كان ازدحام طابور متعدد التفرعات على محطة الوقود، والوقت ظهيرة، والحرّ يهوي بسياطه على السيارات ومن فيها. من لا مكان تقريباً، ظهرت ثلة شبان. عضلات ولغة جسد كأنها هراوات ناطقة. أوقَفوا التقدم السلحفاتي للسيارات، مفسحين المجال لسيارة بعينها كي تتخذ مستقرّها في أول الصف، وفي مرمى النظر: دركي. لم يحرك ساكناً. كأنه لم ير شيئاً، وكأنه، هكذا، واقف لا لسبب معين إلا حراسة القيظ. تململ البعض، وخرجت رؤوس من نوافذ السيارات، وفُتحت أبواب للاستكشاف. ثم هدأت الزوبعة قبل أن تهبّ، وملأت السيارة الواصلة منذ لحظات، خزانها، قبل المنتظرين منذ ساعات. و"الوطن" مطمئن إلى استتباب الحرقة في الجو. رغم التوق إلى من يردع شبيحة البنزين، الأرجح أن أحداً لم يُلقِ بلائمة على الدركي الذي بات راتبه الشهري يساوي خمسين دولاراً. بل الأرجح أيضاً أن الجميع في ذلك الطابور، وسواه الكثير، بقمصانهم المغمسة بالعَرَق وأنفاسهم اللزجة لزوجة الهواء، صاروا ذاك الدركي. لم يعد هناك ما يدافعون عنه، حتى ولو امتلكوا الحميّة والقوة، والحوافز والقناعات والوسائل، وهم لا يملكون منها شيئاً. الأهداف نفسها تبخرت.لا كرامة باقية ندافع عنها. مثالها مثال سائق التاكسي الذي قرر أن يمخر زواريب "الخندق الغميق" تفادياً لزحمة الطوابير، كي يوصلني إلى السوديكو. وفي طريق ضيق، وجد نفسه وجهاً لوجه مع سيارة دفع رباعي داكنة الزجاج. وبلا تردد، حشر نفسه ما استطاع مع سيارة مركونة إلى يمينه، لتمرّ الدبابة السوداء الصغيرة، حتى انقلبت مرآته اليُمنى مُغلَقة. ومع ذلك، لم يسلَم. انحسرت نافذة "الجيب" عن وجه مُلتحٍ بالسواد: "شو بدك؟ ما بدك تمرقني؟".- على راسي والله، بأمرك، راحت مرايتي لَمَرّقكوانحرف أكثر إلى اليمين، وما إن اطمأن إلى مروره السالم وإغلاق نافذته، حتى أفلت لسانه بالسّباب. قال إنه رأى، بوضوح، الراكب إلى جانب البطل: كلاشنكوف.كلنا ذاك الدركي المكمّم، ولم يبق ما ندافع عنه. والثورات الفاشلة أشدّ فتكاً من الظلم، ومن الثورات التي لا تندلع أبداً، إحباطه يلتهم الأمل في لقمة واحدة. هذا القنوط مزمن، دواؤه مقطوع.لا وطن باقياً لندافع عنه، هذه بداهة ساطعة وقديمة. لكن أيضاً، لا ذكريات. فالذكريات مستحيلة الاقتلاع، باتت تُقتلع ذاتياً، أسوة بأطيافها من أهلٍ وصُحبة مُغادرة إلى مكان أفضل. وأي مكان هو الآن أفضل. الذكريات مؤلمة لدرجة أن بَترها صار أرحَم.الديموقراطية بالحد البشري الأدنى، المدَنية ولو جزئياً، الفساد مضبوطاً ولو من دون اجتثاثه،... حتى التفكير في هذه الأشياء نكتة سمجة، شتيمة للعقل والوجدان. تداول السلطة مُداورة بين لصوص وقتَلة. الانتخابات، إن أجريت، ستعيد إنتاج العصابة نفسها، بالضبط بسبب الأزمة الساحقة الماحقة، والتي، في عالم موازٍ، كانت لتكون الريح التي تقلب صفحة، بل تنتزعها من لواصقها. وحدها اللامركزية تتحقق ككابوس حتمي: الفنادق تستورد مازوتها، والمليشيا باخرتها الإيرانية، والدولار بثمانية أسعار صرف، وعشرات الأسواق السوداء تسيّر اليوميات مثل "تاجر البندقية".لم يعد هناك ما ندافع عنه. الدولة تتطور من فشل إلى عدم. العدالة للمرتكب. جرائم بالأكوام حتى ما عاد ممكناً تذكّرها كلها، ناهيك عن حصر ملابساتها وهويات القتلى. أطفال رضّع متروكون في مستوعبات النفايات. الأمن العام يقنّن إصدار جوازات السفر. مرضى السرطان يعتصمون لأن علاجاتهم لا تنتظر، فيما وزير الصحة يُداهم مخازن مُحتكِرين ويسمح باستمرار وجودها المرخّص... الحياة نفسها تنفد خلف جدران الحصار الوطني، وصديقة تقول: يجب أن نكتب على رمال شواطئنا "نحن هنا رهائن". أما "حب الحياة" فوقاحة في "انستغرام"، وحفلات تجار الأزمة وسيّاحها، وأعراس أبناء السلطة.. سلطة على مزبلة.لا شيء ندافع عنه، حتى النزهات اليومية على الأقدام، مساحاتنا الصغيرة في فضاء عام قذر، عَطِن، وفي الليل مرعب أيضاً.الرهينة لا تملك الدفاع عن نفسها إلا هرباً، والهرب يحتاج فيزا، والفيزا يلزمها جواز سفر، وجواز السفر باتت تُشتَرَط له فيزا وبطاقة سفر وهذه ثمنها "فريش دولار"،... حلقة الشرّ المفرغة هي كل ما تبقى، وهذه تقتات على دورانها المُفرَغ.
ملاحظة: نرجو ممن يرغب بإضافة تعليق، صياغته بلغة لائقة بعيدة عن القدح والذم والتحريض المختلف أو المسّ بالكرامات. إن كل ما ينشر من مقالات وأخبار ونشاطات وتعليقات، لا تعبر بأي شكل من الأشكال عن رأي الموقع الذي لا يتحمّل أي أعباء معنويّة أو ماديّة من جرّائها.
التعليقات
لارسال تعليق يرجى تعبئة الحقول الإلزامية التالية


