2026-11-04
بث مباشر
إعلان
عاجل
الجيش يُحبط محاولة تهريب سوريين إلى لبنان• توقيف مطلوبين بجرائم مخدرات وترويج عملة مزيفة• من القيادة الشمالية.. رئيس الأركان الإسرائيلي يهدد “حزب الله”• عباس علوية.. لأول مرة لبناني يفوز بمقعد في «مجلس شيوخ ميشيغان»• نائب الرئيس الأميركي: الحرب في إيران هي سبب الهزيمة في الانتخابات• إيلي صليبا في قبضة الأمن.. هل وقعتم ضحيّته؟ (صورة)• عن “غارة قبريخا”… هذا ما أعلنه الجيش الإسرائيليّ• المفتي قبلان: حذارِ من ترك لبنان تحت ضغط الإنقسام الداخلي العامودي•
الفنية

"نحن من هناك" لوسام طانيوس.. أسئلة الهجرة والوطن والعائلة

وك

وكالات

28 آب 2022

إعلان
بعد جولته في حلقة المهرجانات السينمائية لمدة عامين تقريباً، مع نصيب من الجوائز المعتبرة، ينهي الآن فيلم "نحن من هناك"(*) رحلته الطويلة بالوصول إلى الصالات، متيحاً الفرصة أخيراً لاكتشاف هذا العمل الأول لوسام طانيوس (1989، بيروت)، المتعلّق بموضوعٍ عالمي لمسه شخصياً. فمن خلال هذا الفيلم الوثائقي، يعالج المخرج قضية الهجرة وعواقبها من خلال متابعة السعي الشخصي لفردين من عائلته، اختارا مغادرة وطنهما لتجربة حظهما في بلد آخر. مقاربة وارتكاز يعزّزان قوة هذه الشهادة الفيلمية بثقلٍ عاطفي لافت.
غذّت الحرب السورية وتراجيديتها مساراً سينمائياً كاملاً حاول ملاحقة أحداثها وفحص تبعاتها ومعاينة أضرارها: على سبيل المثال لا الحصر، "فلسطين الصغرى" لعبد الله الخطيب، الذي يتابع حصار مخيم اليرموك للاجئين الفلسطينيين بالقرب من دمشق، أو "إلى سما" لوعد الخطيب و"لسة عم بتسجّل" اللذين يوثقان حصار حلب بتسجيلات وصور مهرّبة من داخلها؛ فضلاً عن أخرى استهوتها مقاتلات المقاومة الكردية، كما في "بنات النار" لستيفان بريتون و"الضفة الأخرى للنهر" لأنتونيا كيليان، و"بنات الشمس" لإيفا هوسون)، ناهيك عن أفلام أخرى تابعت الآثار الكارثية التي خلفّها تنظيم داعش ("نوتورنو" لجيانفرانكو روزي، و"9 أيام في الرقة" لإكزافيه دو لوزان).لا يتضمّن فيلم وسام طانيوس موضوعة الحرب السورية بشكل مباشر، إذ تشكّل فقط الخلفية التاريخية التي تجبر ابني خاله السوريْين على المنفى. في هذا المنفى اهتمام المخرج، مثلما يوضّح عنوان الفيلم، الذي لم يكن يدرى المخرج حين بدأه في العام 2015 كيف سيكون شكله النهائي أو مصير أبطاله، أو حتى أنه في الأخير سيأخذ نفس مسارهما ليهاجر من لبنان إلى فرنسا.
جميل وميلاد خوام شقيقان سوريان بشخصيتين مختلفتين للغاية. الأول نجّار بالوراثة، يسير على خطى والده، ويدبّر أموره بما هو موجود. أما الثاني فعازف بوق، حسّاس وحالم. وبما أن وطنهما الأم، سوريا، غارق في حربٍ لا تخصّهما، يهاجر جميل أولاً إلى بيروت ثم يقوم برحلة غير شرعية إلى السويد. ميلاد يبقى في دمشق، لكنه في النهاية لا يستطيع أن يضيّع وقتاً أكثر من ذلك ويقرر المغادرة إلى برلين. يوثّق ابن عمتهما وسام رحلتهما لأكثر من خمس سنوات، مستعيداً ذكريات الطفولة، وفي الأثناء يسائل المعنى الحقيقي للوطن.يكشف هذا الإعداد الحميم عن الصفات المتأصلة لهذا التغيير الجذري في الحياة، والذي يتم التعامل معه بشكل من أشكال التواضع، ما يجعل هذه الرحلة إلى المجهول إنسانية بعمق في كل من محتواها وبنيتها. والأهم هنا المشاعر المتناقضة التي تشغل أذهان نجليّ خال المخرج، جميل وميلاد، اللذين وصلا إلى مرحلة حاسمة في حياتهما. بالرغم من اختلاف شخصيتيهما، إلا أن هدفاً مشتركاً يجمعهما، هذه الرغبة التي لا يمكن كبتها في البدء من جديد، في بيئة أكثر سلاماً من تلك التي صارت عليها دمشق، حيث يمكنهما النماء والتطوّر والحلم بمستقبل أفضل. أمام كاميرا طانيوس، يشرع الأخوان في سعيهما التحرري، ويبدآن مرحلة انتقالية لا تخلو من تداعيات، كما يؤكد التسجيل/التوثيق الذي يتشكّل تدريجياً أمام أعيننا.الفيلم إذن قصة تجدّد وبداية جديدة، مثلما، في الوقت ذاته، قصة انفصال. فرحيل الشقيقين يكتب نهاية عصرٍ في تاريخ عائلتهما، بدءًا من المخرج (يتيم الأبّ، والذي كان يسافر كل صيف من بيروت إلى دمشق للعب مع أبناء أخواله)، الذي يرمز إلى هذا الانقطاع بتذكير دائم بما يوحّده بأحبائه وأبناء أخواله. باستخدام صور أرشيفية شخصية، وذكريات أيام الطفولة الخالية من الهموم، يسلّط الضوء على الروابط المتينة والحميمية بمكانٍ "أكبر من الحياة"، وعبر هذا الإلحاح الشخصي تظهر القيمة التراثية والثقافية للمكان وناسه، وتجد صداها أكثر من خلال مشاركتها بين الماضي والحاضر. عنصر مركزي يضفي روحاً خاصة على هذا الفيلم الوثائقي الذي يتبع ميلاد وجميل في مراحل محورية من رحلتهما الطويلة والبطيئة نحو غد أكثر إشراقاً. يُظهر الفيلم، الممتد بين عامي 2015 و2019، صعوبة اتباع هذا المسار الوعر إلى أراضٍ أخرى - أجنبية وغريبة - وإيجاد طريق هناك.خطرٌ مزدوج، ينتج عنه سلسلة من الاختبارات والمحن لكل منهما، يقرر أحدهما المغادرة إلى السويد والآخر إلى ألمانيا، رحلة في اتجاه واحد مصحوبة بمشاعر مختلطة. بين عبور الحدود المحفوف بالمخاطر، سواء عن طريق البر أو البحر، أو الخوف من الاعتقال قبل الوصول إلى الوجهة المنشودة، يُصوَّر واقع الهجرة بطريقة صريحة ومتقشفة - من دون بؤس زائد أو متاجرة به - مع إعطاء الأولوية للتضحية بالنفس والتفاؤل. على الرغم من قساوته، فإن العبور من قارة إلى أخرى، على أهميته، لا يمثّل نهاية رحلة اللجوء، بل بدايتها الحقيقية، وظهور مشكلات وأسئلة أخرى عن التكيّف مع البلد الجديد ومحاولة خلق مجتمع يخصّ المرء. لا ينسى وسام طانيوس ذلك أبداً، إذ يسمح لإبنيّ خاله بالتعبير عن مشاعرهما على الشاشة في فعلٍ أخير يختتم هذا الفصل المحوري من حياتهما بنبرة حساسة تنبت منها بذور الأمل، على أنغام ميلانكولية لبوق ميلاد في إحدى حفلاته البرلينية.يقدم وسام طانيوس فيلماً وثائقياً عائلياً وحسّاساً يتناول موضوع الهجرة بإخلاص وأمانة، ويتشكّل من خلال رحلة نحو غدٍ أفضل ببُعد إنساني. ورغم بعض المآخذ على الفيلم والتفاصيل المفقودة، فلا يمنع ذلك "نحن من هناك" من أن يكون شهادة جميلة ومؤثرة كعمل من أعمال الذاكرة والتذكّر في مقاربته لمعنى الوطن وأهمية العائلة وتحديد المصير، حيث تخاتل الصور الغيابَ وتتحايل عليه.(*) عُرض مؤخراً في القاهرة. يُعرض حالياً في فرنسا.

ملاحظة: نرجو ممن يرغب بإضافة تعليق، صياغته بلغة لائقة بعيدة عن القدح والذم والتحريض المختلف أو المسّ بالكرامات. إن كل ما ينشر من مقالات وأخبار ونشاطات وتعليقات، لا تعبر بأي شكل من الأشكال عن رأي الموقع الذي لا يتحمّل أي أعباء معنويّة أو ماديّة من جرّائها.

التعليقات

لارسال تعليق يرجى تعبئة الحقول الإلزامية التالية

مقالات ذات صلة