تختلف الدول في فهمها لوظيفة المنبر الأممي؛ فبينما تراه دولُ السيادة والحرية ميدانًا هجوميًا لانتزاع الحق وتعرية الجلاد وفرض المظلومية على ذاكرة العالم، ترتضيه أطرافٌ أخرى مجرد منصة لتبادل المجاملات واستعادة البيانات الإنشائية الباهتة. لم تكن القاعة الزجاجية في نيويورك يومًا مجرد مكان لإلقاء الخطابات المنمقة بل كانت ساحة مواجهة رمزية وسياسية، تتحدد فيها هيبة الشعوب بقدرة ممثليها على تحويل أوجاع الميدان إلى مشاهد تخترق جدار الصمت الدولي، وتلزم الكاميرات ونشرات الأخبار بحمل وثائق الإدانة إلى أركان الأرض.
لقد أتقنت الجمهورية الإسلامية في إيران عبر العقود الأربعة الماضية كيفية تحويل منصة الأمم المتحدة إلى محكمة علنية لخصومها. لم تكن البداية في الخطابات السياسية المعقدة، بل في لحظات صدمت الوعي الجمعي؛ كما حدث عام 1980 حين وقف رئيس الوزراء محمد علي رجائي أمام العدسات ليكشف عن آثار التعذيب في قدمه، محولاً جسده الشاهد إلى وثيقة إدانة حية لنظام الشاه وللدعم الأمريكي الذي رعاه. وتكرر هذا النهج الهجومي في عام 2010 عندما استغل محمود أحمدي نجاد البث المباشر ليزعزع الرواية الرسمية لأحداث الحادي عشر من أيلول، محولاً الخطاب الدبلوماسي إلى هجوم مباشر دفع الوفود الغربية للانسحاب وتحويل المنبر إلى خط مواجهة. وفي عام 2022، رفع إبراهيم رئيسي صورة قاسم سليماني في قلب نيويورك ليجبر العالم على النظر في وجه القائد المغتال وتعرية قرار الاغتيال الأمريكي. ولم يخرج الرئيس مسعود بزشكيان عن هذا الخط الثابت، حين رفع أمام الجمعية العامة صورة الولي الفقيه القائد وإلى جانبها صور أطفال مدرسة ميناب الذين سقطوا في العدوان الأمريكي، ليربط بين قيادة الرمز ومظلومية البراءة والدم السفيح، مؤكدًا أن القوة الدولية لا تُجابه إلا بالحق الشاخص والرمز المرفوع.