لا تزال المفاوضات الأميركية الإيرانية تدور عبر الوسطاء حول مقترح طهران لوقف القتال وإعادة فتح مضيق هرمز، فيما تسير الرواية الإعلامية الأميركية في اتجاه آخر. فقد نقلت «أكسيوس» و«سي إن إن» عن مسؤولين أميركيين استعداد الرئيس دونالد ترامب لتخفيف العقوبات والإفراج عن أموال إيرانية مجمّدة مقابل خطوات تتصل بالبرنامج النووي. لكن ترامب نفى بنفسه أن يكون قد قدّم هذا العرض، قائلاً إنه لم يعرض على إيران شيئاً. وفي المقابل، أعلن رفض المقترح الإيراني أمام الصحافيين، بينما قال وزير الخارجية عباس عراقجي إن الوسطاء لم ينقلوا إلى طهران رفضاً أميركياً رسمياً، وإنها تنتظر موقف واشنطن النهائي قبل تحديد خطوتها التالية. هذان النفيان لا يعنيان أن الخلاف قد زال؛ إنهما يحددان الفارق بين ما يُتداول في الإعلام وما بلغ الطرفين بالفعل عبر قناة التفاوض.
ووفق ما نقلته «رويترز»، يتناول المقترح الإيراني وقف الأعمال القتالية في إيران ولبنان، ورفع الحصار الأميركي عن الموانئ الإيرانية والعقوبات على النفط، والإفراج عن الأموال المجمّدة، تمهيداً لإعادة فتح هرمز خلال سبعة أيام واستئناف البحث النووي. وتدور اتصالات الوسطاء حول صيغة معدّلة من هذا المقترح؛ وقد تحدث المسؤولون الأميركيون والإيرانيون معهم بصورة منفصلة. أما المتحدث باسم الخارجية القطرية ماجد الأنصاري فأكد، أمس، استمرار الاجتماعات وتبادل الرسائل، وقال إن وظيفة الوساطة تجاوز العقبات وتقريب وجهات النظر للوصول إلى حل سلميّ يُعيد حرية الملاحة، في إشارة واضحة إلى أن فتح مضيق هرمز لا يزال يتصدر المفاوضات، بخلاف الرواية الأميركية المعلنة حول التفاوض. تفاؤل الوسيط هنا هو انعكاس لما يدور على طاولة التفاوض وليس مجرد رهان على إمكان استمرار العمل على صيغة وسطية مفترضة.
بموازاة ذلك، يجري تسويق مقولة أميركية مفادها أن تحسن صادرات النفط أسقط ورقة هرمز من يد إيران. أظهرت بيانات «كبلر» ارتفاع صادرات الخام من منتجي المنطقة في أيلول، مع زيادة الكميات العابرة للمضيق. لكن صادرات المنطقة تشمل أيضاً مرافئ تقع خارجه، ولا تعادل وحدها حجم العبور فيه، كما بقيت أقل من مستواها قبل الحرب بكثير. والأهم أن برميل برنت، رغم تراجعه في تداولات الثلاثاء إلى 102.59 دولار، ظل فوق المئة دولار ومتجهاً إلى مكسب شهريّ يقارب 13 في المئة، فيما هبط الاحتياطي النفطي الاستراتيجي الأميركي إلى 283.8 مليون برميل، أدنى مستوى منذ عام 1982. لذلك لا يكفي إعلان مرور مزيد من السفن للقول إن السوق تخلّصت من خطر المضيق أو إن واشنطن لم تعد تدفع كلفة اضطراب الإمدادات، بينما يواصل الديزل الارتفاع في السوق الأميركية.
هنا تكمن خطورة تحويل التقدير الأميركي إلى قاعدة تفاوضية. فإذا تعاملت واشنطن مع هرمز كورقة إيرانية سقطت، وأرادت التفاوض على تنازلات طهران وحدها، فقد تجد إيران نفسها أمام خيار إثبات أن حركة الناقلات الحالية قابلة للتعطيل، بما يرفع احتمال تشديد الضغط العسكري على الملاحة. ولا تحتاج السوق إلى أكثر من إصابات متكررة، وارتفاع التأمين، وتردد الشركات في الإبحار، بما يمكن أن يعيد المضيق سريعاً إلى قلب الأزمة. وقد وصفت «وول ستريت جورنال» انتعاش الصادرات بأنه يضعف الضغط الإيراني، لكنها أشارت في الوقت نفسه إلى خطر لجوء طهران إلى تصعيد عسكريّ لتعزيز موقعها.
وإذا لم يقع التصعيد في هرمز، تبقى جبهة باب المندب حاضرة في حسابات الحرب. فالتقدّم الذي حققته قوات صنعاء على الساحل اليمني جعل أمن الملاحة في البحر الأحمر جزءاً من المشهد الإقليمي، بالتزامن مع استئناف السعودية تحميل النفط من ينبع عبر خط شرق–غرب. واستهداف هذا الخط في أيلول أظهر أن الطريق البديل عن هرمز ليس بمعزل عن مخاطر الحرب. وعليه، فإن الرهان على تجاوز المضيق بإعادة توزيع مسارات التصدير لا ينهي السؤال عن سلامة تلك المسارات. تفعيل باب المندب احتمال سياسي وعسكري تفرضه تطورات اليمن، وليس قراراً يمكن الجزم بصدوره عن طهران أو صنعاء.
وفي فلسطين، تزداد خطورة المشهد الديني والسياسي مع اقتراب الانتخابات الإسرائيلية. فقد تواصلت اقتحامات المستوطنين لباحات المسجد الأقصى خلال عيد العرش، بعد مشاركة الوزير إيتمار بن غفير في اقتحامات اليوم السابق. وفي الخليل، أُغلق الحرم الإبراهيمي أمام المصلين الفلسطينيين لثلاثة أيام، ثم دخل إليه بن غفير مع مئات المستوطنين، وفق وكالة «وفا»، وسط إغلاق الشوارع والأحياء المحيطة. وهذه الوقائع المتزامنة في موقعين شديدَي الحساسيّة، تجري في مناخ انتخابي تتنافس فيه قوى اليمين الإسرائيلي الديني على مخاطبة جمهورها بين المستوطنين. والخشية أن تتحوّل استفزازات الأماكن المقدسة، مع استمرار الاعتداءات في الضفة، إلى شرارة انفجار يتجاوز حسابات الحملة الانتخابية نفسها.
لا تبدو «إسرائيل» في وارد الانسحاب من جنوب لبنان، بل تتجه إلى تثبيت واقع أمنيّ جديد ضمن المنطقة العازلة التي باتت تُعرف بـ«الخط الأصفر»، فيما لا تزال المفاوضات المباشرة بين لبنان و»إسرائيل» تراوح مكانها ولم يُحدّد أي موعد دقيق للجولة الثامنة. وبحسب المؤشرات التي باتت واضحة أمام لبنان، فإنّ المرحلة المقبلة لن تكون مرحلة تسوية سريعة، بل مرحلة ضغط متواصل قد تمتدّ إلى ما بعد الانتخابات الإسرائيلية والأميركية، وربما إلى الأشهر الأولى من عام 2027.
في هذا السياق، تتمسك «إسرائيل» بمواصلة عملياتها العسكرية وببقائها في المنطقة الأمنية جنوباً، وتربط أي انسحاب منها بملف سلاح حزب الله، تحت عنوان القضاء على قدراته العسكرية. وقد برز هذا الربط في لقاءات رئيس الحكومة نواف سلام في واشنطن، حيث لمس ضغوطاً على لبنان لاتخاذ خطوات إضافية في ملف السلاح، بالتوازي مع ربط تحسن الوضع اللبناني والانسحاب الإسرائيلي بتحقيق تقدم في هذا الملف.
وربط رئيس الحكومة نواف سلام بسط سيادة الدولة في الجنوب بانسحاب إسرائيلي كامل وفق جدول زمني، مؤكداً وجود توافق مع واشنطن على هذا المسار.
وقال إن اللبنانيين اتفقوا على حصر السلاح بيد الدولة، وعلى «حزب الله» الالتزام بذلك، مشيراً إلى أن «اليونيفيل» لن تستمر بصيغتها الحالية من دون توضيح البديل.
وفي الملف الإيراني، أعلن سلام طلب تعيين سفير جديد لطهران، مؤكداً سعي لبنان إلى فتح صفحة جديدة تقوم على الاحترام المتبادل والوفاء بالتزاماته. وقال: «لا يمكننا أن نسمح بأن يتحول الإطار الثلاثي إلى مسار آخر يكتفي بإدارة النزاع بدلاً من حلّه. نريده أن يغيّر الواقع على الأرض. نريده أن يحقق نتائج ملموسة. نريده أن ينجح».
وقال وزير الخزانة الأميركي سكوت بيسنت، في منشور على منصة «أكس»، إنه التقى رئيس الحكومة، مشيراً إلى أنه ناقش معه ومع وزير المالية اللبناني ياسين جابر الإصلاحات الرئيسية في القطاع المالي.
وأكد بيسنت الحاجة إلى «اتخاذ إجراءات حاسمة لتعطيل الشبكات المالية التابعة لإيران وحزب الله»، مشدّداً على أهميّة الإصلاحات الجوهرية في القطاع المالي لاستعادة الثقة بالنظام المصرفي اللبناني.
وعقد سلام اجتماعاً مع رئيس مجموعة البنك الدوليّ أجاي بانغا ورئيس مؤسسة التمويل الدولية (IFC) مختار ديوب، في مقر البنك الدوليّ في واشنطن، لبحث مسار التعاون بين لبنان والمجموعة وسبل توسيعه بما يواكب أولويات الحكومة في الإصلاح والتعافي وإعادة الإعمار.
وأكد رئيس الجمهورية جوزاف عون أن لبنان يعوّل على الولايات المتحدة للضغط على «إسرائيل» لتنفيذ «اتفاق الإطار»، مشدداً على ضرورة وقف أعمال التفجير والجرف والتدمير في القرى الجنوبية المحتلة، واستكمال إعادة الأسرى اللبنانيين وتصحيح النقاط المختلف عليها على طول الخط الأزرق، وصولاً إلى الانسحاب الإسرائيلي التدريجي وانتشار الجيش اللبناني حتى الحدود الجنوبيّة المعترف بها دولياً.
وحذر عون من أن أي تأخير إسرائيلي في تنفيذ الاتفاق سيبقي التوتر في الجنوب ويعيق بسط الدولة سلطتها على كامل أراضيها الجنوبية، وإزالة المظاهر المسلحة وإعادة النازحين إلى قراهم. كما دعا إلى توفير الإمكانات اللازمة للجيش، في ظل تعدّد المهام التي يتولاها على الحدود وفي الداخل.
وفي الشأن الحكومي، أكد عون التزام الحكومة تنفيذ الإصلاحات المالية والاقتصادية والقضائية، مشيراً إلى إقرار قوانين إصلاحية والعمل على استكمال المسار الإصلاحي.
وأكد رئيس مجلس النواب نبيه بري من جهته أن الإدارة الأميركية والرئيس دونالد ترامب قادران على ممارسة الضغط لإلزام «إسرائيل» بوقف حربها على لبنان، معتبراً أن استمرارها يعرقل جهود قيام الدولة ومؤسساتها بواجباتها. ودعا إلى تفادي عدم التجديد لقوات «اليونيفيل»، مؤكداً أن عدم التزام «إسرائيل» بالاتفاقات يشكل العائق الأساسي أمام وقف الحرب، وأن حق لبنان في ملاحقتها على جرائمها «حق سياديّ» لا يجوز التنازل عنه. كما نوّه بالمساعدات المقدّمة لدعم الجيش اللبناني.
وأعربت قطر عن رفضها التام التصريحات الإسرائيلية بشأن ضمّ مناطق في جنوب لبنان، ومناطق تمتدّ حتى «الخط الأصفر» في قطاع غزة، وتعدّها تحدياً سافراً للقانون الدولي وقرارات الشرعية الدولية.
ويعقد مجلس الوزراء جلسة في السرايا الحكومية غداً لمتابعة البحث في مشروع قانون الموازنة العامة لعام 2027، ويتصدّر جدول الأعمال طلب وزارة العمل تعديل قيمة بدل النقل اليوميّ، إلى جانب عرض مشروع تحويل الغاز الطبيعيّ المسال في دير عمار على أساس الشراكة بين القطاعين العام والخاص، وبنود تتصل بالجمارك والتعيينات والهبات. كما يُعرض على المجلس مشروع مرسوم لإنشاء المجلس الأعلى للمناطق الاقتصادية الخاصة، والخلاف بين وزارة البيئة وديوان المحاسبة بشأن المساهمة المالية الثالثة في مشروع للحدّ من الملوّثات العضويّة الثابتة، فضلاً عن بنود إدارية ومالية أخرى.
هذا وظهر تباين بين القطاعات حول مصير الإضراب العام المقرّر اليوم، فقد أعلنت رابطة موظفي الإدارة العامة «استمرار الإضراب الشامل بين اليوم وغداً، على أن يستمر الإقفال الكامل يوم الجمعة». ودعت الرابطة الموظفين إلى «عدم الأخذ بالأخبار المغلوطة حول إلغاء الإضراب، والالتزام بموقفها الرسمي»، وأعلن «الاتحاد العمالي العام» و»اتحادات النقل البري» تعليق الإضراب اليوم.