالشعر العربي الحديث إلى القول إنّ هناك ثلاثة أجيال: جيل الحداثة الأوّل فالثاني فالثالث، وربّما «ما بعد الحداثة» كما يطيب للبعض.
وثمّة ما يشبه الإجماع ـ ما تعلّق الأمر بالمدرسة العراقيّة أو «الآباء المؤسّسين» ـ على أنّ الجيل الأوّل يشمل من حيث التراتبيّة الزمنيّة، السيّاب والبيّاتي ونازك والحيدري؛ وإن كان بلند لا يُذكر إلاّ نادرا؛ إذ أهمله المنظّرون كما يقول عيسى مخلوف، واعتبروه من هوامش الريادة لا متونها، على الرغم من لغته الحيّة المتوتّرة، ونفَسه الملحمي. والحقّ أنّ مقولة «التأسيس» في ثقافتنا تفيض على حوافّ المنظومات المعرفيّة والسياسيّة «الوطنيّة» معا؛ وكلّ منها تستصفي هذه المقولة ميزة جوهريّة تجاذب بها غيرها، بوجه حقّ حينا، وبغير وجه حقّ حينا. فإذا انتقلنا إلى الجيل الأقرب إلى هؤلاء، استوقفتنا أسماء شعريّة بارزة: سعدي يوسف ويوسف الصائغ وسركون بولص وسامي مهدي وعلي جعفر العلاق… ولكلّ منهم مزيّته الشعريّة الخاصّة. وقد تخيّرت أن أقصر هذا المقال على تجربة سامي مهدي، لسببين: أحدهما اطّلاعي على أكثر مجاميعه، وإن كنت أتمثّل هنا بمجموعته «حنجرة طريّة»؛ والآخر ـ وهو رأي أجازف به ـ فهذا الشعر في تقديري صورة لأظهر خصائص المدرسة العراقيّة، قلّما اجتمعت في شعر شاعر عراقيّ آخر إلاّ عند سعدي يوسف. وأقصد قوّة اللغة (وأستثني البيّاتي والحيدري فلهما شأن مختلف)، والتمرّس بها واستكشاف مدى استجابتها للخيال أو استجابة الخيال لها؛ حتّى أنّ المعنى فيها موقف منها أو هو افتتان بقوّة الكلمة على خلق الصورة، وربّما تعذّر، بسبب من ذلك، على الإدراك.
يُعرّف الشعر في الأعمّ الأغلب، باستخدامه الخاصّ للغة؛ أي بمعنى «الفرق» عن اللغة المتداولة أو «المحكيّة»، وهو حدّ غير دقيق، إذ كثيرا ما يتلفت سامي مهدي ناحية النثر لا في هذه القصائد النثريّة التي أشير إلى بعضها في ما يأتي، وإنّما في أكثر شعره الموزون، حيث يطعّم قصيدته بسرديّة خاطفة أو مطوّلة، وبمفردات اليومي والمعيش، ويخلّصها من الإسراف في التّنغيم (إلاّ في الموزون حيث يحرص على القافية) لكن من دون أن يمنعها ذلك من أن تكون نصّاً شعريّاً «إنشاديّا»، وهو الذي يعيد تركيبها في الميديوم/الوسيط الشعري؛ حتى أنّ ما نسمّيه «قصيدة النثر» يمكن أن يكتب داخل الوزن أو الإيقاع، كلّما تخفّفت (الشّعريّة) من شعريّتها أو مِمّا زاد منها على الحاجة أو من فضل القول. كما يعرّف الشعر باحتفائه بتماثلات الصوت والإيقاع والصورة، وهي من مظاهر كثافة اللغة الشعريّة أو سُمكها. فالقصيدة نظام مخصوص من الكلمات. وهذا النظام هو الذي ينبغي أن تستكشف مؤتلفاته ومختلفاته، وما يعقده بعضها ببعض، من علائق شدّ وجذب. وفي مقال كهذا، هو ليس أكثر من إطلالة على عالم شاعر له أثره في كثير من أبناء جيلنا، يتعذّر أن نأتي على كلّ هذه العناصر.
القصيدة التي تفتتح هذه «النثريّات» الاستثنائيّة في تاريخ قصيدة النثر، هي قصيدة
«حنجرة طريّة» وهو العنوان الذي وسم به الشاعر الكتاب كلّه بقسميه الموزون والمنثور. والقسم الثاني منه «النثري» يستدعي وقفة، ولو عجلى، على العنوان فهو ليس مجرّد « تعيين خالص»، إذ هو ينهض بوظيفتين معا: غرضيّة وشكليّة. والأولى تومئ إلى محتوى النصّ، فيما الثانية «تجنيسيّة» أو فنيّة.أضاف الوهايبي: هذه القصيدة تؤكّد على بساطتها المراوغة ما يسمّى «الجوهر التأثّري» في الشعر أي إيقاع الأشياء والذوات؛ أو ما يتلقّفه الوعي ونحن نتذكّر أو نحلم الحلمَ الذي يملأ كلّ أرجاء عالمنا الخاص أو ما يسمّيه علماء النفس «الذاكرة التأثيريّة»؛ فلا يتبقّى من الجارة التي تعوّدت أن تصرخ في كلّ ليلة «سوى حنجرة طريّة» أشبه بأثر مخزون في الذاكرة. و»الجارة» قد لا تكون أكثر من «معادل موضوعي» أو معادل انفعاليّ أو «خيال سمعيّ» للفكر أو للشعر نفسه، حيث الحنجرة الطريّة هي الكلمة الطازجة الدقيقة في مقابل الكلمة التي تذبل وتضمر وتفقد جدّتها ونعومتها. وربّما ليس أدلّ على ما أنا بصدده، وأتمّ من كلمة خشخاش. والخشخاش ليس مجرّد النبات الذي يستخرج منه الأفيون، وإنّما هو في القصيدة رمز لكل شيءٍ يابس أو ميّت، لا يصدر عنه سوى صوت أشبه بصرير الحشرجة؛ ِذَا حُكَّ بعضُهُ ببعضٍ:
ذات ليلةٍ سمعت جارتي تصرخ/ فحملتُ ريشي وذهبتُ إليها/ منحتها هدهدةً وشيئا من الخشخاش/… حتى جاءت ليلة صرختْ فيها كثيرا/ صرخت حتى الموت/ ولم يكن لديّ خشخاش/ وكانت بي حاجة إلى هدهدَة.
والنصّ أشبه بسلسلة من الأحداث المختزلة تتمثّل واقعة خارجيّة، يقدّمها الشاعر بخبرة حسيّة؛ فتكون مثار الوجدان أو الانفعال. والحقّ أنّ سامي مهدي يصوغها في شكل معادلات رياضيّة للحالات الإنسانيّة، تنمّ عن قوّة ذهنيّة قد يكون مردّها إلى تكوينه العلمي.
ولعلّ ذلك كان سببا من أسباب حفاوة الشاعر بالتعبير الكنائي أو الرمزي الذي لا يقاوم القراءة ولا يحول دون استعادة المعنى، لما تقوم عليه الكناية من المجاورة، ومن الوظائف التي تعلق بها سواء أكانت إفهاميّة أم إخباريّة مرجعيّة، بل جماليّة أيضا ترجع إلى إيقاع الائتلاف بين المختلفات؛ أو «تأليف الغريب».
ومن هذا الجانب فإنّ ظاهرة كهذه أبعد من أن تفسّر بطغيان وظيفة دون أخرى، فثمّة في كلّ هذه النصوص؛ مراوحة لا نخالها تخفى بين ما هو «جماليّ» وما هو «مرجعيّ» أو ما نسمّيه «شفافية التّوصيل». وأمثلة ذلك كثيرة في هذا الكتاب، فـ»داليّة المعرّي» مثلا استئناف لإنشائيّة الأثر. وهذه القصيدة نشأت منذ البداية قرائيّة، تنشأ وهي تقْرأ موادّها وخاماتِها وكلّ ما يدور في فضائها؛ ولكن بحسب ما تمليه عليها طبيعة جنسها:
تسُوطني دالية المعرّي في كلّ يوم/ فأمشي بخفّة ويقظة/ لئلاّ أرفس جمجمةَ أحد الأسلاف/ ولكن سرعان ما أنسى/ وأسلمُ نفسي لخيلاء الأحياء…
ولا نخال صورة كهذه إلاّ مظهرا لمعنى ناجز تامّ سابق على النّصّ (خفّف الوطءَ في النصّ الأمّ) وإن كان ذلك لا يحول دون أن ينشئ معنى أو فضل معنى إبّان قراءته؛ كما هو الشأن في صورة التفاحة التي تنطّ مثل ضفدع، لنكتشف أنّنا مهما دارينا، أن سلّم الحياة مصاطب من عظام الموتى. وهي صورة»خلاسيّة» مركّبة لا تغني هذا النصّ فحسب، وإنّما تغني السابق أيضا أي نصّ المعرّي، بحيث يُقرأ في ضوء لاحقه في سياق شكل من أشكال التداخل؛ حيث الزمنيّة الشعريّة لا تتوزّع إلى ماض وحاضر ومستقبل، وإنّما هي حاضر أبديّ، ولا يحتاج الشعراء بموجبها إلى أن يعيدوا إحياء «الموتى» فهم حاضرون في قصائدهم ،وهم يحاورونهم باستمرار. وضمن الوعي بأنّ الشعري قائم على التداخل، يكون منشدّا إلى نفسه مثلما هو منشدّ إلى سابقه بل لاحقه؛ إذ هو ينشأ «قرائيّا» أو هو «يضفي معنى أشدّ نقاء على كلمات القبيلة» بعبارة مالارميه: الأحياء يمضون ولا يلتفتون/ وفي يد كلّ منهم تفّاحة يقضمها بالتذاذ/ ويلفظ بذرتها وراءه/ وفي رأسي صوت نحاسيّ/ يردّد دالية المعرّي.
على أنّ هناك مزاوجة في بعض هذه النصوص، بين أداء شفهيّ وأداء كتابيّ حيث الفصيح يستلهم الكلام المألوف؛ على نحو ما نجد في نصّ «الشيخ غزال» الذي لا يعرف أحد كيف ينام ولا كيف جُنّ. وهو «حكاية رمزيّة» أي «أليغوريا»:
ذات صباح اختفى الشيخ غزال كما تختفي البروق/ ولم يره أحد بعد ذلك أبدا/ لكنّه ترك وراءه جناحين كسيرين/ وكتابا مدرسيّا في طبّ العيون/ وذات مساء أطلّت نجمتان برّاقتان فوق بيته، فقيل إنّهما عيناه/ ومنذ ذلك الحين والنساء العواقر/ ينذرن لعينيه النذور.
وقسْ على ذلك نصوصا أخرى مثل «الخيول» التي تعرف وحدها لِمَ سُمّيت خيولا. فهذا النصّ يكشف عن قدرة لا تخفى في استنطاق المعاني الحافّة، أي هذه الدّلالات المتجاورة التي تزري بالمعجم. ومثال ذلك أيضا «ضربة حظّ»:
أحلم بحذاءٍ جديد/ حذاءٍ حديديّ/ أعبر به من قارّة إلى قارّة/ لكنّ آسيا تلك القارة العتيقة/ هي المعضلة/… فما زالت تحبّ الأسمال والثورات ودعابات المتروبول…/ فلم أجد إلاّ رأسي/ ولكنّنني اكتشفت بعد ثوان وليس أكثر/ أنّ رأسي ليس سوى بطّيخة آسيويّة…
صحيح أنّ لغة الشاعر ذات إيقاع خاصّ بها يختلف عن جوهر الإيقاع الصّاعد في القصيدة. ولكنّ أخذ البنية الصرفيّة عنده، بالاعتبار يمكن أن يوقفنا على مشابهة «عجيبة» بينها وبين بنية التفعيلات، ويفضي بنا إلى استنتاج قد يرى فيه البعض تمحّلا؛ ومفاده أنّ الشعراء المتمرّسين بالوزن، هم الأقدر على كتابة قصيدة نثر متميّزة.
ملاحظة: نرجو ممن يرغب بإضافة تعليق، صياغته بلغة لائقة بعيدة عن القدح والذم والتحريض المختلف أو المسّ بالكرامات. إن كل ما ينشر من مقالات وأخبار ونشاطات وتعليقات، لا تعبر بأي شكل من الأشكال عن رأي الموقع الذي لا يتحمّل أي أعباء معنويّة أو ماديّة من جرّائها.

التعليقات

لارسال تعليق يرجى تعبئة الحقول الإلزامية التالية

مقالات ذات صلة