2026-11-04
بث مباشر
إعلان
عاجل
ترامب: ليس لدى أمريكا خطة وشيكة لضرب إيران• في الكورة.. توقيف مطلوب وضبط أسلحة وممنوعات بحوزته• أوهم ضحاياه بالذهب.. وأمن الدولة يتحرّك• بيسكوف: مشاركة أوروبا في مفاوضات أبو ظبي مستحيلة• ترامب: واشنطن ستقلّص المساعدة الأمنية السنوية لإسرائيل بقيمة 3,8 مليارات دولار• جنبلاط زار قائد الجيش: لضرورة تعزيز الوحدة الوطنية في هذه المرحلة الدقيقة• المالية توضح حقيقة مطالبتها المصارف بمبلغ 600 مليون دولار عن أرباح غير محققة• “حزب الله”: بوصلتنا هي مواجهة العدو الإسرائيلي•
المتفرقات

"وديعة".. رواية لمبارك وسّاط

وك

وكالات

29 آب 2021

إعلان
هنا مقطع من رواية "وديعة"، للشاعر المغربي مبارك وساط يراجعها الآن، وستبدأ رحلتها للبحث عن ناشر بعد فترة وجيزة:
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
في طريقي صوب الحانوت، أمرّ بدار خالتي الكامْلَة، كما أُسمّيها. إنّ أمامها كلاباً لا شكّ في
كونها ستتعرّفُ علي، فقد دخلتُ هذه الدّار مراراً من قبل. أمام الحانوت، هنالك مجموعة محيطة بشخصين يلعبان الضّامة: المحجوب ولد عامر وفارس. فارس، في رأي لاعبي الضّامة، بمثابة "ضوايمي" عبقريّ، رغم صغر سنّه. يبقى بطلهم الكبير في هذا المضمار هو بن هنيّة، ذو اللحية البيضاء. وهو شهير بحيله الكبرى في اللعب. والمحجوب ولد عامر رجل كبير في السّن، لكنه يُرَكّز جيداً على هذا "الطّرح" بينه وبين فارس. فارس يلعب وينصت مع المنصتين لما يرويه جْعاطة. فارس هو الآن في نحو الخامسة عشرة. أكبر منّي بسنة ونصف وربّما بسنتين، وأصغر من خليل بنحو ثلاث سنوات. في أولاد الطالب، يقطن مع عائلته في دار جدّه الشّاسعة. نتبادل التّحية بتحريك عيوننا إلى أعلى، قبل أن أمضي لأقف إلى جانب عبد السلام، الذي تنحدر حافة طاقيته ذات المربعات الخضراء والصفراء حتى منصف جبينه. إنه يتتبع "طَرح" الضامة وينصت إلى جعاطة الذي يتكلّم ويحكي، ينصت مثل بقية المتحلّقين ها هنا. يسكن جْعاطة، أو العسكريّ كما يُسمّونه أيضاً، بكازبلانكا، لكنّه يأتي من وقت لآخر إلى هذه القرية التي وُلِد فيها وترعرع. لقد غادرها وهو صغير، ليشتغل عند عائلة فرنسيّة بآسفي، ثمّ ليلتحق بعد ذلك بالجيش الفرنسي في بداية أربعينيات القرن العِشرين. هو لم يَشِخْ بعد، ولربّما يقارب عمره السّتين. إنه رجل مغامرات، ويحدث أن يمضي من بلدة إلى أخرى، سيراً على القدمين، ليلاً على الخصوص. في أحيان كثيرة، يحكي عن حياته المثيرة أمام حانوت الطّيبي. يقولون عن والده إنّه كان قاطع طريق، وكان وجمع من رفاقه يُغيرون على قرىً شديدة البعد عن أولاد الطّالب.يقولون أيضاً إنّه، في إحدى تلك الغارات، كان قد سبى فتاة، هي التي صارت زوجته بعد ذلك، وهي أم جعاطة وإخوته. هي الآن قد ماتت، وكذلك زوجها. أمّا جْعاطة نفسه فعلى جانب من الطيبة. إنّ أنفه متأكّل من جوانب خيشوميه، فكأنّما قَرضتْ منها فئرانٌ ما سدّتْ به رَمقها. هو الآن جالس على حجر ضخم، يحكي، والمتحلّقون حول لاعِبَي الضّامة في نصف دائرة، يُنصتون ويتابعون المباراة بين فارس وغريمه. «في تلك الليلة، خرجتُ من الشّماعية بعد منتصف الليل بقليل، وبدأتُ السّير، قادِماً إلى الدّوار. كانتْ بيدي هراوتي التي لا أُفَرّط فيها، فهنالك قُطّاع طرق في المنطق، أشهرهم ولْد فَطّومة، الذي سمعتم به جميعاً. عادة المشي لمسافات طويلة، ليلاً على الخصوص، اكتسبتُها أيّامَ كنتُ عسكريّاً، ولا تزال تلازمني. في الليلة التي أحكي، كان الهدوء سائداً وكنتُ أمضي في سبيلي لا أسمع إلّا حفيف أوراق الشّجر ولا أشعر إلّا بهبّات البرد المتقطّعة على صِدغيّ، وقلتُ في نفسي إنّي لن يعترض سبيلي لا حَشدٌ كلاب مهتاجة ولا قاطع طريق. لكنّي أخطأتُ الظّنّ، ففيما كنتُ أتابع سيري وأتطلّع إلى النّجوم، انبثق قبالتي، على بعد أمتار منّي، ولد فطّومة بلحمه ودمه. كنتُ قد سمعت عنه كثيراً، وكنتُ أعلم أنه ضخم الجثة، قويّ البنية، طويل الشَّعر أكثر من المعتاد بكثير، فأمكنني أن أتعرّف عليه على الفور...» كان العسكري (جعاطة) يحكي ومباراة الضّامة تستمرّ. فارس يهجم من الجانبين ومن الوسط، المحجوب ولد عامر يُدافع ويستعمل مهاراته لئلّا يتغلّب عليه فارس. هذا الأخير يتقدّم بثلاثة بيادق نحو الخانات العليا. الذي يصل من تلك البيادق إلى واحدة من تلك الخانات، سيكتسب صفة "ضامة"، وهذه الأخيرة لها الحق في التحرك ذهاباً وإيابا، كما تستطيع أن تقفز على ما تشاء من خانات فارغة في الاتجاهين. المحجوب يستنفر مهاراته ليستعيد أملاً ما في الفوز، لكنّ فارس ليس بالخصم الليّن العريكة. وجعاطة يروي: «... تعرّفتُ عليه، ولا أخفي عليكم أنّني شعرتُ بشيء كالخوف، لكنّي أنّبتُ نفسي، وتذكّرت أيام كان الرّصاص يُلعلع فوق رؤوسنا - أنا ورفاقي- في نورماندي بفرنسا ومناطق أخرى في أوروبا، وفي رمشة عين عادتْ إليّ رباطة جأشي. توقفتُ عن السّير، منتظراً ما سيُقدم عليه ولد فطّومة. وسمعته يقو لي، بحنجرة بحّاء وصوت شديد الخشونة ونبرة فيها شَرٌّ مُستطير: "الفلوس اللي عندك، اعطِني منها غِيرْ النّص، وسِرْ الله يعاونكْ". أجبته بأنه ليس معي نقود، وأضفت، لينطلي عليه ادّعائي: "كُونْ كانتْ عندي لفلوسْ ما غاديش نمشي للدّوار عْلى رجلي فهاذْ الليل". صمت لحظةً، وبدا لي أنّه يُخطّط لأمرٍ ما. بقيتُ أنا على الحذر، بل على أهبة التعارك معه إن لزم ذلك. وبالفعل، فما هي إلا بِضع ثوان حتى خَطا تجاهي بسرعة ذكّرتني بالاندفاع السريع المباغت لِمجنون بدا أوّل الأمر هادئاً ثمّ أجفل وانطلق...". كنّا نتابع قِصّة جعاطة ومباراة الضّامة في نفس الوقت. التقت عيوننا، فارس وأنا، فحرّك رأسه ومطّ شفتيه، في ابتسامة مُتَكتَّم عليها، كأنها رسالة خفيّة تؤكِّد لي أنّه سينتصر. وبالفعل، كانت لديه الآن ثلاث "ضامات"، بينما لم يكن للمحجوب بعد ولو ضامة واحدة. يحاول أحدهم أن يُسعف المحجوب بتوجيهاته. جعاطة، بدوره، يستمرّ في الحكي: "لكنّي انزحتُ مبتعداً قبل أن يُصبِح قبالتي، وهكذا عسر عليه أن يهوي عليّ بعصاه التي كان قد رفعها عالياً، وفي النهاية أهْوَى بها كيفما اتّفق، إذ كنتُ أسرعَ منه حركة، فلم يتمكّن سِوى مِن أن يَشُقّ بها الهواء نِصفين! في تلك اللحظة بالضبط، وهو لا يزال مُنحنياً بالشّق الأيمن من جذعه، لكمتُه بقوة وأصبتُ حنجرته، واستدار نحوي بصعوبة، ففاجأته بركلة قويّة طالتْ أسفل بَطنه. إثر هذا، سقط أرضاً، وعلى الفور أطلقتُ ساقيّ للرّيح، فلم أتوقّف حتّى وصلتُ إلى قنطرة مشرفة على شِعب فسيح، وهنالك رأيتها، بعيدةً عنّي، تتحرّك في وسط الشِّعب، فتتماوج قليلاً الملاءة البيضاء التي تتلفّع بها وينفخ البرد جوانبها فينبثق منها ومضٌ متقطّع. كان ضوء النّجوم ينسكب قربها فيُشَكّل ما يُشبه بركة ماء بيضاء وزرقاء، متماوجة السّطح. ثمّ ها هي تلك المرأة تقوم بحركات راقصة، بيّنةِ الغُنج حتّى من ذلك البعد. شعرتُ أنّني أنْشَده وأنّ خَدراً غريباً يسري في أطرافي، مبتدئاً بكتفيّ. ثمّ اشتدّت حالةُ الانشداه وأصبحتُ كالمسحور، وبدأتُ أنزل المنحدر المحاذي للقنطرة متوجّهاً صوبها، مسلوب الإرادة، فيما تُحرّك هي أصابع يديها فوق رأسها فيتعرّى ذراعاها وأراهما بيضاوين ولدنين، ويتأكّد لي ما أدركته من البداية: أنّها هي. بل وتبدأ في مناداتي: «والعسكريّ! والعسكريّ!». إنها هي، كما قلتُ لكم...». في تلك اللحظة، وجدتني من بين الذين رفعوا أصواتهم - كثيراً أو قليلاً- سائلين: «لكنْ هي، مَن هي؟»...
ملاحظة: نرجو ممن يرغب بإضافة تعليق، صياغته بلغة لائقة بعيدة عن القدح والذم والتحريض المختلف أو المسّ بالكرامات. إن كل ما ينشر من مقالات وأخبار ونشاطات وتعليقات، لا تعبر بأي شكل من الأشكال عن رأي الموقع الذي لا يتحمّل أي أعباء معنويّة أو ماديّة من جرّائها.

التعليقات

لارسال تعليق يرجى تعبئة الحقول الإلزامية التالية

مقالات ذات صلة