تخلق الأزمات منافذ للاستفادة، تتفاوت عائداتها حسب نوع العمل والإمكانيات المتاحة. كبار التجّار حقّقوا أرباحًا طائلة وما زالوا، بفضل الغطاء الذي تؤمّنه شبكة العلاقات المتينة بين السياسيين والتجّار، والتي تتداخل خيوطها لدرجة انصهار التاجر مع السياسي، ليشكّلا شخصًا واحدًا يمتهن السياسة لتسهيل تجارته. لكن في المقلب الآخر، ضحايا أزمات، يحاولون إيجاد ما تيسَّرَ من ثغرات يتحايلون بها على الواقع، فيحصلون على أموال غير مشروعة، يغسلها وينظّفها جشع المنظومة الفاسدة، أو على الأقل، هذا ما يقتنعون به ويبرّرون بواسطته أعمالهم.
من بين الضحايا، سائقو سيارات أجرة. يفضّلون الوقوف في طابور البنزين لنحو 6 ساعات، يحصلون بعدها على عائدات تُنسيهم عناء الانتظار، وتساعدهم على سداد ثمن حاجياتهم اليومية. غير أنّ ما يقومون به، يغذّي السوق السوداء للمحروقات.رحلة الانتظارفي مدينة صور يستأجر كثيرون سيارات يعملون بواسطتها كسائقي أجرة. لا يهمّ إن حملت السيارات لوحة تسجيل عمومية قانونية، أم لا. وكذلك ليس مهمّاً أن يحمل السائقون رخصة قيادة عمومية أو بطاقة مزاولة مهنة. حتى أن القوى الأمنية في المدينة لا تتشدد في التأكد من قانونية السيارات أو سائقيها.
يستأجر هؤلاء سياراتهم من أشخاص يملكون أكثر من سيارة، وغالبًا ما يكون المؤجِّر من أصحاب النفوذ الحزبي أو السطوة على أرض الواقع. يذهب السائقون إلى محطات الوقود متناسين حاجة الركّاب إلى التنقّل. ينتظرون في الطابور لمدة تتراوح بين ساعتين أو ثلاث. ومَن وَجَدَ حظًّا يسعفه، يختصر الوقوف بنحو ساعة. وهنا يدخل عامل الوقت ليحسم القضية. فالقدوم إلى المحطة في ساعة مبكرة فجرًا، أو المبيت في السيارة قرب المحطة، يفي بالغرض.يَملأ السائق خزان سيارته. وإن قرَّر صاحب المحطة تقليل كمية البنزين المسموح بها لكل شخص، ليوزِّع المخزون على أكبر قدر من السيارات، يلجأ سائق الأجرة إلى رشوة عامل المحطّة بمبلغ يتراوح بين 20 إلى 50 ألف ليرة، حسب الكمية المسموح بها. "يفوِّل" العامل السيارة، فيحصل السائق على ما بين 40 إلى 60 ليترًا من البنزين. وإن كان محظوظًا أكثر، يملأ غالونًا بلاستيكيًا أو اثنين، أي ما يعادل 20 ليترًا.تخرج السيارة من الطابور. يتوجّه سائقها إلى منزله أو أي مكان آمن، ويُستَحسَن أن يكون قريبًا من المحطة. يُفرِغ خزان السيارة في غالونات ويترك ما يكفيه لمسيرة أخرى في الطابور. ويعاود الكرّة ليحصل على كمية مماثلة.غلّة اليومالتنقّل بين شوارع المدينة يكلّف الراكب نحو 10 آلاف ليرة لكل "توصيلة". يحتاج السائق للعمل طيلة ساعات النهار ليدفع أجرة السيارة التي تتراوح بين 75 ألفاً و100 ألف ليرة يوميًا. وفي ظل ارتفاع أسعار السلع والأدوية والحاجة للتنقّل بين صيدلية وأخرى للبحث عن الدواء، يصبح الوقت عاملًا حاسمًا في تحديد حصيلة اليوم. وفي مدينة تتزاحم فيها سيارات الأجرة القانونية وغير القانونية، يتراجع المردود الذي يتأثّر أيضًا بقرار الركّاب اختصار المسافات سيرًا على الأقدام توفيرًا لبعض المال، خصوصاً إذا كانت المسافة غير بعيدة.
يمكن لسائق الأجرة أن يحصّل نحو 400 ألف ليرة يوميًا، يدفع منها 100 ألف لصاحب السيارة، فلا يبقى لديه ما يكفيه لمواجهة غلاء الأسعار، في حين يمكنه خلال 3 ساعات، تحصيل ما يفوق نتاج عمل يوم كامل.تفريغ خزان الوقود يعطي على الأقل نحو 4 غالونات سعة 10 ليتر لكل واحد. يُملأ الغالون بـ8.5 ليتر أو 9 ليترات في أحسن الأحوال، ويُباع بما يتراوح بين 350 ألف ليرة و400 ألف ليرة. أي أن الغالون الواحد يعطي السائق ما يمكن إنتاجه في يوم كامل. ومَن يُنتج أكثر من ذلك، يكفيه بيع غالونين، فكيف إذا باع أربعة؟إذا تمكَّن السائق من تعبئة السيارة مرة واحدة وبيع غلّته، يحصل على نحو مليون و400 ألف ليرة. وإذا حالفه الحظ في تعبئة غالونين إضافيين، يحصل على نحو 2 مليون و100 ألف ليرة. يدفع منها 100 ألف ليرة لصاحب السيارة، ولنفترض أنه دفع رشوة بطعم "الإكرامية" لعامل المحطة، بما لا يزيد عن 100 ألف ليرة، يحتفظ بما لا يقل عن مليون و900 ألف ليرة. وإن حظي بانتظارين على المحطة، أي بتعبئة 8 إلى 10 غالونات كمعدل وسطي، ونحو 12 غالوناً كمعدل مرتفع، تكون "يومية" السائق ما لا يقل عن 3 مليون و300 ألف ليرة. وهو ما يستحيل تحصيله من انتظار الركاب.من صور إلى الجيةيحاول السائقون تعبئة الوقود من أقرب محطة. يفضّلون إيجاد غلّتهم في محطّات مدينة صور أو القرى المجاورة. وإن فشلوا، يتوجّهون إلى مدينة صيدا، حيث تنتشر الأخبار عن "تفويل السيارات". ومن صيدا إلى صور، وقت لا يزيد عن نصف ساعة إن كان المسير بسرعة متوسطة، أو إن أراد السائق اعتبارها "كزدورة". كما أن منطقة الجيّة، أصبحت مقصدًا إضافيًا لمن تعذّر عليه تعبئة السيارة في صيدا. إلاّ أن الذهاب إلى الجيّة يعني خسارة وقت إضافي وتقليص هامش الربح. لذلك يفضّل السائقون حصر نشاطهم بين صور وصيدا.
عرف معظم أصحاب السيارات هذه اللعبة، فطالبوا بحصّة من الأرباح تضاف إلى أجرة السيارة. وهنا، يدخل الطرفان في بازار حول السعر. يعرض السائق مظلوميته إذ يضطر للانتظار داخل السيارة التي تتحوّل إلى صفيحة حديد حارقة تحت أشعة الشمس، واضطراره لمواجهة احتمال قرار المحطة بالاقفال، ويعود الجميع بصفر بنزين، وبالتالي احتمال مواجهة خسارة البنزين وحصيلة ما يمكن جمعه من الركّاب. ففي العملية مغامرة يقوم بها السائق، ما يستدعي حصوله على كامل الربح أو نسبة تزيد عن 80 بالمئة. وفي الحالتين، تجارة السوق السوداء أفضل بالنسبة إليه.
من بين الضحايا، سائقو سيارات أجرة. يفضّلون الوقوف في طابور البنزين لنحو 6 ساعات، يحصلون بعدها على عائدات تُنسيهم عناء الانتظار، وتساعدهم على سداد ثمن حاجياتهم اليومية. غير أنّ ما يقومون به، يغذّي السوق السوداء للمحروقات.رحلة الانتظارفي مدينة صور يستأجر كثيرون سيارات يعملون بواسطتها كسائقي أجرة. لا يهمّ إن حملت السيارات لوحة تسجيل عمومية قانونية، أم لا. وكذلك ليس مهمّاً أن يحمل السائقون رخصة قيادة عمومية أو بطاقة مزاولة مهنة. حتى أن القوى الأمنية في المدينة لا تتشدد في التأكد من قانونية السيارات أو سائقيها.
يستأجر هؤلاء سياراتهم من أشخاص يملكون أكثر من سيارة، وغالبًا ما يكون المؤجِّر من أصحاب النفوذ الحزبي أو السطوة على أرض الواقع. يذهب السائقون إلى محطات الوقود متناسين حاجة الركّاب إلى التنقّل. ينتظرون في الطابور لمدة تتراوح بين ساعتين أو ثلاث. ومَن وَجَدَ حظًّا يسعفه، يختصر الوقوف بنحو ساعة. وهنا يدخل عامل الوقت ليحسم القضية. فالقدوم إلى المحطة في ساعة مبكرة فجرًا، أو المبيت في السيارة قرب المحطة، يفي بالغرض.يَملأ السائق خزان سيارته. وإن قرَّر صاحب المحطة تقليل كمية البنزين المسموح بها لكل شخص، ليوزِّع المخزون على أكبر قدر من السيارات، يلجأ سائق الأجرة إلى رشوة عامل المحطّة بمبلغ يتراوح بين 20 إلى 50 ألف ليرة، حسب الكمية المسموح بها. "يفوِّل" العامل السيارة، فيحصل السائق على ما بين 40 إلى 60 ليترًا من البنزين. وإن كان محظوظًا أكثر، يملأ غالونًا بلاستيكيًا أو اثنين، أي ما يعادل 20 ليترًا.تخرج السيارة من الطابور. يتوجّه سائقها إلى منزله أو أي مكان آمن، ويُستَحسَن أن يكون قريبًا من المحطة. يُفرِغ خزان السيارة في غالونات ويترك ما يكفيه لمسيرة أخرى في الطابور. ويعاود الكرّة ليحصل على كمية مماثلة.غلّة اليومالتنقّل بين شوارع المدينة يكلّف الراكب نحو 10 آلاف ليرة لكل "توصيلة". يحتاج السائق للعمل طيلة ساعات النهار ليدفع أجرة السيارة التي تتراوح بين 75 ألفاً و100 ألف ليرة يوميًا. وفي ظل ارتفاع أسعار السلع والأدوية والحاجة للتنقّل بين صيدلية وأخرى للبحث عن الدواء، يصبح الوقت عاملًا حاسمًا في تحديد حصيلة اليوم. وفي مدينة تتزاحم فيها سيارات الأجرة القانونية وغير القانونية، يتراجع المردود الذي يتأثّر أيضًا بقرار الركّاب اختصار المسافات سيرًا على الأقدام توفيرًا لبعض المال، خصوصاً إذا كانت المسافة غير بعيدة.
يمكن لسائق الأجرة أن يحصّل نحو 400 ألف ليرة يوميًا، يدفع منها 100 ألف لصاحب السيارة، فلا يبقى لديه ما يكفيه لمواجهة غلاء الأسعار، في حين يمكنه خلال 3 ساعات، تحصيل ما يفوق نتاج عمل يوم كامل.تفريغ خزان الوقود يعطي على الأقل نحو 4 غالونات سعة 10 ليتر لكل واحد. يُملأ الغالون بـ8.5 ليتر أو 9 ليترات في أحسن الأحوال، ويُباع بما يتراوح بين 350 ألف ليرة و400 ألف ليرة. أي أن الغالون الواحد يعطي السائق ما يمكن إنتاجه في يوم كامل. ومَن يُنتج أكثر من ذلك، يكفيه بيع غالونين، فكيف إذا باع أربعة؟إذا تمكَّن السائق من تعبئة السيارة مرة واحدة وبيع غلّته، يحصل على نحو مليون و400 ألف ليرة. وإذا حالفه الحظ في تعبئة غالونين إضافيين، يحصل على نحو 2 مليون و100 ألف ليرة. يدفع منها 100 ألف ليرة لصاحب السيارة، ولنفترض أنه دفع رشوة بطعم "الإكرامية" لعامل المحطة، بما لا يزيد عن 100 ألف ليرة، يحتفظ بما لا يقل عن مليون و900 ألف ليرة. وإن حظي بانتظارين على المحطة، أي بتعبئة 8 إلى 10 غالونات كمعدل وسطي، ونحو 12 غالوناً كمعدل مرتفع، تكون "يومية" السائق ما لا يقل عن 3 مليون و300 ألف ليرة. وهو ما يستحيل تحصيله من انتظار الركاب.من صور إلى الجيةيحاول السائقون تعبئة الوقود من أقرب محطة. يفضّلون إيجاد غلّتهم في محطّات مدينة صور أو القرى المجاورة. وإن فشلوا، يتوجّهون إلى مدينة صيدا، حيث تنتشر الأخبار عن "تفويل السيارات". ومن صيدا إلى صور، وقت لا يزيد عن نصف ساعة إن كان المسير بسرعة متوسطة، أو إن أراد السائق اعتبارها "كزدورة". كما أن منطقة الجيّة، أصبحت مقصدًا إضافيًا لمن تعذّر عليه تعبئة السيارة في صيدا. إلاّ أن الذهاب إلى الجيّة يعني خسارة وقت إضافي وتقليص هامش الربح. لذلك يفضّل السائقون حصر نشاطهم بين صور وصيدا.
عرف معظم أصحاب السيارات هذه اللعبة، فطالبوا بحصّة من الأرباح تضاف إلى أجرة السيارة. وهنا، يدخل الطرفان في بازار حول السعر. يعرض السائق مظلوميته إذ يضطر للانتظار داخل السيارة التي تتحوّل إلى صفيحة حديد حارقة تحت أشعة الشمس، واضطراره لمواجهة احتمال قرار المحطة بالاقفال، ويعود الجميع بصفر بنزين، وبالتالي احتمال مواجهة خسارة البنزين وحصيلة ما يمكن جمعه من الركّاب. ففي العملية مغامرة يقوم بها السائق، ما يستدعي حصوله على كامل الربح أو نسبة تزيد عن 80 بالمئة. وفي الحالتين، تجارة السوق السوداء أفضل بالنسبة إليه.
ملاحظة: نرجو ممن يرغب بإضافة تعليق، صياغته بلغة لائقة بعيدة عن القدح والذم والتحريض المختلف أو المسّ بالكرامات. إن كل ما ينشر من مقالات وأخبار ونشاطات وتعليقات، لا تعبر بأي شكل من الأشكال عن رأي الموقع الذي لا يتحمّل أي أعباء معنويّة أو ماديّة من جرّائها.
التعليقات
لارسال تعليق يرجى تعبئة الحقول الإلزامية التالية

