2026-10-30
بث مباشر
إعلان
عاجل احتجاجات وهالوين.. فرنسا تستعد لسبت “عالي المخاطر”   •   وزارة الزراعة: فحوص مختبرات مصلحة الأبحاث العلمية الزراعية تؤكد سلامة عيّنات زيت الزيتون من الجنوب   •   الحاج حسن عن القرار الظني في قضية المتفجرات: الاتهام غير منصف وظالم وحيثياته خاضعة لإملاءات سياسية معروفة   •   طوارئ الصحة: الحصيلة التراكمية للعدوان منذ 2 آذار حتى اليوم باتت 4389 شهيدا و 12428 جريحا   •   بالصورة: المُشتبه به بقتل الأب سمير ضو   •   بالأسماء: الادعاء على 8 أشخاص في ملف شحنة متفجرات ضهر البيدر   •   بالصور: إنقاذ ضبع بري في عكار   •   سفير الإمارات في بعبدا   •  
المتفرقات

قلعة فاضل العزاوي

وك

وكالات

06 تشرين الاول 2021

قلعة فاضل العزاوي
إعلان
صدرت الطبعة الثالثة من رواية "القلعة الخامسة" التي كتبها فاضل العزاوي العام 1971 ونشرت في العام 1972 في دمشق بعدما رفضت الرقابة في العراق الموافقة على نشرها، وهي اول رواية عراقية تدور احداثها داخل السجون والمعتقلات في العراق. في هذه الرواية يجسد الكاتب فكرته عن الدائرة الفلسفية للجنون السياسي، حيث ترتبط النهاية بالبداية في مسار لا يفلت منه احد. لكنها أيضاً رواية عن الحنين إلى الحب، عن الألم والأمل والوفاء الخيانة والصداقة في عالم زاخر بالالتباسات التي تفتك بقلوب حاملي الثورات ومغيري العالم.
ترجمت "القلعة الخامسة" إلى الانكليزية والتركية وصدرت بطبعات عديدة في اميركا وبريطانيا، كما تحولت الى فيلم سينمائي اخراج بلال الصابوني وسيناريو صنع الله ابراهيم.مقتطف من الفصل الأول

داخل الشاحنة التفت الي الشرطي الذي يجلس لصقي وسألني بشيء من سخرية مكتومة:
-هل أنت منهم أيضاً؟
كان وجه الشرطي يميل إلى الدكنة في ظل المساء الرائع الذي بدأ يهبط فوق المدينة منذ أكثر من ساعة. نظرت إليه بهدوء مفرغاً من الحقد أو الحب فرأيته يبتسم بطريقة بدت لي همجية جداً. كان يدخن بسكينة كما لو أنه ليس شرطياً ويتكئ بذراعه اليسرى على بندقيته، قريباً من بوابة الشاحنة، حيث يجلس على مقعد طويل يلتف عند النهاية ويعود مرة أخرى إلى المقدمة على شكل حافر الحصان. سكت، إذا لم تكن عندي رغبة في الكلام وإنتابني شعور مؤلم بأن كل شيء أصبح سيئاً. لقد فقدت نفسي. مد الشرطي يده إلى كتفي وقال:
-حسناً، إنك خائف. لا بأس. ولكن لماذا ورطت نفسك؟ إنتابني إخاء شديد إزاء هذا الشرطي الذي لن يتورع من أن يطلق النار على ظهري فيما إذا حاولت الهرب. قلت:
- لست خائفاً، فقد اعتقلت خطأ ولا بد من أن يطلق سراحي بعد أيام.
ضحك أحد المعتقلين الخمسة بطريقة مخجلة وقال:
-إذا كانوا ينوون إطلاق سراحك فلماذا أرسلوك معنا إلى هذا المعتقل الذي يطول فيه سجن المرء؟
تدخل الشرطيان الآخران. قال أحدهما:
-هذا لا يمنع من اطلاق سراحه بعد أسبوع.
علق الشرطي الثاني قائلاً:
-لقد أطلق أمس سراح ثلاثة كانوا معي. عندما ودعتهم أعطوني دينارين. كانوا حقاً شباناً رائعين.
أضاف الشرطي الثالث بألم:
-لا أدري أي طاعون يأكلكم. إنها اللعنة. أعرف إنها اللعنة حلت على هذه الأرض.
*
كانت الشاحنة تعبر الليل، مخترقة شوارع بدت لي جميلة جداً، كما لو أنني أراها لأول مرة في حياتي. فكرت، لا بد أن اعتقالي هو الذي يجعلها جميلة هكذا. وعبر قضبان الشاحنة رحت أحدق في المارة الذين كان بعضهم يتوقف وينظر إلي. لم أحاول أن أبعد عيني عن عيونهم. كنت أشعر بطريقة ما بالزهو أيضاً، فأنا رجل خطر حتى إذا لم أكن قد ارتكبت ما يبرر إعتقالي. وكان ثمة مارة آخرون يبتسمون ويتهامسون فيما بينهم. لا أدري ما الذي كانوا يقولونه عني، عنا، ولكنني حاولت أن أخمن أفكارهم. كانوا معي على أي حال. بيد أن كل هذا ما كان يعنيني بقدر ما كنت أريد أن أتحرر من الورطة التي وقعت فيها.
إنه لأمر صعب حقاً أن يتذكر المرء تفاصيل شيء ما يعرفه جيداً، أو هذا ما يمكن أن أقوله عن نفسي على الأقل. فأنا أعرف الأشياء وأكتفي بذلك. ولكن إذا ما سئلت عن لون عيني أمي مثلاً فلن أكون قادراً على الإجابة. إنني أعرف روح الناس الذين أشعر بألفة تجاههم وروح الأماكن التي أنتسب إليها. بيد أنني أعجز أحياناً عن الحديث عن أقرب الأمور إلى قلبي وأضطرب كما لو أن عاصفة تضرب أعماقي. وإذا أكون منهمكاً بقضية ما أفكر فيما كما لو أنني لا أفكر فيها، كما لو أن غيمة غير ممطرة تعبر رأسي. إنني أنظر الآن وأرى الناس كما لو أنني لا أراهم، ذلك لأنني منغلق على نفسي كالدائرة. ورغم أوجه الشرطيين الصارمة، رغم كل مخاوفي وأفعالي المبتذلة وأنا في الطريق إلى المعتقل لم أكن قادراً على التفكير تماماً. كنت مهووساً ومشتتاً مثل مدخنة تنفث العاصفة. كنت متضايقاً ومبتهجاً بالحدث الجديد في حياتي في آن، دونما مبرر معقول. ربما فكرت أنني يمكن أن أصدق أناساً جدداً لا أعرفهم. الصداقات الحتمية. لأنني سوف أكون معهم. ربما فكرت أنها مغامرة من نمط جديد. كنت أدخن هادئاً مثل بغل في المطحنة. في البدء شعرت برهبة شديدة اختفت فيما بعد مثل أي إحساس آخر وامتلأت بوقائع وأحداث لا يمكن استحضارها بسهولة. رأيت (ربما بطريقة فكاهية) أنني أنتصر من جديد، أدخل مدناً مبنية بالجص والفولاذ مثل فاتحي العالم القديم، حيث تنهمر علي من الشرفات والسطوح الشرائط الورقية الملونة. ها أنذا أختنق بأصابع لا أعرفها، إلا أنني فرح مثل غابة. لا أعرف لماذا. ربما لو عرف السر لاختفى فرحي وخوفي معاً. بيد أنني وأنا أرصد عواطفي (نهر هائج في أرض صخرية وفي القعر تتكدس حصى ملونة، وعلى الضفاف تنبت زهور برية فواحة) قلت: لا بد أنها المفاجأة. ها هو العالم يتغير بدون جهد بالنسبة لي. وفكرت: أي أمل يرجى من عالم يقف وسط دائرة! إنها الدائرة تنهار. ولكن انهيار الدائرة لم يكن ليشكل لي عزاء حقيقياً، فثمة على الدوام توجد معنا وخارجنا دوائر ينبغي أن تحطم.

كنت داخل الدائرة أحلم مثل طفل مطرود يبكي. ماذا لو انقلبت الشاحنة الآن؟ لم أكن أطلب الموت ومع ذلك فإن بعض الرضوض تكون كافية. فقد يؤدي ذلك إلى اطلاق سراحي. سيأخذونني إلى المستشفى، نادمين، آسفين على ما أصابني. سأخبر الطبيب بكل شيء. لابد أنه رجل طيب. سيقول لي: هذا صحيح، لابد من أن تخرج. من العار أن يسجن إنسان لم يرتكب ذنباً. يغيب الطبيب ساعة، ساعتين، ثلاثاً.. وأفقد الأمل. لكنه يعود في اليوم التالي. إنه يعود دائماً، فرحاً جداً ويقول لي: هناك أمل. إنه لا يريد أن يفاجئني دفعة واحدة. ثم يقول لي أخيراً ضاحكاً: حسناً، أنت حر، لقد اكتشفوا أخيراً خطأهم. إرتد ملابسك وانتظرهم. سوف يأتون إليك بعد قليل ليعتذروا منك. سأقول له: ليس ثمة من مبرر للإعتذار. كل ما في الأمر هو أنهم أساؤوا الظن بي ثم اكتشفوا الحقيقة. وهذا هو ما يهمنا جميعاً.
أوغلت الشاحنة داخل زقاق جانبي مظلم تمتد على جانبيه أشجار يوكالبتوس مرتفعة ثم توقفت عند بوابة حديدية مغلقة إلا من فتحة صغيرة على شكل مربع في الوسط. هبط المفوض الذي كان يجلس عند السائق ونادى على الشرطيين داخل الشاحنة:
-إنتظروا، سأعود بعد قليل.
نهض الشرطي الذي كان يجلس على مقربة مني وقال:
- نعم سيدي.
بينما ظل الإثنان الآخران يدخنان كما لو أن الأمر كله لا يعنيهما في شيء. وكان ثمة معتقلان آخران يتحدثان فيما بينهما. قال الأول:
- سنطلب الذهاب إلى القلعة الخامسة.
تساءل الآخر مشيراً إلي:
-وماذا عن هذا الذي ينتظر اطلاق سراحه؟
ثم إلتفت إلي وقال:
- هل تريد أن تكون معنا؟
قلت بدون أي تردد:
- نعم فأنا لا أعرف أحداً هنا في السجن.
دفع الشرطي الواقف في الداخل الدرفة اليمنى من البوابة بكتفه فإنفتحت حتى منتصفها، مطلقة صريراً حاداً. خرج المفوض الذي حمل أوراقنا إلى السجن وقال،
مخاطباً إيانا:
- هيا اسرعوا بالدخول!
الكاتب:
فاضل العزاوي، شاعر وناثر، ولد في العام 1940 في مدينة كركوك في العراق. درس الأدب الإنكليزي في جامعة بغداد والصحافة والعلوم السياسية في جامعة لايبزج وحاز على درجة الدكتوراه عن أطروحة حول الثقافة العربية عمل في الصحافة العراقية والعربية وأصدر مجلة "الشعر 69". نشر ما يقرب من عشرين مجموعة شعرية ورواية وكتاباً نقدياً (مخلوقات فاضل العزاوي الجميلة، رواية 1969؛ القلعة الخامسة، رواية 1972؛ سلاماً أيتها الموجة، سلاماً أيها البحر، شعر 1973؛ الشجرة الشرقية، شعر 1976؛ الأسفار، شعر 1976؛ رجل يرمي أحجاراً في بئر، شعر 1990؛ آخر الملائكة، رواية 1992؛ صاعداً حتى الينبوع، أعمال شعرية 1993؛ في نهاية كل الرحلات، شعر 1994؛ بعيداً داخل الغابة، نقد 1994؛ الروح الحيّة، جيل التسعينات في العراق 1997؛ فراشة في طريقها إلى النار، شعر 1998)، فضلاً عن الكتب التي ترجمها عن الإنكليزية والألمانية (صاحب الفخامة الديناصور، رواية 1995؛ سماء وأرض، مختارات شعرية 1996، دماغ لينين، رواية 1998). كما ترجم العديد من أعماله إلى اللغات الإنكليزية والألمانية والفرنسية. غادر العراق في 1977 ويعيش منذ العام 1983 في برلين ككاتب متفرغ ينشر أعماله باللغتين العربية والألمانية.
ملاحظة: نرجو ممن يرغب بإضافة تعليق، صياغته بلغة لائقة بعيدة عن القدح والذم والتحريض المختلف أو المسّ بالكرامات. إن كل ما ينشر من مقالات وأخبار ونشاطات وتعليقات، لا تعبر بأي شكل من الأشكال عن رأي الموقع الذي لا يتحمّل أي أعباء معنويّة أو ماديّة من جرّائها.

التعليقات

لارسال تعليق يرجى تعبئة الحقول الإلزامية التالية

مقالات ذات صلة