هناك، الرجل "خير" الذي ينجو وينتصر، والآخر اسمه "شر" وينتهي دوماً مهزوماً ذليلاً. في حكاية أبي هذه، كان الشر شخصاً مجرداً يخسر جولته الأخيرة أمام الخير. كنا نجتمع حوله لنسمع حكاياه، أحاديثه الممتعة، أسئلته التي تجعلنا نفكر، نكاته اللماحة، وكنت أتمنى أن يستمر ويتكرر انقطاع التيار المُفاجئ حتى لا تنتهي تلك اللحظات. بيديه كان يصنع مع ضوء الشموع ظلالاً على الجدران تكبر وتصغر وتتبدل، لننبهر حين تُكون ظلاً لما سبق وعرفناه. وبدلاً من الخروج من كهفنا، كنت أتمنى البقاء، بالنسبة إلي كان ذلك هو عالم المُثُل.
حين دفعتني مشرفة الروضة لأدخل، لأنني لم أسمع صوتها، وأنا ابنة الرابعة الغارقة تماماً في مشهد أب يحتضن ابنه ويغادران معاً، حينها بدأت أتعرف على الشر. عرفته في المعلمة الشرسة التي كانت تضربنا بكل قواها وتحول أحلامنا الصغيرة إلى كوابيس، في معلم الصف الثاني الذي كان يضع كرسيه عند الباب ليدرس لامتحانات كلية الحقوق مديراً ظهره لكل قوانين العالم الأخلاقية. صرت أعرف، كلما كبرت، أن المعلم، في عالمي، لا يتأخر عن صفوفه ولا يتغيب طوال أربعين عاماً، يحفظ أسماء طلابه جميعاً، ويساوي بينهم، لا يغضب ولا يُنافق، لا يُصدر أحكاماً، ولا يتبع لأحد. لكن في مقابل عالمي الملون الصغير الذي كنت أسكنه، كان العالم حولي يزداد قسوة، وتعقيداً وشروراً. هل الإنسان كائن شرير؟ أم يتقاسمه الخير والشر؟ وما الفرق بين من يحمل القنابل العنقودية وحده مجازفاً بحياته، ويفجرها بدقة في تل الحارة لينقذ عشرات الأرواح؟ ومن يُطلق الصواريخ والقنابل والرصاص الحي على أبناء شعبه؟ عقود تمتد بين "حرب تشرين" وسنواتنا الأخيرة، وفجوة أخلاقية لا متناهية بين الوجه الأقبح للشر، وبين عالم المُثل... عالم المثل هو هناك تحت شجرة البلوط على سفح الجبل، متحرراً من كل القيود، وحراً. هناك حيث أمضى أبي الكثير من حياته، ولا يزال، يتأمل المدينة التي ولِد بين بيوتها الحجرية القديمة، يُراقبها وهي تكبر وتتفسخ وتبتلع أبناءها الطيبين. أُشير إلى صدري وأنا بالكاد أستطيع التنفس، لم أصحُ من التخدير بعد، "كُنتَ هناك تنظر إليّ عبر النافذة المدورة قبل بدء العملية" أقولها لأبي، وأُغمض عينيّ مجدداً. أيُّ عالم هذا! أن لا أعرف سبب ألمي، أن أسقط في هاوية مظلمة كلما أغمضت عينيّ، أن لا أجد سريراً في المستشفى، أن أتبع حدسي لا كلام الأطباء. لأتمكن من النجاة من أيديهم المستعجلة لإجراء الجراحة، وأن يعالجني وينقذني، عبر "الواتسآب"، طبيب صديق يعمل في الكويت. "سَأُمسك عن إتيان أيِّ شر أو اقتراف أيِّ ظلم" يصرخ أبقراط أبو الطب، ولا يسمعه أحد هنا. للشر صخب وضجيج أقوى بكثير. لكنه أحياناً يُتجول صامتاً، يُنهي أحلام المئات ويتركهم بلا أرواح، أطفالاً ونساء، عائلات بأكملها كما فعل هنا، أمام أنظار العالم. أصحو من الهلوسة لأعرف أنّي نجوت، وأن ثلاثة آخرين قضوا في ذلك الصباح نفسه على أيدي مجرمين من أبناء بلدتهم. للشرّ أتباع، له رصاص وأسلحة وجيوش، أفراد وجماعات ودول. للشرّ شيوخ أيضاً، يختبىء تحت عباءاتهم السوداء المليئة بالأسرار، يَعدون بمحاسبة المجرمين، يمسكون أيدي بعضهم البعض، ولا يفعلون شيئاً سوى المراوغة والدهاء والنفاق. الشر هنا لم يعد مرئياً، صرنا نعيش داخله، نصارع شباكه التي تلتف حولنا لتخنقنا. على الجسر الحديدي الذي لا يمر فوقه أحد، تُعلّق صورهم، تُرسم وجوههم على الجدران ليمحوها الشر مسرعاً وخائفاً، ولا يبقى سوى الفضاء الالكتروني لنكتب فيه لأجل الخير، لأجل ضحاياه. أنظر حولي ولا أرى إلا العنف والعدوانية والكراهية، قتل وخطف وخوف، فقر وجوع وعجز، وانتحار. من أين جاء كل هذا الشر؟ لماذا هو موجود أصلاً؟ هل يُخلق الإنسان شريراً؟ أم يصير كذلك بإرادته وحريته؟ أم هو مجرد تصور في عقولنا؟ لا يؤمن أفلوطين بوجود الشر بل هو خير ضروري للنظام العام، "من يعرف الخير لا يقدم على الباطل"، يقول سقراط، هو "غياب الفكر" كما وصفته حنة ارندت في حالة ايخمان، هو ثقب أسود يلتهم كل شيء، ولا يترك سوى رعب المطلق اللاإنساني. وفي الزرادشتية صراع الخير والشر متواصل، وفي نهاية المطاف، ينتصر الخير على الشر انتصاراً نهائياً. كنت ولا أزال أتخيل، حين أحكي الحكاية ذاتها لأولادي، أن للخير عينين بلون أزرق رمادي تشبهان عينيّ أبي. لا أعرف صورة الخير التي ترتسم في أخيلتهم، لكنهم يعرفون جيداً منذ الآن، أن الشر هو اجتماع الصباح في المدرسة، ترداد الشعارات الكاذبة، وقوف العشرات وعراكهم للحصول على ربطة خبز، أكوام النفايات حولنا، القوانين اللاإنسانية، صوت الرصاص، عماء كامل لساعات طويلة يومياً. بلاد مظلمة.. ولا تقوى حكايا العالم كلها أن تملأها أو تضيئها.
حين دفعتني مشرفة الروضة لأدخل، لأنني لم أسمع صوتها، وأنا ابنة الرابعة الغارقة تماماً في مشهد أب يحتضن ابنه ويغادران معاً، حينها بدأت أتعرف على الشر. عرفته في المعلمة الشرسة التي كانت تضربنا بكل قواها وتحول أحلامنا الصغيرة إلى كوابيس، في معلم الصف الثاني الذي كان يضع كرسيه عند الباب ليدرس لامتحانات كلية الحقوق مديراً ظهره لكل قوانين العالم الأخلاقية. صرت أعرف، كلما كبرت، أن المعلم، في عالمي، لا يتأخر عن صفوفه ولا يتغيب طوال أربعين عاماً، يحفظ أسماء طلابه جميعاً، ويساوي بينهم، لا يغضب ولا يُنافق، لا يُصدر أحكاماً، ولا يتبع لأحد. لكن في مقابل عالمي الملون الصغير الذي كنت أسكنه، كان العالم حولي يزداد قسوة، وتعقيداً وشروراً. هل الإنسان كائن شرير؟ أم يتقاسمه الخير والشر؟ وما الفرق بين من يحمل القنابل العنقودية وحده مجازفاً بحياته، ويفجرها بدقة في تل الحارة لينقذ عشرات الأرواح؟ ومن يُطلق الصواريخ والقنابل والرصاص الحي على أبناء شعبه؟ عقود تمتد بين "حرب تشرين" وسنواتنا الأخيرة، وفجوة أخلاقية لا متناهية بين الوجه الأقبح للشر، وبين عالم المُثل... عالم المثل هو هناك تحت شجرة البلوط على سفح الجبل، متحرراً من كل القيود، وحراً. هناك حيث أمضى أبي الكثير من حياته، ولا يزال، يتأمل المدينة التي ولِد بين بيوتها الحجرية القديمة، يُراقبها وهي تكبر وتتفسخ وتبتلع أبناءها الطيبين. أُشير إلى صدري وأنا بالكاد أستطيع التنفس، لم أصحُ من التخدير بعد، "كُنتَ هناك تنظر إليّ عبر النافذة المدورة قبل بدء العملية" أقولها لأبي، وأُغمض عينيّ مجدداً. أيُّ عالم هذا! أن لا أعرف سبب ألمي، أن أسقط في هاوية مظلمة كلما أغمضت عينيّ، أن لا أجد سريراً في المستشفى، أن أتبع حدسي لا كلام الأطباء. لأتمكن من النجاة من أيديهم المستعجلة لإجراء الجراحة، وأن يعالجني وينقذني، عبر "الواتسآب"، طبيب صديق يعمل في الكويت. "سَأُمسك عن إتيان أيِّ شر أو اقتراف أيِّ ظلم" يصرخ أبقراط أبو الطب، ولا يسمعه أحد هنا. للشر صخب وضجيج أقوى بكثير. لكنه أحياناً يُتجول صامتاً، يُنهي أحلام المئات ويتركهم بلا أرواح، أطفالاً ونساء، عائلات بأكملها كما فعل هنا، أمام أنظار العالم. أصحو من الهلوسة لأعرف أنّي نجوت، وأن ثلاثة آخرين قضوا في ذلك الصباح نفسه على أيدي مجرمين من أبناء بلدتهم. للشرّ أتباع، له رصاص وأسلحة وجيوش، أفراد وجماعات ودول. للشرّ شيوخ أيضاً، يختبىء تحت عباءاتهم السوداء المليئة بالأسرار، يَعدون بمحاسبة المجرمين، يمسكون أيدي بعضهم البعض، ولا يفعلون شيئاً سوى المراوغة والدهاء والنفاق. الشر هنا لم يعد مرئياً، صرنا نعيش داخله، نصارع شباكه التي تلتف حولنا لتخنقنا. على الجسر الحديدي الذي لا يمر فوقه أحد، تُعلّق صورهم، تُرسم وجوههم على الجدران ليمحوها الشر مسرعاً وخائفاً، ولا يبقى سوى الفضاء الالكتروني لنكتب فيه لأجل الخير، لأجل ضحاياه. أنظر حولي ولا أرى إلا العنف والعدوانية والكراهية، قتل وخطف وخوف، فقر وجوع وعجز، وانتحار. من أين جاء كل هذا الشر؟ لماذا هو موجود أصلاً؟ هل يُخلق الإنسان شريراً؟ أم يصير كذلك بإرادته وحريته؟ أم هو مجرد تصور في عقولنا؟ لا يؤمن أفلوطين بوجود الشر بل هو خير ضروري للنظام العام، "من يعرف الخير لا يقدم على الباطل"، يقول سقراط، هو "غياب الفكر" كما وصفته حنة ارندت في حالة ايخمان، هو ثقب أسود يلتهم كل شيء، ولا يترك سوى رعب المطلق اللاإنساني. وفي الزرادشتية صراع الخير والشر متواصل، وفي نهاية المطاف، ينتصر الخير على الشر انتصاراً نهائياً. كنت ولا أزال أتخيل، حين أحكي الحكاية ذاتها لأولادي، أن للخير عينين بلون أزرق رمادي تشبهان عينيّ أبي. لا أعرف صورة الخير التي ترتسم في أخيلتهم، لكنهم يعرفون جيداً منذ الآن، أن الشر هو اجتماع الصباح في المدرسة، ترداد الشعارات الكاذبة، وقوف العشرات وعراكهم للحصول على ربطة خبز، أكوام النفايات حولنا، القوانين اللاإنسانية، صوت الرصاص، عماء كامل لساعات طويلة يومياً. بلاد مظلمة.. ولا تقوى حكايا العالم كلها أن تملأها أو تضيئها.
ملاحظة: نرجو ممن يرغب بإضافة تعليق، صياغته بلغة لائقة بعيدة عن القدح والذم والتحريض المختلف أو المسّ بالكرامات. إن كل ما ينشر من مقالات وأخبار ونشاطات وتعليقات، لا تعبر بأي شكل من الأشكال عن رأي الموقع الذي لا يتحمّل أي أعباء معنويّة أو ماديّة من جرّائها.
التعليقات
لارسال تعليق يرجى تعبئة الحقول الإلزامية التالية