وأنا أقرأ كتاب "أحداث انتفاضة تشرين العراقية"، الصادر عن دار المدى، للكاتب حسين العامل، شعرت حقاً بالرعب. فالعنف كان أشد مما يحتمله الانسان، وهذا أثناء القراءة، فكيف لمن شارك في أحداث تلك الانتفاضة المهيبة، ووضع روحه أمام بطش الرصاص، والغازات السامة، والمياه الحارقة، وفوهات بنادق القنص التي أريد منها إبادة أكثر عدد من الشباب المنتفضين؟ كان الملايين من العراقيين، والعرب، وبقية العالم، شهوداً على ملحمة تجري فصولها على الشاشات، وعلى امتداد سنتين تقريباً. أما الأهازيج البطولية التي جمعها الكاتب خلال تلك الملحمة، فهي تستدر الدموع حقاً، لما فيها من بطولة، وإصرار، وتحد، وجذوة وطنية لم يشهد لها العراق مثيلاً منذ قرون، خصوصاً وهي تنطلق من حناجر الشباب، والشابات، في شوارع المحافظات المنتفضة، وكأنها تريد أن تعانق السماء.
رصد العامل، عبر هذا التوثيق المذهل، موقف الشعب من الانتفاضة، عبر الأهازيج، وكانت لسان حال غالبية المحافظات العراقية، حتى تلك التي لم تشارك لأسباب مختلفة. كلام بليغ ينبع من خزين البداهة الشعبية في مقاومة الظلم والعسف السلطوي، والسعي لإزاحته من أجل بناء عالم جديد يحترم الوجود البشري وكرامته في بلاد الرافدين. أهازيج عشر محافظات عراقية ظلت ثائرة حتى أسقطت حكومة عادل عبد المهدي، ودفعت الثمن غالياً، إذ سقط أكثر من 700 شهيد، وحوالى 25 ألف جريح، وكانت للناصرية الحصة الأكبر من الضحايا والمعاناة مع قوى القمع بأقنعتها المتعددة. انطلقت التظاهرات في البدء من تشرين 2019 حول مطالب اقتصادية، وضد الفساد، وتطورت لتشمل المطالبة بوطن يحكمه أبناؤه بعيداً من المحاصصة الحزبية، والطائفية، وبعيداً من الولاءات للأجانب بوسمَيها الأميركي والإيراني، كما رفعت شعارات ضد استغلال الدين لسرقة المال العام والصفقات المشبوهة. والكتلة الشبابية هي التي تصدرت المشهد، كما هو معروف، وكان دخول المرأة غير مسبوق في تلك التظاهرات. رأيناها ناشطة مدنية، وطبيبة، وممرضة اسعافية، وشاعرة تتصدر الصفوف، وصاحبة موكب تقدم الطعام والشراب للمتظاهرين، وكان يوم الثامن من آذار مليونية للمرأة العراقية شاركت فيها بحماسة غير متوقعة. أما ربات البيوت فكن يقدمن الأغطية، ويزودن المعتصمين في الساحات بالطعام والشراب، رغم قسوة الظروف الاقتصادية، والمحذورات الاجتماعية العتيقة. ووثق حسين العامل، وكان مشاركاً فعلياً في تظاهرات الناصرية، أسماء شهيدات سيخلدهن التاريخ العراقي المعاصر مثل: سارة طالب، وريهام يعقوب، وجنات ماذي الشحماني، وسعاد العلي، وزهراء علي سلمان، وأنوار جاسم مهوّس، وهدى خضيّر. لذلك انطلقت هوسة البنات الجميلات من آلاف الحناجر: هايه بناتك يا وطن هاية/ لبسن الغيرة ورفعن الراية. وتلك صرخة خرجت من كهف مظلم عانت فيه المرأة العراقية من العسف الاجتماعي، والتبعية، والتقاليد العشائرية، والتابوات الدينية، والذكورية المقيتة المتشبثة بمواقعها. وجاءت مشاركتها في تلك المسيرات رافعة لتنطلق حنجرتها نحو حرية الوطن، وحريتها الشخصية المصادرة. كانت مطالب المتظاهرين تتلخص، حسبما وثقها العامل، في: كتابة دستور جديد للبلاد، وإبعاد المؤسسة الدينية عن التدخل في السياسة، واجراء انتخابات مبكرة بإشراف دولي، إضافة إلى تقديم الفاسدين للقضاء، وإقامة حكومة انتقالية تهيئ الجو السياسي لانتخابات مبكرة، وسوى ذلك من مطالب رفعت في غالبية الساحات كالنجف، وبغداد، والناصرية، والبصرة. وكل ذلك انعكس بهذا الشكل أو ذاك في الأهازيج الشعبية للمتظاهرين، وفي أدبيات الانتفاضة وصداها في الإعلام، سواء المحلي أو الخارجي. استطاع الكاتب أن يوثق يوميات الأحداث طوال السنتين تقريباً، وربط ذلك كله مع التحولات السياسية، ومواقف الأحزاب والحركات المسلحة، وتصريحات دول الجوار عما يجري في العراق، وتوّجت تلك الأحداث بحرق القنصلية الإيرانية في النجف وكربلاء من قبل المتظاهرين، واقتحام السفارة الأميركية وسط بغداد من قبل الموالين للسلطة الحاكمة والمرشد الأعلى لإيران. ثم نتابع مسلسل الأحداث الذي قاد إلى سقوط حكومة عادل عبد المهدي، وتسنم مصطفى الكاظمي لرئاسة مجلس الوزراء في حكومة انتقالية تنحصر مهمتها الرئيسية في إجراء انتخابات مبكرة. وقد لاحق حسين العامل في توثيقه، الأشهر التي أعقبت تولي الكاظمي لمهامه، وكيفية تعامله مع شروط المنتفضين.لقد غيّرت انتفاضة تشرين مسلّمات كثيرة داخل المجتمع العراقي، وهذه حقيقة ملموسة. العراق قبلها لا يشبه العراق بعدها. في العمق الاجتماعي خصوصاً. أحزاب السلطة المتنفذة، بنت هيكليتها للحكم قبل الانتفاضة على مسلّمات تقليدية، من أبرزها النزعة الطائفية، وتقسيم البلد إلى ملاجئ قومية وطائفية وعشائرية، واستسلام خادع للشعارات الدينية. إلا أن الشعار الأرأس الذي رفعه المنتفضون، أي شعار "نريد وطناً"، هدم ذلك كله، وشعر الفرد للمرة الأولى بهويته العراقية المغيبة. رغم أن الدماء جللت تلك الشهور الطويلة، وعفّرت الشوارع بالحزن والدموع، إلا أنه عاش حقيقة تلاحم الجسد العراقي بكل تلاوينه المذهبية والقومية، فإذا الهوية العراقية الموحدة ترتفع فوق كل التسميات.(*) مدونة نشرها الروائي العراقي شاكر الأنباري في صفته الفايسبوكية.
رصد العامل، عبر هذا التوثيق المذهل، موقف الشعب من الانتفاضة، عبر الأهازيج، وكانت لسان حال غالبية المحافظات العراقية، حتى تلك التي لم تشارك لأسباب مختلفة. كلام بليغ ينبع من خزين البداهة الشعبية في مقاومة الظلم والعسف السلطوي، والسعي لإزاحته من أجل بناء عالم جديد يحترم الوجود البشري وكرامته في بلاد الرافدين. أهازيج عشر محافظات عراقية ظلت ثائرة حتى أسقطت حكومة عادل عبد المهدي، ودفعت الثمن غالياً، إذ سقط أكثر من 700 شهيد، وحوالى 25 ألف جريح، وكانت للناصرية الحصة الأكبر من الضحايا والمعاناة مع قوى القمع بأقنعتها المتعددة. انطلقت التظاهرات في البدء من تشرين 2019 حول مطالب اقتصادية، وضد الفساد، وتطورت لتشمل المطالبة بوطن يحكمه أبناؤه بعيداً من المحاصصة الحزبية، والطائفية، وبعيداً من الولاءات للأجانب بوسمَيها الأميركي والإيراني، كما رفعت شعارات ضد استغلال الدين لسرقة المال العام والصفقات المشبوهة. والكتلة الشبابية هي التي تصدرت المشهد، كما هو معروف، وكان دخول المرأة غير مسبوق في تلك التظاهرات. رأيناها ناشطة مدنية، وطبيبة، وممرضة اسعافية، وشاعرة تتصدر الصفوف، وصاحبة موكب تقدم الطعام والشراب للمتظاهرين، وكان يوم الثامن من آذار مليونية للمرأة العراقية شاركت فيها بحماسة غير متوقعة. أما ربات البيوت فكن يقدمن الأغطية، ويزودن المعتصمين في الساحات بالطعام والشراب، رغم قسوة الظروف الاقتصادية، والمحذورات الاجتماعية العتيقة. ووثق حسين العامل، وكان مشاركاً فعلياً في تظاهرات الناصرية، أسماء شهيدات سيخلدهن التاريخ العراقي المعاصر مثل: سارة طالب، وريهام يعقوب، وجنات ماذي الشحماني، وسعاد العلي، وزهراء علي سلمان، وأنوار جاسم مهوّس، وهدى خضيّر. لذلك انطلقت هوسة البنات الجميلات من آلاف الحناجر: هايه بناتك يا وطن هاية/ لبسن الغيرة ورفعن الراية. وتلك صرخة خرجت من كهف مظلم عانت فيه المرأة العراقية من العسف الاجتماعي، والتبعية، والتقاليد العشائرية، والتابوات الدينية، والذكورية المقيتة المتشبثة بمواقعها. وجاءت مشاركتها في تلك المسيرات رافعة لتنطلق حنجرتها نحو حرية الوطن، وحريتها الشخصية المصادرة. كانت مطالب المتظاهرين تتلخص، حسبما وثقها العامل، في: كتابة دستور جديد للبلاد، وإبعاد المؤسسة الدينية عن التدخل في السياسة، واجراء انتخابات مبكرة بإشراف دولي، إضافة إلى تقديم الفاسدين للقضاء، وإقامة حكومة انتقالية تهيئ الجو السياسي لانتخابات مبكرة، وسوى ذلك من مطالب رفعت في غالبية الساحات كالنجف، وبغداد، والناصرية، والبصرة. وكل ذلك انعكس بهذا الشكل أو ذاك في الأهازيج الشعبية للمتظاهرين، وفي أدبيات الانتفاضة وصداها في الإعلام، سواء المحلي أو الخارجي. استطاع الكاتب أن يوثق يوميات الأحداث طوال السنتين تقريباً، وربط ذلك كله مع التحولات السياسية، ومواقف الأحزاب والحركات المسلحة، وتصريحات دول الجوار عما يجري في العراق، وتوّجت تلك الأحداث بحرق القنصلية الإيرانية في النجف وكربلاء من قبل المتظاهرين، واقتحام السفارة الأميركية وسط بغداد من قبل الموالين للسلطة الحاكمة والمرشد الأعلى لإيران. ثم نتابع مسلسل الأحداث الذي قاد إلى سقوط حكومة عادل عبد المهدي، وتسنم مصطفى الكاظمي لرئاسة مجلس الوزراء في حكومة انتقالية تنحصر مهمتها الرئيسية في إجراء انتخابات مبكرة. وقد لاحق حسين العامل في توثيقه، الأشهر التي أعقبت تولي الكاظمي لمهامه، وكيفية تعامله مع شروط المنتفضين.لقد غيّرت انتفاضة تشرين مسلّمات كثيرة داخل المجتمع العراقي، وهذه حقيقة ملموسة. العراق قبلها لا يشبه العراق بعدها. في العمق الاجتماعي خصوصاً. أحزاب السلطة المتنفذة، بنت هيكليتها للحكم قبل الانتفاضة على مسلّمات تقليدية، من أبرزها النزعة الطائفية، وتقسيم البلد إلى ملاجئ قومية وطائفية وعشائرية، واستسلام خادع للشعارات الدينية. إلا أن الشعار الأرأس الذي رفعه المنتفضون، أي شعار "نريد وطناً"، هدم ذلك كله، وشعر الفرد للمرة الأولى بهويته العراقية المغيبة. رغم أن الدماء جللت تلك الشهور الطويلة، وعفّرت الشوارع بالحزن والدموع، إلا أنه عاش حقيقة تلاحم الجسد العراقي بكل تلاوينه المذهبية والقومية، فإذا الهوية العراقية الموحدة ترتفع فوق كل التسميات.(*) مدونة نشرها الروائي العراقي شاكر الأنباري في صفته الفايسبوكية.
ملاحظة: نرجو ممن يرغب بإضافة تعليق، صياغته بلغة لائقة بعيدة عن القدح والذم والتحريض المختلف أو المسّ بالكرامات. إن كل ما ينشر من مقالات وأخبار ونشاطات وتعليقات، لا تعبر بأي شكل من الأشكال عن رأي الموقع الذي لا يتحمّل أي أعباء معنويّة أو ماديّة من جرّائها.
التعليقات
لارسال تعليق يرجى تعبئة الحقول الإلزامية التالية